التحرش الجنسي يرتبط بالأمن المجتمعي .. وبالصحة العقلية للمرأة ولا تختلف شرقا ولا غربا ..

أحلام أكرم
2021 / 7 / 27

الرجل هو الرجل في كل بقاع الأرض .. والعنف الذكوري جزءا من الغريزة قد يكون موجودا في كل رجل .. ولكن بنسب متفاوته تختلف من دولة لأخرى تبعا لمدى تقدم الدولة الثقافي والحضاري .. وبالتأكيد تبعا لقوانين هذه الدولة التي تعمل على إحتواء العنف بشكل أو بآخر من خلال المسائلة والحوار المستمر عن كل ما من شأنه أن يمس الأمن المجتمعي فيها والأهم القضاء الذي يستند إلى قيم حضارية ترتبط بتغيّر الواقع تضع في قمة أولوياتها الحفاظ على الكرامة الإنسانية بدون تمييز ديني أو عرقي أو جندري .. ..
تواجه أوروبا وبالذات بريطانيا مشكلة لم تعهدها ..ربما كانت موجودة في الماضي بشكل أو بآخر .. ولكنها الآن تخضع لكل الأبحاث في أسباب تصاعدها برغم الحريات الجنسية .. وفي معالجتها .. حفاظا على شكل من أهم أشكال تقدمها الحضاري المعاصر المرتبط إرتباطا وثيقا بالعقل الأخلاقي لمواطنيها ...
مشكلة التحرش الجنسي والذي قد يؤدي إلى الإغتصاب والقتل التي تواجهها بريطانيا الآن تصاعدت بعد مقتل شانا غرايس .. الفتاة ذات ال 19 عاما .. التي قتلها حبيبها السابق . برغم إبلاغها الشرطة 5 مرات عن ملاحقته لها قبل مقتلها في أغسطس 2016 .. ليس فقط تجاهلتها الشرطة آنذاك بل وغرمتها 90 جنية تحت تبرير تضييع وقت الشرطة ؟؟ والذي كشف فيما بعد عن تقاعس الشرطة البريطانية في تجاهل نداءات 13 إمرأة أخرى حاولن إبلاغ الشرطة عن تحرش مماثل .. بما سلط الضوء ورفع من وتيرة صوت الرأي العام والصوت الإعلامي لمسائلة الشرطة عن تجاهلها لهذه النداءات وتقليلها من الخطر المتوقع على المرأة من هذا التحرش ؟؟؟؟؟
جرس الإنذار من حوادث التحرش بدأ منذ أكتوبر 2017 .. بعد فضيحة المنتج السينمائي الأميركي الشهير هارفي واينستين بتحرشة بأكثر من 60 إمرأة .. والذي حُكم عليه بالسجن 23 عاما .. بعد الفضيحة مباشرة. كشف إستطلاع قناة سكاي نيوز البريطانية أن أكثر من نصف النساء في بريطانيا تعرّضن للتحرش الجنسي مرة واحدة على الأقل .. وأدى وسم الإعترافات النسوية الذي بدأ في أميركا تحت إسم " وأنا أيضا " الذي إنتشر في 85 دولة أخرى.. إلى كسر صمت النساء.. وأصبح الوسم صوت نساء من كل أنحاء العالم يعترفن بتعرضهن للتحرش بشكل أو بآخر..
في عام 2019 .. كشف إستطلاع في أميركا بأن 77% من حالات الإعتداءات الجنسية لا يُبلّغ عنها . في ذات الوقت الذي أفاد مكتب الإحصاءات الوطنية في بريطانيا بأن أكثر من 80% من إعتداءات مماثله للنساء في بريطانيا تلقى نفس المصير وحتى وإن تم الإبلاغ عنها فلا تلقى الإهتمام ..
ولكن المصيبة الكبرى التي تواجهها بريطانيا .. تصاعد نسب التحرش ففي 12 مارس 2021 , نشرت صحيفة الغارديان .. وبحسب دراسة قامت بها بأن 97% من النساء ما بين 18-24 سنة .. تعرّضن للتحرش مرة واحدة على الأقل .... وأن عدم وضوح قوانين واضحة منعتهن من إبلاغ الشرطة مما أدى لفقدان الأمان ؟؟
المشكلة الأولى التي واجهتها الشرطة أن تقاعسها السابق عن مساعدة النساء والتقليل من أهمية البلاغات .. أدت إلى فقد الثقة بالشرطة وبالمحاكم أيضا ؟؟؟ الأمر الذي دق جرس الإنذار وبقوة لحماية النساء ولإعادة الثقة بالقضاء .. قد يكون عدم وجود تعريف مُحدد للتحرش هو العائق الذي لا زال ماثلا أمام القضاء البريطاني وإن كان ليس مُبررا للماطلة ؟؟؟؟
المشكلة الثانية .. الإلتباس الذهني للشرطة ما بين التحرش وبين جرائم الكراهية الواضحة القوانين, في إعتداء البعض على النساء السود أو المسلمات أو اليهود ..ولتلافي هذا الإلتباس دعا ضباط الشرطة الحكومة إلى تصنيف إعتداءات التحرش بجرائم كراهية.. مماثلة لتلك الإعتداءت بسبب العرق أو الدين أو الميول الجنسية أو التحول الجنسي .. فمثل هذه الإعتداءت تُصنف بجرائم كراهية واضحة القوانين . يخضع فيها الجاني لعقوبة أشد ... ما دعا النشطاء في مسألة التحرش الجنسي إلى مساندة طلب الضباط في تعميم سياسة كراهية النساء ليس فقط في سجلات الشرطة ولكن من أجل المقاضاة وإصدار الأحكام وعقوبة أقسى .. ولكن القضاء البريطاني لم يبت فيها بعد ؟؟؟؟؟
سيدي القارىء .. التحرش الجنسي موجود بكل أشكالة في جميع أنحاء العالم .. والحملة البريطانية ضده جزءا من التوجه العالمي لحماية المرأة .. لإقرار قوانين واضحة وبدون أي إلتباس تُجرم التحرش لردع المتحرشين .. فمثلا قامت بيرو ( دولة في أميركا اللاتينية ) في عام 2015 بسن قانون أكثر صرامة بحيث يواجه الرجل المُتحرش عقوبة تصل إلى 12 سنة سجنا .. وتبنت الأرجنتين ونيكاراغوا قوانين صارمة أيضا .. كما وأحدثت تنزانيا ما يُقارب 400 مركز شرطة يعمل فيها ضباط مُدربون للإستجابة لشكاوي النساء .. كما وتقوم وكالات متابعة تنفيذ القوانين بإجراءات صارمة ضد مضايقات التحرش .. من أجل تشجيع النساء على التبليغ ..
كل ما سبق يؤكد حقيقة هامه وهي أننا كلنا بشر سواء في الشرق أو الغرب .. وحتى وإن كانت معدلات التحرش في الدول المتقدمة قد تزيد عنها في الدول النامية .. إلا أن أسباب عدم التبليغ تختلف ما بين الشرق والغرب .. فنساء العالم الغربي لا يُبلغن الشرطة ليس خوفا من الفضيحة وإنما لتقاعس الشرطة ؟؟ بينما عدم تبليغ المرأة العربية ناتج عن كلا السببين . الخوف من الفضيحة وتقاعس الشرطة والخوف من توجيه أصابع الإتهام بأن شيئا ما في ملبسها هو السبب ؟؟ ولكن يبقى على رأسها الخوف من العار الذي قد يلاحقها وقد يتسبب في مقتلها لأن مجتمعاتنا قتلت العقل الأخلاقي حين قتلت المسائلة ؟؟؟

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية