عليّ بحماري.................قصة

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 24

يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. مسحت بأطراف أصابعي ظهر عيني.. أخذت إبريق الوضوء.. وكما كنت أرشق الماء على وجهي.. كانت تهاجم ذهني مجموعة مشكلات مضى عليها زمن.. ولازالت تحدث في أيامنا هذه.. لمت نفسي.. أليس عيبا عليّ السكوت على منكر يحدث أمام عيني؟.. وكيف لم أقوّمه بيدي؟.. لماذا إذن هذا الجسم المعافى من أي مرض؟.. وهذا العود الصلب المتين؟.. لا تنقصني سوى العزيمة.. سوف لن أسكت مرة أخرى إن شاهدت منكرا كالذي حدث أمامي في الربيع الماضي.. لقد تجاوز عبد الجبار أبو ديب كل الأخلاق والقيم.. ونعدّه جارا لا بارك الله فيه وفي أمثاله.. فتاة مثل بناتك يا سافل.. تضحك عليها ببضع ليرات.. أو هدية؟.. هل تقبل أن يفعل أحد بابنتك ما تفعله أنت وتسكت؟.
كانت تلك أول مرة يلتقي بها في حقلهم على ما يبدو.. لكنهما لم يرياني.. هما ليسا بعيدين عني.. اختبأت خلف الدكة المرصوفة فوق بعضها بعناية من الحجر البركاني.. حبن غابا عن عيني بين نباتات الذرة الكثيفة.. التي تمايلت واضطربت بحركة غير عادية.. تمددت على الأرض وقلت لنفسي.. إن بعض الظن إثم.. ربما جلسا يأكلان شيئا.. فهذه ابنة الجيران من عمر بناته بدأت أرفع جذعي كل لحظة لأرى ما يحدث.. كأني غير مقتنع بطبيعة وجودهما معا هنا.. سمعت صراخ فتاة لم تنضج بعد.. اخترق أذني وقلبي.. صراخ استغاثة ملتاعة.. قفزت من مكاني لاستغاثتها.. لكني انكفأت مقهورا وقعدت في مكاني.. وكأن نارا تكوي رئتي.. ووجدت تبريرا لنفسي وقلت.. إنها فتاة يتيمة.. ومن أسرة ضعيفة مثلي تماما.. وليس لي أحد أرمي أحمالي عليه.. رغم كثرة عدد أفراد أسرتنا.. لكن جارنا عبد الجبار.. من أسرة كبيرة في البلد.. ورجالها يتصفون بشراستهم وقلة مراعاتهم لمشاعر وحقوق الآخرين.. وفوق كل هذا.. لديهم من المال ما يكفي ويزيد لدفع ما يطلب منهم عند الضرورة.. من أين تأتيهم هذه الأموال؟.. مع أن أرضهم بحجم أرضنا.. يا رجل مالك وما للناس؟.. إذا كنت لا تستطيع أن تقوّم هذا المنكر بلسانك أيضا.. فقومه بقلبك.. لم أدر يومها كيف قومته بقلبي وماذا قلت.. وكيف ارتاحت نفسي.. صدقوني لم أدر.. في كل الأحوال.. تلك حادثة لو تكررت يمكن أن يوضع لها حل فيتزوج الرجل الفتاة.. وينجبان صبيانا وبنات.
لكن ما فعله أخوه غضبان أبو ديب.. كان فوق المنكرات.. وأكبر من كل ما يحكى ويرى.. توقف التفكير ساعتها عند جميع الحاضرين.. الذين انتشروا في أطراف الساحة.. هربا من مواجهة الموقف.. وكنت واحدا منهم.. نفتح أفواهنا.. ونحدق بعيوننا.. وتتحرك حناجرنا بفحيح لا إرادي.. وتعمل غددنا وعضلات حلوقنا كأنها تبلع.. لكن دون لعاب.. لأن جميع السوائل جفت.. حتى الدم الذي في الوجوه غاض وغار.. كان مسعود مثل خروف بيد غضبان أبو ديب.. وهو يقتاده مقطّع الهدمة.. مكشوف الصدر والبطن.. ولم يحاول أحد الاقتراب لمنع الجريمة المنكرة.. زعق غضبان بصوت أحسست أن قطع لحم كانت تقف في مجرى الهواء.. اندفعت مع الزعيق.. كطلقات بندقية: ( إذا واحد منكم تنفس.. سيحل مكانه ).
توقف في منتصف الساحة.. يتبعه اثنان من حاشيته.. أخرج مسدسا من خاصرته اليمنى.. كنت أحمّس نفسي لأهجم عليه وألوي ساعده.. وأخطف المسدس من يده بعد أن أرميه أرضا.. ثم أضع المسدس بين حجرين وأسحنه وأدقه دو.. دو.. دو.. لكني سريعا عدت عن فكرة الهجوم.. ولكت لساني لأقول كلمة طيبة.. أمنع فيها ما سيقع.. تراجعت وأحسست أن لساني ثقيل.. وقلت بدون نطق.. ألا يوجد في الساحة غيرك؟.. ربما أفرغ مسدسه برأسي بدلا من رأس مسعود.. وربما قسّم رصاصاته بينكما وصرعكما معا.. يا رجل أين أنت من هذه القضايا الكبيرة؟.. هي أكبر من مستواك.. حتى القضايا مستويات كما أن الخلق درجات.
صدقوني.. دون أن أقسم أيمانا.. قومت هذا الفعل المنكر بقلبي ولم أترك الأمر يمر هكذا.. وقبل أن أنتهي من همساتي لكم.. دوّى صوت رصاص متلاحق.. فسقط مسعود على ركبتيه وهو يشملنا جميعنا بنظرته وابتسامته التي تلونت بخيط من دم.
أوووووه.. يبدو أني تأخرت عن صلاة الجماعة في المسجد.. وضاعت ست وعشرون حسنة.
أنهيت وضوئي.. وصليت في بيتي.. وأسرعت لتجهيز حماري الذي اشتريته يوم البازار.. فنحن نحتاجه لأعمال الأرض.. فرحت بحماري بعد أن ألبسته البردعة.. وقدته إلى جانب حجر أثري يلاصق جدار بيتنا.. وقفت عليه.. ثم قذفت برجلي إلى الجانب الآخر من ظهر حماري.. فدرج مسرعا.. لشدة فرحه بي كأن به لهفة للخروج معي.. ظل يهرول حتى ابتعدنا عن البلدة.. وصرنا وسط الحقول الخضراء وبساتين الأشجار المزهرة.. التي تريحها أشعة الشمس من ثقل ندى الفجر.. كانت تنبعث روائح العشب والزهر في طيات النسمات الصباحية.. فتنعش الصدر وتريح الأعصاب؟
ذكرني هذا الصباح بطعم مميز.. ورائحة خاصة.. نكمن في النفس مدة وتستيقظ.. فتحرك العواطف المعبأة بالحب والعشق.. كما تحرك عند الحيوان الدافع الجنسي.. فيستجيب له دون حياء.
وهكذا فعل حماري دون أن يعبأ بي.. راح يتلفت كل خطوتين باتجاه أتان مربوطة إلى جذع شجرة قرب الطريق.. كنت سأدعه يلبي رغبته معها لولا صوته المنكر الذي أطلقه عاليا بنهيق حاد.. وهو يرفع رأسه إلى الأعلى ويخفضه ليصل أنفه الأرض.. ويخرج زفيرا يحفر في الأرض حفرة.. وتتطاير الحصى الصغيرة.. وينتفض الغبار كما تنتفض من مؤخرته أصوات متلاحقة ترافق نهيقه.. تلفّت حولي وهمست: ( حتى أنت من آل أبي ديب؟.. إذا لم تقفل فمك وتريحني من صوتك المنكر.. سأعريك من جلدك اليوم.. وأسكب غضبي وقهري في سحنتك.. أنت لم تتعرف علي جيدا بعد) .
كان بيدي قضيب رمان أخضر طريا لينا.. رفع رأسه فجأة فاصطدم بجبهتي وهز شفته العليا وشخر كأنه يشم رائحة زهرة في غصن مرتفع.. فانهلت على رأسه ضربا بالقضيب.. أخذ يلف ويدور حول نفسه وينهق.. ويشخر.. فرد عليه حمار في الطريق خلفنا.. فجاوبهما ثالث مربوط إلى صخرة في بستان قريب من الأتان.. التي تجاوبت مع الحمير.. فكان صوتها الأجش أنكر من كل الأصوات.
هبت أصوات جميع الحمير دون رحمة بأذن أحد.. وبفارق ثانية بين الصوت والآخر.. ما جعل الأصوات المنكرة تشكّل نغما خاصا فريدا وممتعا.. ولكن رغم المتعة.. ما زلت مصرا على تقويم المنكرات.. وبدأت بحماري فلسعته بقضيب الرمان بكل قوة وجسارة.. كان القضيب طويلا.. يصل إلى كل أنحاء جسمه.. لم أترك مكانا إلا ولسعته به.. على رأسه وبطنه ومؤخرته. ركلته بكعبيّ في خاصرتيه.. فسكت عن النهيق.. لكن بقية الحمير استمرت تنهق وتنهق.. وتنهق.
بعصبية.. كنت سأنزل عن ظهر حماري لأسكت الحمير واحدا واحدا.. فوجدت أني لا أستطيع السيطرة على جميع الحمير في وقت واحد.. فإن رحت لأسكت ذاك ينهق ذلك.. وإن أسكته سينهق هذا.. وإن أسكته نهقت الأتان.. وإن أسكتها عاد حماري للنهيق المنكر.. فعدلت عن الفكرة.. واعتليت ظهر حماري وقلت لجميع الحمير: ( أليس لكم أصحاب يسكتونكم؟.. أنا عملت ما علي.. وكل واحد عليه بحماره.. وأنا فقط عليّ بحماري ).
حاول حماري أن ينهق مرة ثانية.. ولم يكد يرفع رأسه ويفتح فمه ليخرج أول حرف من صوته.. آء.. آء.. حتى انهلت على رأسه بالقضيب.. فبلع صوته وسكت.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب