هل التطور يحتاج إلى فكر مسبق؟

محمد زكريا توفيق
2021 / 7 / 22

نظرية التطور يمكن أن نقسمها إلى جزئين. الجزء الأول يقول إن كل الأحياء على هذا الكوكب تربطها صلة قرابة. كلنا أقارب، أهل وحبايب. كل نوع من هذه الأحياء، جاء من سلالة كائنات سابقة، يمكن أن تكون قد انقرضت منذ مدة، وأصبحت الآن في خبر كان.

الجزء الآخر من نظرية التطور، يبين كيفية تغير الأنواع مع الزمن، حتى تستطيع المواءمة مع البيئة ومواصلة الحياة. هذه المواءمة تستخدم أسلوب أو مبدأ "البقاء للأصلح".

الجزء الأول من نظرية التطور الذي يقول إننا وباقي الكائنات أقارب، أهل وحبايب، هو ما يعرف بالتطور. نحن وقرود الشمبانزي والغوريلا أولاد عم، نأتي من جد واحد مشترك. الحيتان وأفراس النهر، هي أيضا أقارب، قد أتت من أصل واحد. وهكذا.

فكرة أن الأحياء تتطور ليست جديدة علينا. فقد نادى بها الفيلسوف اليوناني القديم إمبيدوكليس قبل الميلاد بعدة قرون. وقد كانت فكرة مقبولة عند العلماء والفلاسفة في أيام داروين.

لم تأت عظمة داروين من قوله "نحن والشمبانزي أقارب- أهل وحبايب"، ولكن من الجزء الثاني لنظريته. أي من تفسيره للسيناريو والميكانيزم الذي يحدث عن طريقه التطور. الصراع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح.

البعض يرى نظرية التطور مجرد عمل شرير من صنع الشيطان. أما إبليس نفسه، فقد ظهر متخفيا في صورة داروين لكي يعطينا هذه النظرية الرهيبة. الهدف منها هو لخبطة المؤمنين، وإبعادهم عن الدين القويم. لكن هناك ليبراليون وعلمانيون متدينون لا يرون أي تعارض بين نظرية الخلق، كما جاءت في الكتب المقدسة، ونظرية التطور كما شرحها داروين.

التطور في نظر هؤلاء، هو طريقة الله في خلق الأحياء. وما آدم وحواء إلا مرحلة متأخرة من تطور الإنسان وانفصاله عن عالم الحيوان.

لكن نظرية التطور لداروين تقول بصراحة وبكل وضوح، إن الإنسان لم يأت عن فكر مسبق أو غرض ما. الإنسان وباقي المخلوقات جاءت وليدة الصدفة المحضة.

ليس هناك هدف طبيعي، كما يقول أرسطو، يقود عملية الخلق بصفة عامة، وخلق الإنسان بصفة خاصة. بالتالي، التطور كما طرحه داروين، لا يحتاج إلى إله لكي ينجح. مبدأ البقاء للأصلح لا يحتاج إلى طبيعة إلهية.

فكرة الخلق الميكانيكي، كما جاءت في نظرية التطور لداروين، أصابت معاصريه في القرن التاسع عشر بالرعب الشديد. مما جعل الفيلسوف الأمريكي المعاصر "دانيال دينيت" يسميها، "فكرة داروين الخطرة".

في القرن السابق لداروين، كان البرهان على وجود الله يعتمد على مقارنة عملية خلق العين للإنسان أو الحيوان مثلا، بعملية تصنيع الساعة.

تصنيع الساعة لا يمكن أن يكون قد أتي بمحض الصدفة. هذا التصنيع وراءه عقل مفكر، قام بالتصميم والتصنيع. هذا العقل هو الصانع أو المهندس. وكانت الفكرة في رأسه قبل أن ينفذها.

كذلك العين. قام بتصميمها وتصنيعها صانع قدير. هو الله نفسه. العين بلغت من التعقيد والدقة والتخصص حدا، جعل تصنيعها بمجرد الصدفة البحتة أمرا مستحيلا.

لكن نظرية داروين توضح بالتفصيل كيف تكونت أعضاء بالغة التعقيد مثل العين بالصدفة البحتة. أو بتراكم أخطاء جينية مفيدة أو غير ضارة عبر الدهور، جاء كل منها بالصدفة البحتة.

بعض الأمثلة التي توضح كيف يعمل الاختيار الطبيعي، هي قصة فراشات إنجلترا (Moth) ذات اللونين، الأبيض والأسود. قبل القرن التاسع عشر، كانت الفراشات البيضاء هي السائدة كثيرة العدد. بينما الفراشات السوداء، كانت نادرة صغيرة العدد، على وشك الانقراض.

لماذا؟ لأن الفراشات السوداء عندما تقف على جذوع أشجار الحور البيضاء (Aspen) ، تكون واضحة جلية للعيون الحادة للطيور. بعكس الفراشات البيضاء التي يصعب رؤيتها.

في القرن التاسع عشر، انتشرت المصانع وسط إنجلترا. وانتشر معها التلوث والدخان وتراب الفحم في الهواء. وصبغت بسبب هذا التلوث سيقان الأشجار باللون الأسود.

ماذا حدث بعد ذلك؟ أصبحت الفراشات السوداء مخفية عن أعين الطيور الجارحة، فتكاثرت بكميات كبيرة وأصبحت هي السائدة. بينما باتت الفراشات البيضاء واضحة الرؤية تماما لعيون الطيور الجائعة، مما تسبب في نقص عددها وندرتها.

لون الفراشات هنا لم يأت عن تخطيط مسبق. إنما مجرد عمل ميكانيكي محض. في الحالة الأولى، سيقان الأشجار البيضاء مع الطيور الجائعة، هي المسئولة عن انتشار الفراشات البيضاء. في الحالة الثانية، التلوث والطيور الجائعة هي التي تسببت في تغير لون الفراشات السائدة من اللون الأبيض إلى الأسود.

جاء في كتاب داروين "سلالة الإنسان": إن الشواهد القوية تحتم علينا القول بأن الإنسان ينحدر من سلالة أدنى في سلم التطور. هذا بالرغم من عدم عثورنا على الحلقة المفقودة التي تثبت ذلك. الإنسان ما هو إلا نوع آخر من الحيوانات، شئنا أم أبينا.

بذلك لا تختلف طبيعة الإنسان عن طبيعة الحيوان. فأي فروق خلقية أو بيولوجية يمكنها أن تميزنا عن باقي الحيوانات؟ وما هو تأثير فكرة داروين الخطرة على حياتنا وأخلاقياتنا.

يرى البعض داروين كأعظم عقلية ثورية في تاريخ البشرية، ويرى آخرون أن داروين هو أحد ثلاثة، قاموا بتدمير ونسف الاعتقاد بعظمة الإنسان وكبريائه ومكانه المميز على سطح هذه الأرض.

أما الثلاثة المشار إليهم فهم: الأول هو العالم الإيطالي "جاليليو جليلي" الذي أثبت بتلسكوبه المتواضع، عندما رصد أقمار كوكب المشتري من أعلى برج بيزا المائل، أن الكرة الأرضية ليست مركز الكون، كما كنا نعتقد سابقا.

إنما هي مجرد كوكب صغير يدور مثل باقي الكواكب حول الشمس. إذا كانت أقمار المشتري تدور حوله، ولا تدور حول الأرض، فالأرض إذن ليست هي مركز الكون.

ثم يأتي داروين بنظريته، ليثبت أننا مجرد حيوانات لا أكثر ولا أقل. أما ثالث الثلاثة، فهو "سيجمواند فرويد"، الذي يقول إننا مجرد حيوانات مريضة نفسيا، نحتاج إلى علاج.

أنظر إلى صفحات الحوادث في الصحف اليومية. وانظر إلى ما نفعله بالبيئة. أو إلى ما يفعله الإسرائيليون بالشعب الفلسطيني الأعزل. أو إلى ما تفعله داعش، أو إلى ما يفعله حكامنا بنا. ألا يدل ذلك على أننا نحتاج إلى علاج نفساني مكثف في مصحة عقلية؟

بالنسبة لعلاقتنا بعالم الحيوان، كتب داروين في كتابه "سلالة الإنسان" ما معناه: "هناك شيء يجمع الإنسان والحيوانات العليا، مثل القرود والغوريلا. كلنا لنا نفس الحواس، ونفس البديهة، ونفس الشعور، ونفس الإحساس والعواطف التي تظهر الغضب والانفعالات.

نحن والحيوانات العليا، نشترك في صفات الخداع والانتقام والدعابة. الحيوانات تحب وتكره، وتشعر أيضا بالنشوة، وتمارس حب الاستطلاع. تختار هي أيضا بين الخيارات المختلفة، وتستخدم ذاكرتها، وتحلم وتتخيل أشياء غير موجودة مثل الإنسان.

يرتقي الفرد منها داخل مجتمعه من مرتبة دنيا إلى مرتبة عليا. وتصاب بعض أفرادها بالغرور والجنون وحب السلطة، مثلنا تماما ولكن بدرجات متفاوتة، أقل منا بالطبع نحن البشر."

يعترف داروين بأن الحيوانات ليس لها وعي بالذات أو القدرة على الكلام بطلاقة والقراءة والكتابة كالإنسان. كما أنها ليس لها دين أو كتاب مقدس. لذلك، تنجو من هذا الكم الهائل من الخرافات والهبل الذي يسمم العقل البشري، ويقف حجر عثرة في سبيل تقدمه ورقيه.

أنظر كم دين وكم فرقة وكم مذهب، ظهر وسوف يظهر في التاريخ الإنساني عبر العصور. كم عددها؟ مئات الألوف؟ أكثر أو أقل؟ كل منها يجزم ويحلف أتباعه ومريدوه بالطلاق أن دينهم ومذهبهم هو الصح، والباقي أديان باطلة، سيعاقب أتباعها بالعذاب الأبدي. مستعدون أن يضحي كل منهم في سبيل هذا الدين القويم بحياته وعياله وأمواله.

هل معقول أن تكون كل هذه الأديان، التي يعض عليها أتباعها بالنواجذ، مبنية على عقيدة حقيقية؟ بالرغم من تعارضها مع نفسها وتعارض بعضها البعض، وعدم منطقيتها، وما بها من أساطير وخرافات تخالف العقل والعلم؟ أم كلها أوهام لا توجد إلا في عقولنا المريضة؟

الأديان عند داروين، عبارة عن أوهام، صدقناها وآمنا بها بسبب الخوف من الموت وطمعا في الخلود. تبيع لنا الوهم وتعدنا بالجنة والحور العين، وترهبنا بالنار التي لا تطفأ والدود الذي لا يموت.

الأديان كما يعتقد داروين، لا توجد إلا في عقولنا فقط. مثل الغول والعنقاء والخل الوفي. مثل الدائرة والخط المستقيم وكل القوانين. هي أيضا لا توجد في الطبيعة، ولكن من إنتاج العقل البشري ليس إلا.

أنظر إلى الحروب التي قامت بسبب الأديان، وملايين الأبرياء التي قتلت باسم الرب الغفور الرحيم. أنظر إلى ما يقترفه الإسرائيليون من بشاعة لتحقيق وعد الرب بأرض الميعاد. وإلى ما تفعله داعش والعقيدة العمياء بالعقل البشري وقدرة الإنسان على التفكير.

أنظر إلى ما يفعله مشايخنا بنسائنا وعقول شعوبنا. مما جعلها غير صالحة للبحث والابتكار، وغير قابلة للحضارة والحياة الحرة الكريمة، وغير قادرة على الثورة على الظلم والاستبداد.

الحيوانات تحس أيضا بالجمال والموسيقى، ولها قدرة على فعل الخير والأعمال الأخلاقية. قرود الشمبانزي والبابون تقوم ببعض الأعمال البطولية لإنقاذ رفاقها في حالة الخطر.

لا تتصارع ذكور الحيوانات مع بعضها حتى الموت طلبا للأنثى، وإنما تتصارع لاختيار الأقوى فقط. حتى تأتى الذرية قوية. الثعابين، لا تستخدم أنيابها السامة في الصراع بين الذكور.

المهزوم يترك الساحة ويذهب لحال سبيله دون أن ينقض عليه المنتصر ويقتله كما نفعل نحن. الحيوانات لا تقتل إلا طلبا للطعام أو دفاعا عن النفس. الحيوانات هي أيضا لها أخلاقياتها التي تتسم بالنبل.

لذلك ينتهي داروين إلى النتيجة التي تجعله يفضل أن يكون من سلالة قرد شجاع، على أن ينتمي إلى جنس بشري يؤمن بالخرافة والكذب. يقدم الأضاحي والقرابين لآلهة خفية غير موجودة. يستعبد المرأة، ويجد متعة غريبة في تعذيب أعدائه من البشر ومخالفيه في الرأي. يسفك الدماء، ويمتلئ قلبه بالقسوة والحقد والغل على أفراد شعبه وأبناء جنسه.

المقال من كتابي "قصة التطور لداروين" يمكن تنزيله من هذا الموقع:
https://archive.org/details/@zakariael

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية