في سبيل صياغة الموقف السليم من الملف النووي الإيراني

حسن خليل غريب
2021 / 7 / 22

هل يتململ قطار النظام العربي الرسمي؟
لأنه في طريقة صياغة القرار حول الملف النووي الإيراني يتحدَّد مصير الوطن العربي فيما بعده، سلباً أو إيجاباً. على العرب، بشتى أشكال مؤسساتهم الشعبية والرسمية، أن تنصَّب جهودهم على المشاركة في صياغته حتى لا يحمل ألغاماً تتفجَّر تباعاً في المستقبل. ولقد خصَّصنا هذا المقال لمخاطبة النظام العربي الرسمي كي لا يكون على هامش المفاوضات، وذلك لسبب وليس غيره، هو في أنه يمتلك الإمكانيات السياسية والاقتصادية الضاغطة الكفيلة بفرض صياغة تصب في مصلحة الوطن العربي بشتى أقطاره.
قد يستهجن البعض من أننا نخاطب النظام العربي الرسمي وندعوه إلى تحمل مسؤولياته باستعادة القرار العربي على الرغم من أننا نعرف حقيقة تلك الأنظمة. ومن أهم مظاهر حقيقتها وبواطن تلك الحقيقة، هي أنها باعت مواقفها وتنازلت عن دورها الوطني والقومي لدول خارجية أقل ما يُقال فيها، أنها بمثابة توكيل الراعي ذئباً بحراسة الغنم. وعلى الرغم من ذلك، لماذا نخاطب في هذه المرحلة تلك الأنظمة لتصحيح انحرافاتها؟
من أجل الإجابة على هذا السؤال ربما تساعدنا مناهج وضع الفرضيات التي علينا أن نخضعها للتجربة من أجل استنباط البرهان الأكثر قرباً من المنطق الصوري من جهة، والمقاربة بينه وبين منطق الوقائع العيانية من جهة أخرى.
يقول المنطق الصوري بأن النتائج مرتبطة بالمقدمات، وإن الاستناد إلى مقدمات خاطئة يقود إلى نتائج خاطئة. وإن تكليف الطبيب غير المختص بمعالجة أمراض لا علاقة لها باختصاصه سيكون علاجه فاشلاً. وهذا يقود إلى النتيجة المنطقية الصورية التالية: إن تكليف أنظمة عربية رسمية كطبيب لمعالجة أمراض كان هو نفسه السبب بانتشارها، هو تكليف خاطئ. ولكن إذا كان الأمر الواقع يفرض غياب هذا الطبيب فماذا تفعل؟
هنا أستند إلى الرؤية التالية: يمكن تكليف هذا الطبيب بمعالجة ما يدخل ضمن اختصاصه لمعالجة ما يستطيع علاجه، كفرضية واقعية، حتى تنضج ظروف وجود طبيب آخر لمتابعة علاج المريض من أمراض أخرى. ويدعم حجتنا في هذا التكليف هو أن مصالح النخب الحاكمة في تلك الأنظمة مهدَّدة قبل شعوبها بالخطر مما تجري حياكته من حلول على طاولات تمَّ تغييبها عنها.
واستناداً إلى هذه الفرضية سأحاول صياغة موقف أضعه أمام بعض الأنظمة العربية الرسمية أتناول فيه موضوع الساعة الساخن، وهو الملف النووي الإيراني الذي تنسج خيوطه دول العالم الكبرى بغياب تلك الأنظمة.
ولأننا نعتبر أن العدو الصهيوني المتضرر الأكبر من امتلاك إيران السلاح النووي، تحصر الدول الكبرى مواقفها في هذا الجوانب من دون الجوانب الأخرى. والسبب ليس خوفاً من السلاح بحد ذاته، بل لأن امتلاكه، من قبل دولة من دول المنطقة، سيضيق مسافة التوازن العسكري الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، وهذا من غير المسموح به والذي ترفض الدول الكبرى تحقيقه، لأن العدو الصهيوني هو قاعدتها الاستراتيجية الأمامية في المنطقة.
ولأننا على درجة من اليقين أن امتلاك إيران السلاح النووي ليس موجَّهاً ضد العدو الصهيوني، بل هو من أجل استخدامه كورقة قوة تتيح للنظام الإيراني احتلال موقع المنافسة مع العدو الصهيوني، وحلفاؤه من الدول الكبرى، وذلك للضغط بواسطته للحصول على حصة في كعكة الوطن العربي. ومن أجل فرض نفسها قوة إقليمية للحصول على تلك الحصة، فقد عملت جاهدة لامتلاك سلاحها النووي.
ولأن في صياغة الموقف منه جوانب أخرى تطول بأذاها البالغ الوطن العربي بكامله من حيث إن المشروع الإيراني مشروع استيطاني طائفي، شبيه بالمشروع الاستيطاني الصهيوني، يستهدف تقسيمه إلى دويلات طائفية تدين بعضها بالولاء له.
ولأن الأنظمة العربية الرسمية تدرك قبل غيرها خطورة ذلك المشروع على الوجود القومي العربي عامة، وعلى الأنظمة القطرية القائمة بشكل خاص، وإنها لا تشكل خطورة على مصالح الشعب العربي فحسب، بل إنها أيضاً تشكل خطورة على بنية النخب الحاكمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبناء على هذه الزاوية نحثُّ الأنظمة الرسمية على أن تقوم بدورها لحماية نفسها على الأقل.
لكل ذلك ننطلق بدعوتها قبل غيرها لكي تأخذ دورها اليوم قبل الغد بما تمتلك من مقدرة ضاغطة في أكثر من جانب سياسي واقتصادي، لتحتل مقعداً أساسياً على طاولة مؤتمر فيينا، لأنها الوحيدة التي تعرف مكان الوجع الحقيقي من خطورة المشروع الإيراني. كما أنها تعرف الطريق السليم لصياغة موقف يحول ليس دون تمدد المشروع فحسب، بل أيضاً من أجل انتزاع المكتسبات التي حصل عليها بعد تواطؤه مع إدارة أوباما، الرئيس الأميركي الأسبق.
ولأن ترامب، الرئيس الأميركي السابق، عمل من أجل ردم الخلل الذي أحدثه النظام الإيراني في الاتفاق السابق، حينما استولى لوحده على ثروات العراق، لا بل أصبح المنافس الحقيقي لأميركا بالتأثير على عدد آخر من الأقطار العربية، تابع بايدن، خلفه في الرئاسة الأميركية، لتصحيح الخلل الفني في الاتفاق.
ولأن ما تعوِّل على تصحيحه إدارة بايدن ليس أكثر من إعادة تقسيم المصالح بين أميركا وإيران.
ولأن النظام الإيراني، بوجهه الطائفي التقسيمي، يبقى حاجة استراتيجية لدول المنظومة الرأسمالية، فهي لا يهمها جوانب الخطورة التي يشكلها المشروع الإيراني على الدول العربية فحسب، بل تريد بقاءه ليستمر في بثَّ الرعب بين الأنظمة العربية الرسمية أيضاً كمبرر يدفعها للارتماء في أحضان الدول الكبرى لحماية أنفسها من الخطر الإيراني. وهذا السبب هو ما يجب أن يدفع تلك الأنظمة لاتخاذ جانب الحيطة والحذر من خداع الدول الكبرى.
ولذلك، وإذا بقي النظام العربي الرسمي، أو جزء منه وخاصة النظام المصري والنظام السعودي، مُبعديْن عن طاولة المفاوضات، سوف تستأثر الدول الأخرى بصياغة قرار يبقى الأبواب مشرَّعة أمام شتى مشاريع التقسيم التي لن تحافظ على بنية الأقطار التي رسمتها اتفاقية سايكس – بيكو فحسب، بل ستبقى أداة تهدد بنيتها الجغرافية والاجتماعية أيضاً، لأنه من مصلحة دول الغرب الرأسمالي، كما تنص أهداف (مشروع الشرق الأوسط الجديد)، تعمل من أجل تنصيب دويلات طائفية تقسيمية. تلك الدويلات التي تعمل حركات الإسلام السياسي من أجل تأسيسها. تلك الحركات التي تزعم كل منها أنها (مأمورة إلهياً) لـ(الحكم بما أنزله الله)،تبعاً لما تعتبره تشريعاً (الحكم لله).
لا تزال المفاوضات في فيينا مستمرة لتسوية الملف النووي الإيراني، ولم تصل إلى نهايات حتى الآن. وشكلية المؤتمر التي تصفع العرب هي أن جميع القوى الدولية حاضرة على طاولة المفاوضات باستثناء الطرف العربي، الغائب الدائم، عن الطاولات الممدودة لرسم خرائط الوطن العربي. ولذلك نرى حضوراً دولياً وإقليمياً لافتاً من أهم أهدافه العمل على تقسيم الوطن العربي حصصاً بين دوله وأنظمته، بينما نرى في المقابل غياباً عربياً لافتاً، على الرغم من أن العرب هم المتضرر الوحيد من المشروع الإيراني دون غيرهم.
ولأن أهداف الدول المشاركة تقتصر على الاتفاق على وضع مشاريع لتقسيم الأمة العربية على أساس خطوط جغرا -طائفية، أصبح التغييب العربي، بمناظير الدول المشاركة، مطلوباً.
ولأن وقت الحقيقة لن ينتظر كثيراً خاصة أن نتائج مؤتمر فيينا ستنعكس بشكل مباشر على واقع الأنظمة الرسمية العربية بشكل سلبي أو إيجابي، جئنا في هذا المقال لكي نحاول أن نرسم خطوطاً عريضة لموقف عربي رسمي يستجيب لمصالح تلك الأنظمة التي لو عالجتها حتى برؤيتها الفئوية سوف تنعكس إيجاباً على جميع تلك الأنظمة حتى بواقعها الداخلي المزري، وذلك لأنها تعمل على تحرير قراراها من الارتباط بعجلة الدول الأجنبية التي تستعين بها، والتي تزعم أنها تحميها، خاصة وأنها تشبه الذئاب التي أوكلت لها الأنظمة العربية الرسمية حماية (الغنم العربي).
لا بُدَّ من التذكير بداية بأن مناهج الأنظمة الرسمية العربية تستند إلى مبدأ قديم يُعيد إنتاج نفسه في كل متغير جديد على صعيد العلاقات العربية – العربية، وكذلك على صعيد علاقات الأنظمة العربية مع الدول الأجنبية وخاصة منها دول منظومة الرأسمالية العالمية. وتحت هذا المبدأ تجمَّدت الرؤى الرسمية العربية إلى ما دون حرارة درجة الصفر. ولكن هذا المبدأ أثبت فشله حتى في تحقيق الأمان السياسي والأمن العسكري لتلك الأتظمة. وآن لها أن تستفيق من حالة التجميد لتعيد ضخ سبل الصحوة وضخ الحرارة للتجديد في وسائلها ومناهجها المرسومة سابقاً لعلاقاتها الخارجية.
من مرحلة إلى أخرى، كانت الأمة بكاملها، أنظمة وشعباً، تزداد تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً والتحاقاً مريباً بعجلة الذئب الأجنبي. وإن استعادة التذكير بتاريخية تلك الوقائع تؤكد لها أنها لم تحرز أية فائدة إيجابية من مناهجها الالتحاقية، بل زادتها سوءاً على سوء. ولقد كانت (الدول الحامية) تنقلب بوقاحة ووضوح على كل نظام عربي رسمي تستنفد الأغراض منه. ولعلَّ اغتيال الملك فيصل في السبعينيات من القرن العشرين، والانقلاب على الرئيسين بن علي في تونس، ومبارك في مصر، ولعلَّ تلك الأمثلة تشكل الأنموذج الأكثر وضوحاً فيما نعمل على تحليله.
لقد وعدت الولايات المتحدة الأميركية أكثر الأنظمة الرسمية العربية بأن تريحها من شبح تجربة العراق بعد ثورة 17 – تموز 1968، إذا ساعدتها تلك الأنظمة على إسقاطها، ففعلت وقدَّمت كل أنواع المساعدة والتسهيلات، ومن أخطرها شكلت لأميركا الغطاء السياسي واللوجستي العسكري في العام 1991، وفعلت ما أقبح منه في عملية الاحتلال في العام 2003.
وباختصار لم تجد معظم تلك الأنظمة حماية ولا يحزنون. بل إنها سلَّمت رقبة تلك الأنظمة إلى إيران عندما قرر أوباما، الرئيس الأميركي الأسبق، أن يوكِّل النظام الإيراني في العام 2011، بإدارة (العملية السياسية) المشبوهة في العراق. وتتمة السيناريو الخطير معروفة لدى الجميع. والأهم في هذا المتغير الاستراتيجي أنه ربط مصير الأمة بنظام هو الأشد تخلفاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو الأكثر حقداً على العرب، خاصة أنه جاء ليثأر فيه مذهب يزعم أنه شيعي من كل ما فعله رموز السنة التاريخيين بـ(حق آل بيت الرسول) بالخلافة الإسلامية.
وأخيراً، من أجل إعادة تذكير الأنظمة العربية الرسمية بما عاثت به الدول الكبرى بالواقع العربي فساداً وتجهيلاً وتفتياً، تحت ستار حمايتها، نعيد إلى أذهانهم صورة الرئيس التونسي، زين الدين بن علي، الذي هرب إلى السعودية تحت جنح الظلام. وكذلك صورة الرئيس المصري حسني مبارك، الذي لاقى حتفه في الزنزانة. لقد واجها مصيراً أسوداً بأمر أميركي بسط عليهما مزاعم حمايتهما. وكان البديل عن كل منهما، في مرحلة (الربيع العربي) التي قادها أحد أكبر المفكرين الصهاينة، نظاماً إسلامياً متخلفاً. فحلَّ بديلاً عن النظامين المذكورين، حزب النهضة الإسلامي في تونس، وحركة الإخوان المسلمين في مصر. وذلك تنفيذاً لاستراتيجية تقسيم الوطن العربي إلى دويلات طائفية متناحرة ومتذابحة. وتمَّ هذا الأمر تحت خيمة اسمها جذَّاب، وهو اسم (الربيع العربي).
ولم تكن لتنجو مصر وتونس من حكم الإخوان المسلمين، لولا الجهد الذي بذله النظام العربي الرسمي في السعودية ومصر في إسقاط التجربتين. وهذا دليل على أن بمقدورهما، وكذلك بمقدور غيرهما من الأنظمة العربية الرسمية، أن تغيِّر اتجاهات الرياح الدولية والإقليمية المشبوهة.
كما نعيد التذكير بمصير الرئيس السوداني عمر البشير، الذي أسقطه عدد من الحركات القومية والوطنية، ولم يجد البشير من يحميه ويمنع عنه الحجز في السجن مع جماعته من الإخوان المسلمين.
وكذلك لم يجد السراج، رئيس الوزراء الليبي الذي وكَّلته منظومة دول الناتو برئاسة حكومة ليبية سلَّمت أمرها لصانعي ما كان يُسمى بـ(الربيع العربي الليبي)، ومنها نظام أردوغان التركي الإخواني، بسبب الصحوة التي قادها الجيش الوطني الليبي.
وليتذكر أولياء النظام العربي الرسمي، ما حصل في سورية عندما قدَّموا وسائل الدعم المفتوحة من أجل إسقاط النظام السوري. ولكننا لو سلًّمنا بمشروعية تدخل نظام عربي رسمي بالشؤون الداخلية لشؤون نظام عربي رسمي آخر، فقد تضاعفت خطيئتهم الكبرى في أنهم سلموا الأمر بالتنفيذ لمن له طمع باستبداله بنظام للإخوان المسلمين. فدمروا سورية الدولة، وفشلوا في إسقاط النظام، ووضعوه بين فكيْ كماشة إيران الولي الفقيه وتركيا الإخوان المسلمين ليقتسما الدولة السورية جغرافياً وأيديولوجياً، ويعيثان تدميراً في بنيانها. وخرجت الأنظمة العربية الرسمية من المولد من دون حمص كانوا يحلمون بقضمه.
لقد كانت رهانات النظام العربي الرسمية خاسرة في تجارب التبعية للدول الكبرى، خاصة منها الولايات المتحدة الأميركية. فهي خسرت رهاناتها على تلك الدول، ولم تربح ثقة شعوبها. فإذا بثرواتها التي كدستها تنثرها الرياح، فلا استفادت منها النخب الحاكمة بشكل شخصي، وخرجت شعوبها خالية الوفاض من ثرواتها الطبيعية تئن من الجوع والمرض.
عود على بدء، آن للأنظمة العربية الرسمية أن تدرك مدى الخراب الذي أحدثته في أكثر من قطر عربي، والذي أسهمت في صنعه، بمساعدة الذئب الخارجي. آن لها أن تدرك ذلك، خاصة وأنها على عتبة مرحلة جديدة لا يمكنها الخلاص من نتائجها الكارثية إذا ظلَّت غائبة عن موسم الحصاد الذي يمثله مؤتمر فيينا.
وكما أفشلتا استيلاء الإخوان المسلمين في تونس ومصر بالضغط على إدارة أوباما، فهما قادرتان على إفشال إبقاء تلزيم نظام ولاية الفقيه لكل من العراق بشكل أساسي، وسورية واليمن ولبنان. ولن يتم ذلك بأقل من إخراجه من العراق لإقفال بوابات عبوره إلى سورية ولبنان، وتهديد أمن السعودية عبر حدودها الشمالية في العراق. وإقفال بوابة اليمن كممر لتهديد الدولة السعودية من حدودها الغربية، وتهديد الدولة المصرية من حدودها الشرقية مع اليمن.
وأخيراً، إن مناشدة النظام العربي الرسمي، كله أو بعضه، تستند إلى رؤى واقعية وعملية قابلة للتطبيق، لأنه لن يستطيع إنجاز هذه المهمة خطاب ثوري، ولا جماهير شعبية ثائرة، ليس لأهمية أهدافها، بل الأنظمة الرسمية هي الكفيلة بإنجازها لسبب ما تمتلكه من أوراق قوة في مواجهة الجالسين على طاولة المفاوضات في فيينا.
فهل يتململ قطار النظام العربي الرسمي لإنجاز مهمة قومية يمتلك أسباب ووسائل تنفيذها؟

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية