سلطة شبه الدولة و سلطة الدولة الوطنية

خليل قانصوه
2021 / 7 / 20



ليس من حاجة إلى إطالة في موضوع السلطة القابضة على الأوضاع في معظم البلدان العربية فمتتاليات الأحداث تـٌظهِّر طبيعتها و تكشف حقيقتها .وبالتالي يحق للمرء أن يتوقف عندها ليتفحص المكان و الزمان و يقيِّم العلاقة التي تربطه بهذه السلطة على ضوء نتائج ومدى فعالية السياسات التي تتبعها .

من البديهي أني لست بصدد تقديم خلاصة مراجعات إدارية و حسابية تناولت أداء السلطة العربية بوجه عام أو إحداها خصوصا ، و لكن أعتقد أن معطيات كثيرة تراكمت خلال العقود الأخيرة ، بدءا من سنوات 1970 إلى الآن ، تفي بغرض تحديد الموقف منها ، استنادا إلى معايير ملموسة مثل تراجع مستوى العيش بالنسبة لفئات شعبية إضافية او ازدياد أعداد الذين صاروا تحت خط الفقر والذين هاجروا من البلاد بمختلف الطرائق المجازة و الممنوعة .ما يهم أيضأ من هذا كله ، هو أن الخط البياني لهذه المتغيرات المعيشية يعكس انحدارا متسارعا و مقلقا بحسب هذه المعايير .

تحسن الإشارة في هذا السياق إلى أن فراغ المناصب الحكومية أو الرئاسية و تعطُّلها طوال أشهر ، تصل أحيانا لأكثر من عام ، لم ينعكس سلبا في حياة الناس ، كون الطغمة الحاكمة تتقاسم في ظاهر الأمر ، هذه المناصب مباشرة فيما بينها أو تتولى إسنادها إلى زبانيتها . بكلام آخر سواء اتفق أعضاء هذه الطغمة على الجلوس معا حول طاولة واحدة أم لم يتفقوا فإن الأمرين سيان . ينبني عليه أن ممارسة السلطة ، بصرف النظر عن نوعها و أهدافها ، تستمر عندما تكون مناصب القيادة معبّأة و عندما تكون مفرّغة أيضا . هذا يعني أن القيادة الحقيقة لا تظهر دائما في المناصب و أنها تتدبر شؤون البلاد من وراء الستار دون أن يعرفها الناس ، فعلى الأرجح في السياق نفسه ، أن لهذه القيادة الخفيه كلمتها في مسألة ملء وشغور المناصب في شبه الدولة كما في اختيار المرشحين لتسلمها وفي استبدالهم أيضا . من المعلوم أن هذا يخضع لعوامل كثيرة منها درجة الإهتمام التي تستحقها البلاد بحسب موقعها ومخزونها من الثروات البشرية و المنجمية .

إن التسليم بأن السلطة في شبه الدولة العربية ذات و جهين أحدهما يظهر أحيانا و يغيب أحيانا أخرى ، ووجه ثان لا يُرى ، لا يُعفي المراقب من تحميلها مسؤولية النتائج المترتبة عن سياساتها ، كون هذه الأخيرة ليست غالبا حصيلة الظروف و الصدفات و أنما تبدو كما لو أنها مبرمجة تمهيدا لبلوغ أهداف معينة . خذ مثلا عن ذلك أغراق السوق الإستهلاكية بالمواد المستوردة الرخيصة من أجل ضرب الإنتاج المحلي ، و ضرب الزراعة بواسطة تشجيع انتاج محصول واحد ، ناهيك من اساليب ووسائل إغراق السوق بالأموال و القروض ( من صناديق الائتمان الأجنبية و المصارف الدولية ) على حساب الإقتصاد الإنتاجي الحقيقى . تحسن الإشارة في هذا السياق أيضا إلى صفات سلطة الحكم غير الحميدة ، التي تتولى تنفيذ هذه البرامج الهادفة عمليا إلى رهن الدولة لدائنين كانوا يعرفون مسبقا أنها لا تستطيع تسديد دينها . علما أن رهن الدول يعني استعمارها أي استغلال إفلاسها لإملاء سياساتها و كتابة دساتيرها .من نافلة القول أن دولا مثل الولايات المتحدة الأميركية و الدول الأوروبية الكبرى التي تمتلك قوة مالية ضاربة على الصعيد العالمي ، تستمدها من قدراتها العسكرية غيرالمحدودة التي تمكنها من القيام بمعاقبة شبه الدول المتمردة بتجويعها و تخريبها بواسطة الحصارو المقاطعة و المتعاونين ، و من تقدمها العلمي و التقني و الصناعي الكبير ، بالإضافة إلى تحكمها بالسوق العالمية و بقيمة الدولار الأميركي وشبكة توزيعه كعملة مرجعية .

لا بد في الختام من الإعتراف بناء على محصلة هذا البحث بأهمية دور السلطة الوطنية في الإنتقال بشبه الدولة إلى الدولة المستقلة . من البديهي ان المطلوب من هده السلطة ، ليس الإنتصار على الولايات المتحدة عسكريا و لكن تطوير القدرة على ردعها عن العدوان بالإضافة إلى التحلي بالنزاهة و الإستقامة و البصيرة و الإخلاص للمسألة الوطنية إلى حد التفاني في خدمة الناس و التضحية بالمصالح الخاصة . و لكن ماهي الأساليب والوسائل التي تفتح الطريق أمام القيادة الحكيمة ؟

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي