السقوط الحضاري

سعود سالم
2021 / 7 / 17

أركيولوجيا العدم
٥٥ - السقوط

يقول إيميل سيوران Emil Cioran، المتشائم الروماني الكبير بأنه "ثمة قلق فطري يقوم لدينا مقام العلم والحدس في الوقت نفسه"، هذا القلق الفطري أو الأنطولوجي ناتج عن وعي الإنسان المعاصر بكونه مهدد بالفناء في أي لحظة، ووعيه بأن الكون بأسره، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الحيوان والنبات، الطيور والحشرات وكل ما هب ودب .. جميعا مهددون بالفناء ونقف جميعا على مسافة واحدة من القبر، ومستقبل البشرية مهدد بالإندثار والسقوط في العدم المطلق، معلق بإرادة مجموعة من المجانين الذين يتحكمون في مصير الكرة الأرضية. مسيرة البشرية الطويلة، وإن كانت شديدة القصر مقارنة بالزمان الجيولوجي، إلا أنها كانت حافلة بالإبداع والخلق منذ المحاولات الأولية للتعايش مع البيئة وصنع الأدوات الأولية لزيادة قدراته وطاقاته الطبيعية، ليرفع نسبة إحتمال مواصلة الحياة وعدم الموت جوعا أو إفتراسه من قبل بعض الحيوانات الجائعة مثله. مبدئيا، الإكتشاف والإختراع والصناعة والتكنولوجيا، أشياء لاتدخل فيها الأحكام الأخلاقية، فهي ليست حسنة وليست سيئة في ذاتها. النار إكتشاف رائع عندما تستعمل للتدفئة أو لشواء الأرانب، ولكنها سيئة عندما نستعملها لحرق بيوت المواطنين. غير أن تقدم الإنسان السريع وتحول الصناعة البدائية من أجل الحياة إلى صناعة تكنولوجية عبثية من أجل القوة والسيطرة والإستغلال والإستعمار، أدى ذلك إلى دخول الإنسانية مرحلة اللاعودة في سيرورة التدمير الذاتي وتدمير كوكب الأرض وجعله غير قابل للحياة. هذه المسيرة الدامية، رافقتها بطبيعة الحال محاولات عقلية وفنية للتعبير عن فداحة الكارثة ووصف الحياة المعاصرة التي أصبحت كابوسا. ومن هنا نشأت المدارس الفنية والفكرية والفلسفية كترياق لمرض الحضارة الغربية والتي تنبأ شبنجلر Oswald Spengler بأفولها وسقوطها. إن مسار التاريخ ليس مسارا في خط مستقيم للعقل البشري الى ما لانهاية، بل مساره دوري أو لولبي، والتي يسري عليها ما يسري على الكائنات، حيث تنبت وتنمو ثم تنضج وتموت فتفنى وتندثر وتبقى مجرد أحجار يزورها السواح في الصيف. فالحضارة كالكائن الحي، لها كينونة بيولوجية حسب نظرية شبنجلر، كائن حي يجتاز مراحل نموه الى إن يصل الى المرحلة التي لم يعد قادرا فيها على العطاء، فلكل حضارة مراحل متعددة، وان شئنا قلنا إنها مثل فصول السنة، إذ لكل حضارة ربيعها وصيفها، وخريفها وشتاءها. إن الحضارة هي مرحلة من مراحل التطور والنمو والحيوية، فإذا ما وصل بها الأمر الى هذه المرحلة من صيرورتها فهي النهاية وبداية التدهور، فالحضارة هي قمة النمو وذروة تقدم المجتمعات الفكري والروحي والمادي، ثم يأتي دور المدنية وهي تعني استنزاف الإمكانيات الحضارية كلها حتى لا يبقى منها شيئا، ثم تأتي مرحلة الانحطاط الذي يؤذن بأفول الحضارة وتلاشيها نهائيا. وقد ميز شبنجلر بين ثمانية حضارات كبرى وهي : البابلية Babylonian، المصرية Egyptian، الصينية Chinese، الهندية Indian، حضارات أمريكا Mesoamerican - Mayan/Aztec، الحضارات اكلاسيكية، اليونانية والرومانية Classical - Greek/Roman، الحضارة العربية Arabian، وأخيرا الحضارة الأوروبية أو الغربية Western´-or-European، بإعتبارها آخر الحضارات ومن هنا جاء حكم شبنجلر على هذه الحضارة، بأنها في طريق الأفول أو الغروب، فهي في منظوره قد قطعت جميع أشواطها ولم يبق لها إلا مرحلة واحدة وهي الانحدار والأفول والموت، وهذا هو جوهر كتابه” تدهور الغرب - The Downfall of the Occident”. والذي نشر سنة ١٩١٨ في ألمانيا. غير أن الحركة الفنية والأدبية قد سبقت شبنجلر في تشخيص أزمة الحضارة الغربية، فكانت الحركة التعبيرية « expressionnisme » في شمال أوروبا أول علامات هذه الثورة، ثم أعقب ذلك الحركة الدادائية سنة ١٩١٥ في برلين وزيوريخ، ثم الحركة السريالية ثم الوجودية كحركة فنية وفكرية وسياسية، تضع الإنسان أمام مسؤوليته الكاملة عما يحدث في العالم من كوارث ومصائب. وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت أعمال فنية عديدة تعبر عن أزمة الإنسان المحاصر عن طريق اللغة والصورة والموسيقى، فظهر مسرح العبث مع بيكيت ويونيسكو وظهرت الموسيقى الإلكترونية La musique électroacoustique كثورة هائلة في مجال الصوت وتحليله وتوزيعه في الفضاء مع بيير شيفر Pierre Schaeffer وبيير هنري Pierre Henry في فرنسا ثم ستوكهاوزن Karlheinz Stockhausen في ألمانيا.
إن الذي يهمنا في هذا المجال هو محاولة إيجاد مصادر أو مصدر فكرة أو مقولة أو ظاهرة العدم وتحديد المجال والمجالات التي تتحرك فيها وتتفاعل مع المواضيع البشرية، في الفلسفة والأدب والفن والميثولوجيا .. إلخ. ولا شك أن ما يسمى بأدب العبث أو اللامعقول، وما يسمى بفلسفة العبث والوجودية كلها تيارات فكرية ظهرت نتيجة لظروف إجتماعية وتاريخية وإقتصادية بالغة التعقيد، وهي في الأساس تعبير ووصف ونتيجة حتمية للقلق الذي اجتاح المجتمعات الغربية في هذه الفترة من تاريخها الحافل بالأحداث والحروب والمجازر والكوارث، غير أن القلق يختلف جذريا عن العدمية التي تختلف بدورها عن العبثية.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب