فن التعجيل في انقراض شعب مستعمَر

خليل قانصوه
2021 / 7 / 14

من المعروف أن دولا غربية ، أميركية و أوروبية ، أرتكبت خلال القرن التاسع عشر وبعده جرائم ضد الشعوب الضعيفة و الفقيرة بلغت أحيانا مستوى الإبادة الجماعية ، مباشرة أو باساليب و وسائل غير مباشرة ، منها على سبيل المثال زرع الفرقة بين قبائلها و طوائفها وتمكين السفهاء فيها من حكمها و النطق باسمها .
من البديهي أن اول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الموضوع هي قضية الهنود الحمر في أميركا الشمالية الذين أبادتهم أبتداءً من القرن الثامن عشر دول أنكلترا و فرنسا واسبانيا و هولندا ثم قضية السكان الأصليين في اوستراليا . ولكننا لسنا هنا بصدد مقاربة شاملة لهذه المسألة ، علما أنها تلازمت دائما مع سيرورة استعمارية استيطانية عنيفة ، غايتها الأساسية "إفراغ " المكان من أهله لإحلال أناس أغراب و توطينهم بدلا عنهم . بتعبير آخر تقتضي هذه السيرورة ترحيل و نفي السكان الأصليين من بلادهم طوعا أو كرها ، إلى حد الإبادة الجماعية مقابل ترحيل و نفي طوعا أو كرها أيضا ، فئات سكانية غير مرغوب فيها في بلادها الأصلية ، لأسباب إقتصادية أو تعصبا قوميا أو دينيا أو عقائديا ، و قد يصل الإكراه هنا أيضا إلى حد الإبادة الجماعية كما جرى لليهود الأوروبيين في أوروبا الوسطى و الشرقية .
لا بد هنا من الإشارة بإقتضاب إلى السيرورة الإستعمارية الإستيطانية التي أطلقتها الدولة الفرنسية في سنة 1830 في الجزائر من أجل توطين اوروبيين على حساب سكانها الذين عانوا من المجازر و التصفيات و من التنكيل في معسكرات التجميع التي ُرحلوا إليها ، و من أجل ضم الجزائر إلى فرنسا . كما يحسن التذكير بسيرورة مماثلة بادرت إليها انكلترا بعد الحرب العالمية الأولي في فلسطين كانت الغاية منها إقامة دولة أستعمارية امتدادا لإنكلترا و لحلفائها و حارسا للمصالح الغربية في المنطقة ، فنفي أزيد من نصف الفلسطينيين وتم توطين يهود أوروبيين مكانهم ، بواسطة سياسة تعسفية وإرهابية تجسدت بالمداهمات الليلية بحثا عن قادة النشاط الوطني الفلسطيني و تصفيتهم إغتيالا و شنقا و بتفجير المفخخات في الأماكن العامة ناهيك من عشرات المجازر الجماعية ترعيبا ، لإخلاء مئات القرى من أهلها و تجريفها لتصير أثرا بعد عين .
الرأي عندي أن ما جرى في الجزائر و في فلسطين لا يختلف من حيث الجوهر عما تعرض له اليهود الأوروبيين أثناء الحكم النازي في ألمانيا . و لكن ما حملني في الواقع على مداورة هذه المسألة في الذهن هو الإنطباع بأن الدول الغربية نفسها التي أرتكبت في سياق سياساتها الإستعمارية جرائم ترقى إلى درجة إبادة جماعية و جرائم ضد الإنسانية ، تواظب على سلوك هذا النهج كما يتبدى ذلك من خلال الحروب غير المتناظرة التي تشنها ضد الذين ترغب بإفنائهم و لكن باسلوب جديد يتمثل بتوجية ضربة عسكرية صاعقة ينجم عنها انهيار الدولة و القيادة الواحدة ، بصرف النظرعن طبيعة الدولة ونوعية القيادة ، فتتعدد في البلاد المستهدفة الدويلات و القيادات التي يتم التعامل معها كل دويلة على حدة . ثم ُيفرض الحصار التمويني على الجميع مع مراعاة فوارق بسيطة بين قادة دويلة و أخرى ، و تترك الأمور لتأخذ مسارها الطبيعي وصولا إلى التلاشي الكامل .
أخيرا أقتبس في هذا السياق ،من كتاب (Sven Lindqvist)عنوانه "أبيدوا هؤلاء البرابرة" قصة شعب الهيريرو ، سكان نامبيبيا حاليا ، تحت الإستعمار الألماني الذي فرض عليهم العيش في محميات مسوّرة ، لكي تخلو الأرض الزراعية و المراعي للمستوطنين حصريا . ولكن الهيرورو الذين لم ُيذعنوا لإرادة المستعمر، كانوا يحاولون كسرها كلما سنحت لهم الظروف . هذا ما دفع الجنرال الألماني في سنة 1904 إلى إعطاء الأمر بإبادتهم . فجرت مطاردتهم وإجبارهم على اللجوء إلى منطقة صحراوية حيث أمكنت محاصرتهم فيها ، طيلة أشهر ، حتى ماتوا جميعا جوعا و عطشا و جنونا . كتب جندي ألأماني في مدونته " هكذا أنزل بهم العقاب ، و طويت صفحة الهيريرو كشعب مستقل " . يعود " الفضل " في اختراع مصطلح " معسكر التجميع " للأسبان في كوبا ، ثم أخده عنهم الأميركيون و البريطانيون و الألمان و الإسرائيليون!

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي