بين إرهاب قادر وإرهاب قاصر

راتب شعبو
2021 / 7 / 14

فيما كان صوت بكاء طفل جريح من ضحايا هجمات بروكسل الإرهابية الأخيرة، يشكل خلفية ثابتة للفيديوهات المتوفرة عن الجريمة، كان أطفال آخرون يعلنون تضامنهم مع الضحايا والمنكوبين، بما أتيح لهم من وسائل. أطفال مسلمون هم ضحايا الإرهاب و"محاربة الإرهاب"، أطفال قد تقطعت السبل بمعيليهم واستقر بهم الحال في مخيم مرتجل في إيدوميني على الحدود بين اليونان ومقدونيا بعد قرار إغلاق الحدود في وجه اللاجئين. الأطفال اللاجئون هؤلاء الذين يشكلون حوالي نصف "سكان" المخيم المذكور، حملوا ما توفر من قطع الكرتون ليكتبوا عليها عبارات التضامن مع ضحايا جريمة بروكسل. "آسف لأجلك بروكسل"، تقول إحدى الكرتونات التي يرفعها أحدهم. وهناك من الأطفال من لم يجد كرتونة ليكتب عليها، فكتب على صدره العاري: "أنا لست إرهابياً"، و"لسنا من الدولة الإسلامية".. الخ.
كما هو واضح من العبارات السابقة، ليس التضامن وحده هو ما يدفع هؤلاء اللاجئين إلى رفع عبارات التضامن. إن الاهتمام بتبرئة الذات من تهمة الإرهاب التي تحوم حول المسلمين هو ما يكمن أساساً خلف هذا التضامن الذي يحمله الأطفال ببراءة ويوجهه الكبار بمعرفة. فالكبار يدركون أن هناك أجواء سياسية وثقافية عالمية تشكلت وتتشكل بما يجعل من معاداة الإرهاب احتكاراً لقوم غير مسلمين، وتجعل من صناعة الإرهاب صفة للقوم المسلمين الذين لا يكفي أن يرفعوا كرتونة تندد بالإرهاب لكي يتم رفع الشبهة عنهم، إنهم مشبوهون على الدوام لأن الإرهابيين من جذور إسلامية أو متحولون إلى الإسلام. وطالما أن الإرهابيين مسلمون ويوجهون ضرباتهم إلى مجتمعات غير مسلمة، فإن المسلمين عامة يبقون تحت شبهة التعاطف معهم، ولا تعدو أشكال التضامن وضروب الاستنكار أن تكون تغطية على هذا الشعور الآثم.
وإذا كان هذا الشرك الإرهابي الذي يجد المسلمون أنفسهم عالقين به، يجعلهم يثمنون عالياً أي مسؤول غربي يقول بأن الإرهاب لا دين له، وكأنه يمنّ عليهم بالبراءة، فإنه منجم للاستثمار السياسي للتطرف اليميني في أوروبا وأميريكا، الأحزاب اليمينية في أوروبا تحصد نتائج لم تحلم بها من قبل، من "الجبهة الوطنية" في فرنسا و"بيغيدا" و"البديل من أجل ألمانيا" في المانيا و "حزب الحرية" في النمسا و"حزب الشعب" في سويسرا و"الديموقراطيون" في السويد، إلى دونالد ترامب في أميريكا. هذه الظاهرة اليمينية الغربية تشكل الصدى "غير الإسلامي" للدولة الإسلامية (داعش). الانغلاق لحماية الذات من آخر إرهابي يأتي من خارج الحدود ومن خارج التاريخ أيضاً.
لو افترضنا أننا سألنا أحد الانتحاريين الذين نفذوا تفجيرات بروكسل التي وقعت في 22 من الشهر الجاري في مطار زافنتام، وفي محطة ميترو مالبيك قرب مقر المفوضية الأوروبية: لماذا تريد أن تفعل هذا؟ وماذا تنتظر من العالم أن يتصرف حيال فعلتك؟ وباختصار: ما هدفك؟ فإنه، على الأرجح، لن يجد هدفاً يحدده لنا، وفي أحسن الأحوال سوف يكرر الكلام عن كفر الغرب، وجرائم الغرب بحق المسلمين، من فلسطين إلى أفغانستان إلى العراق وسوريا ..الخ. وقد يضيف شيئاً عن التمييز السلبي بحق المسلمين في أوروبا.
ولو تابعنا: بماذا يفيد قتل هؤلاء المدنيين؟ ولنفترض أن هؤلاء الضحايا وقفوا أمامك، قبل أن تضغط على الصاعق وتحرق أعمارهم أو تشوه حياتهم، وقالوا لك إننا لا نحب أن نموت، وإذا كنت تقتلنا لأننا آثمون بشكل ما، فنحن جاهزون للتوبة عن أي شيء تريده وكما تريد، ماذا تريدهم أن يفعلوا؟
وعلى افتراض أن العالم جاء إليك صاغراً يطلب منك، تحت ضغط الابتزاز الذي تشكله فعلتك، أن تأمر بما تشاء، ماذا تطلب من هذا العالم الصاغر والذي يعلن أمامك هزيمته؟ لن يجد ما يقول، لأنه لا يعرف حقاً ما يريد. الحق إن هؤلاء الانتحاريين لا يمتلكون هدفاً محدداً، إنهم يمارسون العداء وحسب. يمارسون ارتدادات طفولية ضد "غرب عام ونمطي"، ولذلك يقتلون بدون تمييز.
هنا يكمن الفارق بين إرهاب واسع قادر على الإخضاع والخروج "بأبطاله" من دائرة الجريمة إلى سدة الانتصار، وبين ارتدادات إرهابية قاصرة وعمياء، يسقط "أبطالها" في مستنقع الجريمة. هنا يكمن الفرق بين هيروشيما وبروكسل، بين هاري ترومان والأخوين بكراوي. الفارق الذي من شأنه أن يغذي المزيد من الإرهاب، القادر منه والقاصر.
مارس/آذار 2016

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية