القناع

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 13

( الله هو الحل المطلق لمشكلة الذات البشرية) جوليان غرين


عبؤه ثقيل.. لكنه يحميني شراسة الألسن.. التي تعبث في طراوة اللحم الزكي فتنتنه.. تمد أظافرها الخشنة العفنة لترعب الروح وتقتل الذاكرة.. حمله يقصم ظهري ويهدم الكتفين.. قليلا ما أنزعه عن كاهلي.. في أوقات وحدتي.. أو لقائي بشخص ينبعث في صدره شيء من نور.. ويفكر في تطوير الحياة.. أو تغيير الدنيا.
الخوف غول.. والمستقبل مجهول.. والمجهول ظلام.. والظلام حيرة.. والحيرة تيه وضياع.. والضياع تردًّ وفناء.
وددت البوح بما يهتاج في نفسي من سعادة وفرح.. أن أطرح رؤيتي فيما يحدث.. أقارن بعض ما مضى بما قد يأتي.. وأطلق لساني وأحرر أفكاري من هذا القناع الملون التالف.
أحس أني في امتحان شديد القسوة.. لجنة الفحص أهلي وأصدقائي.. يعاملونني كعدو لهم فينشأ الارتباك.. وتزداد وتيرة الخشية.. فتُكبتُ الفكرة.. وتتلاشى العبارة.. الكثيرون لا يعلمون أنه حين يُمنح الانسان الحرية يبدع ويتفوق وينجز.. قد يصير معجزة.. انهم لا يريدون منح الحرية إلا لأفكارهم.. فسلاحهم حاضر دوما.. متوفر في كلمة واحدة تئد الطموح وتنهي كل تطلع.
كنا ثلاثة.. نضطجع في وسط غرفة سُدّت نوافذها المطلة على حيوية الحياة.. وكان الربيع يهيب بكائناته أن تنطلق.. مددت يدي إلى وسادة.. سحبتها ورميت بجذعي فوقها.. ورحت أترقب أفكار أبي أحمد وأبي حسن.. ليس باختياري صارا صديقين لي.. لكن الظروف هي التي فُرِضتهما فَرضاً.
كان أبو أحمد يلهث وهو مستلق على ظهره.. العملية الجراحية التي أجراها لشرايين القلب.. أضاعت أكثر من نصف طاقته وقدراته.. وجهه دوما متجعد مصفر.. لا يتوقف عن اشتهاء اللحوم والنساء والمال.. يصرح بهذا ويقهقه.. يتمنى أن تقدُّم له بلا مقابل وبلا جهود.. كأنها حق مشروع له وهو الذي يستحقها فقط.. لكنها سُلِبت منه كما سلب عمره.. يتنفس بصعوبة.. فتسمع زفيره من أنفه حين يرفع شفته العليا قليلا.. فيصطدم الزفير فيها لتصدر صفيرا مزعجا.
أما أبو حسن فهو بخيل تعيس.. نحيف الأطراف.. قصير.. يندلع كرشه بدأ من صدره.. حين تمدد على جنبه انداح على البلاط مثل كتلة رخوة أفلتها رباط.. وباستمرار يتجشأ كالرعد البعيد.. همه وشاغله جمع المال من رزق مشكوك فيه.
أما أنا فقد كنت وسيما بالنسبة لهما رغم كهولتي.. ممشوقا ومتوازنا رغم ارتدائي قناعا لا يراه غيري.. صرت أوافقهما على كل ما يتحدثان به.. ماعدا بعض الاعتراضات البسيطة.. التي لا توحي بأني نزعت قناعي.. إني في الغالب أخدع ضميري لكي يصدقاني.
كان الحديث مشتتا.. هو قتل للوقت ريثما يعلن المؤذن حلول وقت الصلاة. شعرت أني أقتل وقتي رغم أني بحاجة كل دقيقة.. ففي المركز الثقافي كتب كثيرة لم أقرأها.. ولديّ أصدقاء من نوع آخر.. ينتظرون لقائي مثلما أتوق للقاء بهم.. تشتت الحديث حتى غدا عصيا على التركيز.. لا يقدر المرء أن يلمه أو يلتقط طرفا منه ليعالجه.. كسراب الهجيرة.. أو علك الصوف.. أو بلع الهواء.
كان أبو أحمد يمسك جهاز التحكم.. يضغط زر تغيير المحطات بلا هدف .. ثم ينزل بسرعة فجائية.. أعلم من قبلُ أنه يكره أي برنامج ثقافي أو حوار جدّي علمي أو سياسي.. ولكي يستقر على محطة واحدة.. لنرتاح من هذا الهذيان في المتابعة العدمية.. ولتهدأ أعصابنا وعيوننا من تعب الضوء المتقلب.. طلبت منه التوقف على محطة تبث برنامجا فكريا ثقافيا علميا لا فرق.. فاستجاب لطلبي.. تابعت البرنامج لبرهة.. بذل الاثنان جهدا لفهم ما يجري.. لكنهما لم يقدرا..
امتعضا وهما يلفتان رأسيهما كل منهما باتجاه الآخر.. ورويدا رويدا يفتح أبو أحمد فمه.. يغمص عينيه فيكبو ثم يفيق ثم يكبو.. فتصيب العدوى أبا حسن.. فيقع رأسه على كرشه وكتفه ويغيب.. وبعد قليل يسألني أبو أحمد ويدور بيننا حوار:
ـ هل تفهم ما يقولون؟
ـ وهل صحيح أنك لا تفهم ما يقولون؟
ـ لا والله لم أفهم منهم شيئا
رغم أنه يحمل مؤهلا جامعيا.. ولديه خبرة في الوظيفة أكثر من ثلاثين سنة.. لا يفهم ما يدور في حوار ثقافي يخاطب جميع الناس.. لكنه واضح بلا قناع.. أما أنا فقناعي سجن غليظ.
كان أبوحسن لا يهمه ما يرى ويسمع.. أو يفهم أو لا يفهم.. الذي يهمه أنه يتمدد مستريحا ويشرب الشاي.. ويرخي برأسه على كتفه ويغمض عينيه.. بانتظار صوت المؤذن.. بينما أبو أحمد يصب الشاي من جديد في الكؤوس.
لم يطُل الحوار على شاشة التلفاز.. أخذ أبو أحمد يقلب بين المحطات حتى شاهد محطة تعرض هواة الغناء.. وتقفز الراقصات في الوسط .. وكان التصوير يقرب الوجوه والصدور والسيقان والسواعد البيضاء والسمراء.. والخصور والأرداف.. نهض سريعا فاعتدل وصاح:
هه.. هذا أنا أفهمه.. انظر أنظر.. ها ها ها .
قهقهته أجفلت أبا حسن.. فرفع رأسه ككيس رمل.. عرك عينيه ليدرك ما جرى.. استدار على أصوات زعيق الهواة.. وصياح أبي أحمد.
كان بليدا وهو يتحرك.. مرت كفه على كأس الشاي الساخن فاندلقت على ثيابه ولسعت حرارتها فخذه.. وظل يتابع المشهد دون أن يعتذر أو يتألم وقال:
يا سلاااااااام.. أي هه.. لماذا لا توقظني يا أبا أحمد.. هاه.. لكي تشاهد وحدك يا أناني.
تابعت معهما مجبرا.. ليس بي رغبة لمشاهدة خليط من الفوضى والصخب والابتذال.. أنه لا يضيف شيئا ولا يمتعني.. فلا كلام الأغاني فيه معنى أو جمال.. ولا أصوات المغنين تجذب الأذن لتطرب لها.. كأن النشاز يستولي على المشهد العام في التلفزيون وفي غرفتنا.
كثيرا ما أتطوح وأهتز واصفق لرقصة شرقية مدروسة مع إيقاع سليم.. بصوت متميز متمكن.. تحملني عربُه المتدفقة بعفوية وسلامة إلى أفق سماوي وجو لذيذ.. أعشق الموسيقا.. أشعر أنها تنقلني إلى جو روحاني في سمو طاغي.. كأني في صلاة وخشوع.. وشديد التأثر لأي فن معبر وصادق.. تذكرت قولا للمفكر المهم جورج طرابيشي يقول.. الفن إذا فقد الأمل في إحداث تأثر أو تغيير.. ينقلب إلى عبث لا يأتيه إلا مجنون.
الآن شهدت العبث بعيني.. وهؤلاء مدعو الفن.. مجموعة من المجانين.. شوهوا الفن الجميل.. بحثت عن قطعة منديل أو قطن لأحشو بها أذني.. قلت لنفسي.. بلادنا مليئة بمثل صديقي هذين.. كأنهما وعاء فارغ لا يميز الزيت من العسل.. لقد شاهدا منظر الفتيات السابحات فوق المنصة.. توقف العرض الرديء.. حل محله إعلان رخيص.. تابع أبو أحمد يكبس الزر.. توقف على محطة تذيع خبرا وصورة عن صلاة يوم أمس الجمعة في مدينة أجنبية.
كان الجميع مسلمين.. رجالا ونساء.. خطبت فيهم امرأة تحمل شهادة دكتوراه.. تضامن الجميع على رأي واحد.. يرفع من شأن الإسلام ولا يهدمه.. طلبوا مسجدا ليقيموا فيه صلاتهم.. لم يفلحوا.. لأن جميع مسؤولي المساجد رفضوا السماح لهم بالصلاة مع المصلين أو منحهم جامع يوم الجمعة.. سخروا منهم وطردوهم قائلين لهم.. أنتم لستم مسلمين.. أنتم أعداء الإسلام.
تنبهنا للخبر.. تحفّزنا لأمر جديد وغريب.. فوجئنا كلنا.. لكن ما شغل ذهني مختلف عما شغل ذهنيهما.. هما يرفضان ويشتمان ويبصقان.. وينعتان هؤلاء المسلمين بالخيانة والعمالة.. كنت فقط أطلب منهما الهدوء لمتابعة هذا التطور الصاعق.
علم بعض رجال الكنائس بما جرى للمصلين من رفض.. فتضامنوا مع المسلمين الذين يحبون دينهم ويمجدون الله.. أعطوهم قاعة فسيحة.. فأقامت الأذان فتاة عربية سمراء.. ينسكب شلال من الشعر الأسود فوق كتفيها.. جذاب جاذبية لبلاب يعرش على جدار.. أو ياسمين يتسلق قنطرة.. هذا لم يؤثر بي كرجل.. ولم تتحرك فيّ الذكورة العربية.. كما لم تحركها لوحة انسجمت فيها الألوان.. أو فستان طافح بالزهر والربيع.. أو مسبح على شاطئ البحر يموج بالأجساد الزلقة.. أو مهرة يافعة في وسط السباق.. لقد صار واقعا ألفته العين واعتادته النفس.
شيء يبعث الحيرة.. فهل ما نراه فجا ومخلا وطارئا؟.. أم إذا تكرر في أي مكان سيصير مع الوقت طبيعيا ولا يستوجب الرفض؟.
تجمع المصلون في القاعة الفسيحة.. وبسرعة تم تجهيز المنبر.. وألقت الدكتورة خطبتها المركزة المختصرة بصوت هادئ وقور.. ذكرني بأيام الجمع في مساجدنا.. كنت أحشو أذني المثقوبة طبلتها بالقطن ما أن يبدأ الخطيب بالزعيق والشتم والتهديد. وكثيرا ما يعاتبني الناس على هذا.. لكني أشرح لهم حالة طبلة أذني المثقوبة.. فالمكبرات تضخم الصوت عشرات المرات.. وأنا أحمي بدني من الوجع.. وأتجنب آلاما مثقلة بالضجيج والعبث .. مددت إصبعي إلى أذني.. ونزعت عنها قطعة المنديل لأسمع الخبر باهتمام.
لم تطل الخطبة.. كانت مؤثرة ومعبرة.. أضافت في نهايتها دعوات عامة تشمل جميع الخلق الذين يعيشون معا على كوكب الأرض.. كان لسانها يفيض بعسل العبارة.. وترياق المعنى.. وبلسم المحبة.
أقامت الصلاة وأمّت المصلين.. الرجال بجانب النساء.. متضامنين.. جاؤوا ليثبتوا للدنيا أن الإسلام ممكن أن يكون محبة قلوب.. وصفاء نفوس.. وسلاما عالميا.. فهم لا يفعلون شيئا.. سوى أنهم يتعبدون ربهم الواحد بعد أن أودعوا بكل أثقال الحياة بعيدا عن الخشوع والخضوع والدعاء.
لا فرق بينهم وبين حشود الجموع في مكة.. فكل الناس يؤدون طقوسهم وشعائرهم.. الرجل بجانب المرأة.
أقفل أبو أحمد التلفزيون وهو يصرخ.. هذا كفر.. كفر.. هؤلاء مندسون من الصهيونية.. فأكد أبو حسن قوله وهو يتعثر بالكلمات وقال.. يجب أن يُعرفوا واحدا واحدا ويُقتلوا جميعا.. حتى لا تتكرر هذه المظاهر والفتن.
كنت صامتا.. الغبطة تزهر قلبي.. والسرور يضج في رئتي.. كانا ينظران إلي.. يريدان أن يسمعا مسبة أو توبيخا أو رفضا.. أو أي تصريح يدين ويكفّر ليرضيهم.. لم أتكلم.. كنت أبتسم.. وأقلب الوسادة من جنبي الأيمن إلى الأيسر.. وأشرب الشاي وأدخن السجائر.. قال أبو أحمد بإصرار.. المرأة فقط للبيت .. وهمس وللفراش.. هذا هو دورها.
ضحك أبو حسن من أنفه واهتز قطعة واحدة وقال.. وللمطبخ أيضا.
صارا يشكران ربهما ويحمدانه كثيرا.. لأن زوجاتهما وبناتهما ملتزمات في بيوتهن لا خروج ولا دخول ولا صوت ولا كلام.. وراح أبو حسن يقول.. الحمد لله نحن متمسكون بديننا في كل شيء.. صلاة في المسجد كل وقت.. وصيام قبل رمضان وبعده.. وأدينا فريضة الحج.. لم يبق شيء أفعله لأتمم العبادة.. إلا شيء واحد.. أتمنى أن يكون في بلادنا سوق للعبيد والجواري.. لأشتري اثنين أو ثلاثة.
بهت أبو أحمد وسأله.
وماذا تفعل بهم؟.. أنت متقاعد من الوظيفة ولا تحتاج لغريب يعمل عندك.. فقال له أبو حسن.
سأمتلك العبيد لأعتق رقابهم.. وهذه عبادة أيضا.. أكون بذلك قد حققت كل ما هو مطلوب مني كمؤمن.
تحرك أبو أحمد بصعوبة.. لهث ككلب في مغارة.. ألقى بجذعه العليل على وسادة.. سعل ونفخ قائلا.
أمنيتي أفضل بكثير.. أتمنى أن تكون في بلادنا سوق نخاسة.. كما كان في بلاد الاسلام في الماضي.. كنت سأشتري مجموعة من الإماء.. يعشن في كنفي وأعاملهن كزوجات.. إضافة لخدمتهن لي بعد أن يصرن ملك يميني.. أنا رجل مرع قد لا تعرفني.. سأشبع جفاف روحي العطشى للعواطف.. وأملأ نفسي من راحة النعومة والأنوثة والرقة.. وأمسد بكفي أجسادهن الحريرية.. سأكون كل يوم مع زهرة أشمها ألثمها.. أرفرف كفراشة وأشرب عسلا كنحلة.. وأغني مغردا كعصفور.. وأقفز وأنط كتيس.. ستتغير حالتي الصحية ويعود لي شبابي.. قد أمر في الليلة الواحدة على أكثر من صبية.. أختار منهن من أشاء حسب الشهية.. هذه الأمنية لو تحققت.. تكفي المؤمن مسؤوليات الزواج ومراسيمه.. وإن شبع منهن لا يطلق ولا يدفع مهرا ولا صداق.. يبيعهن في السوق وقد يربح أيضا فهي تجارة.. ثم يشتري مجموعة أخرى أعنف حيوية وأفتى شبابا.. فيتذوق طعما جديدا تتشهاه نفسه.. وبعد سنة مثلا يبيعهن ويشتري غيرهن.. وهكذا يكون المسلم قد عاش حياته طولا وعرضا.. دون أن يخدش إيمانه بشيء.. ودون أن يؤذي أحدا.. فهو حق للمسلم.
فتح أبو حسن عينيه.. بدتا كخرزتين منطفئتين بلا لون ولا بريق.. تأكله الدهشة.. قال.
الله الله.. كيف خطرت لك هذه الفكرة يا أبا أحمد؟.
ضحك أبو أحمد مزهوا.
ما رأيك؟.. من ستقتني؟.. العبيد أم الصبايا؟. رد مسرعا وهو ينهض بجذعه.. كأنه خشي أن تفر الفكرة قبل أن يجيب.
الصبايا .. الصبايا.. ولن أتركهن سنة.. بما أني سأبيع وأربح.. فلماذا لا أبيع وأشتري كل شهر؟.
هدير الضحك مزر ومقيت.. ضُقتُ بجلافة القهقهة.. سقطت بدلة أسنان أبي أحمد من فكه العلوي فالتقطها.. مسدها بأصابعه وحشاها في فمه.. الذي غارت أطرافه إلى الداخل.. طقطقت البدلة ببعضها وسال بعض لعابه.. اهتاجت نفسي.. اجتاحتني حالة من الغثيان والقرف.. كدت أسترجع ما بجوفي وأستفرغ معدتي.. مع ذلك كنت أبتسم فقط.. أفكاري معتقلة.. ويدي مغلولة.. ونفسي مشلولة.. كدت أستجمع شجاعة المتمرد الجواني.. وأرمي بقناعي خلف ظهري.. وأطلق عنان لساني لأقول لهما. ....................................................................................................................
صوت المؤذن يملأ أسماعنا.. نهضنا بصعوبة وهما يضحكان.. وما يزالان يعلقان على فكرة السوق والإماء والجواري.. دهشة تعقبها حسرة.. خرجنا قاصدين المسجد وقبل أن نصل تراجعت.. توقفت.. تذكرت موعدا لأمسية شعرية وقصصية ستبدأ هذه الساعة.. اعتذرت لهما ومضيت عكس الاتجاه.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب