مرآة ثلاثية الابعاد

عباس منعثر
2006 / 8 / 11

المثقف العربي و مفترق الطرق
تلتفي بعض الدروب رغما عنها أحيانا، غير مرتكنة بالضرورة إلى منطلقات واحدة أو أهداف مشتركة. ففي الوقت الذي كانت فيه من أساسيات استقلال المثقف (ابتعاده عن أو تقاطعه مع) مختلف المنظومات ( دكتاتورية أو رأسمالية ) أصبح الوضع مغايرا بعض الشيء. وهي واحدة من أشكال اختلاف القرن الواحد والعشرين عما سبقه اختلافا جوهريا، إذ تغيرت زوايا النظر ولم يعد بالامكان - من خلال تسارع المكتشفات العلمية والاختراعات وانهيار التناقض الحاد بين الطبيعي والخارق وترسخ فكرة الرأسمالية إلى واقع حال وشمول العنفِ الفردي العالمَ بأسره وتطور وسائل الاتصال والإعلام وانتشارها والاهتمام المتزايد بالحسي ( الترفيهي والكمالي والاستهلاكي ) ،إضافة إلى تحول العالم إلى قرية صغيرة بالقسر أو بالحاجة - لم يعد بالامكان ، كما كان سابقا، أن يولد الإنسان ( ذو البعد الواحد أو الأبعاد المتعددة ) ويموت بتأثير محدود في العالم وتأثر محدود به،ولا بالامكان إشباع الحاجات التي ليس لها حدود كما يبدو ( يمكن قراءة ذلك من خلال التأثير الاقتصادي الهائل لانفجار يقع في دولة على بقية أنحاء العالم، أو من خلال حفلة يقيمها فنان أو مباراة لكرة القدم أو متابعة السلع الاستهلاكية من ناحية سعة الانتشار والكم ). فما كان منفصلا أصبح متصلا، وما عد من المطلقات صارفيه جدال، والمرفوض تماما دخل قطيع المسموح به.

السمك في البركة

كان المثقف العربي ( المؤدلج ماركسيا أو قوميا أو دينيا ) يرى الصورة واضحة ( أو نهائية مطلقة ) بالنسبة للمستقبل الذي يؤمن به مناسبا لواقعه:( ديكتاتورية البروليتاريا / البطل القومي / أصحاب العمائم المخلصين ) و الأفكار تنتقى من قاموسه الأيدلوجي غير قابلة للبس ( أيوجد ما هو أوضح من الشمس ؟ ) . فالحياة اقل تشعبا، وثمة بقايا من النظر للإنسان / الايدولوجيا على انه / أنها مركز الكون. الثقة بالمعرفة اكبر والاطمئنان لا يحده حدود. فالغرب كافر أو شوفيني أو رأسمالي. كان يمكن الشطب على فلسفة بكاملها( البراكماتية والوجودية مثلا ) لمجرد الاستعانة بمفكر أيدلوجي شهير. و كان للمبدأ سطوته، وللشعارات قدرتها على تسيير الجموع، لذلك حدثت ثورات وانتفاضات كثيرة، وراح الكثيرون ضحية إيمانهم. وإذ لم يمتلك الخارج لحظتها قوة الاختراق نفسها التي صار يمتلكها فقد كانت البوتقة التي تحيط بالفرد سميكة مغلقة ذاتيا وممولة للشعور بالثقة إلى درجة المماهاة التامة بين الاعتقاد والواقع أو الرغبة في هدف معين والهدف نفسه.. وكان للمثالية وجوه عديدة ليس آخرها الوجه المادي الصرف.
لكن الصورة تغيرت بالمرة. فبينما كانت الأيدلوجيات الكبرى، خارجيا، مستمرة في البقاء وقعت الاستدارة الكبرى عالميا. فقد سقط القطب الثاني ( بالاحرى سقطت صورة الحلم لمجتمع إنساني مختلف وسقط السند القوي لاستمرار المواجهة بين الذات واليوتوبيا )، وانتحرت الحدود الحادة الفاصلة بين الفكرة ونقيضها وما عادت الأفكار الشمولية تحمل الإغراء القديم نفسه، لأنها أثبتت أنها غير مستندة إلى الأرض، وان اوهن ريح قادرة على نسفها من الجذور وإنها لا تطمئن كل احتياجات الإنسان. في خضم ذلك، وبينما كانت الثقافة العربية بنت البلاطات والمؤسسات السياسية الحليفة للغرب، أو وليدة الأحزاب الكبرى ( شيوعية أو إسلامية ) بزغت ثقافة مغايرة كان لها أن تنظر إلى العالم من منظار مختلف.

التمسك بالماضي

رغم كل التغييرات الحاصلة على مختلف المستويات، ظل المؤدلجون ينظرون إلى العالم بطريقة مؤدلج القرن التاسع عشر أو القرن الرابع الهجري، مع الإحساس العنيف بعدم قدرة السمك على ترك البركة. يعيش المتمسك بالماضي وسط أجواء مثبطة قامعة..فالخوف عميق من إصدار الزمن لحكمه النهائي على بقايا النظرة القديمة التي لا تجد نصراء جدد يمكن لهم أن يكملوا البدايات – تلك التي ظلت بلا نهايات أبدا. والقدرة على التكيف مع المناخات الجديدة ضعيفة للغاية ووسائل التأثير مضمحلة والقوة ( تكنولوجيا وعسكريا ) في يد العدو وليس بالامكان إلا الاحتماء بالعادة والتعويل على المتناهي وبث روح الحماسة الفدائية والاتكاء على السهل المضمون على تجريب الجديد المخيف ( هناك صنف من السلوك يعتمد على التكرار الآلي كحركة الأيدي أو الفم والتي لا يمكن التخلص منها، بعد مزاولتها بتاتا – بعض الأفكار والاعتقادات من الصنف النفسي لهذا التكرار ).
وتخلصا من هذا الخوف ( الذي وصل أحيانا إلى درجة الرهاب ) تـنبني بعض الأيدلوجيات على إعادة إنتاج الماضي باعتباره قمة ما توصلت إليه الإنسانية من تطور ( خاصة زاوية النظر الدينية ) والتي تحلم بإعادة الفردوس الأولى والتمسك بالأصول واعتبار أي خروج على السلف سببا لما تعانيه الإنسانية من انحطاط وتدهور لم يسبق له مثيل: الأطروحة ( الماركسية، القومية، الدينية )… تمد هذه التصورات بالدم بعض الخروقات التاريخية التي يندر تكرارها ( ثورة 1917 الروسية، ثورة 1952 المصرية، وثورة الخميني ) التي رفعت مستوى الحماسة الثورية إلى أعلى درجاتها…وحينما مر الزمن على الفورة الأولى لهذه الثورات ، بدأت النظرة إليها بالتغير : لاختلاف النتائج عن المقدمات ولانحسار القدرة على مواجهة ( الإمبريالية أو الشيطان الأكبر أو الاستبداد العالمي )،ولنزول هذه الثورات من مستوى الأسطورة إلى الأرض، وشيئا فشيئا (بالضرورة أو بخطط العدو أو بأخطاء التطبيق على النظرية) أخذت الشيخوخة تدب في أوصالها، منحرفة، كما يقول المناهضون ، عن أسباب نشوئها ، ممارسة الأخطاء نفسها التي خرجت عليها، وأخيرا: عدم قدرتها على الصمود أمام الزمن مما جمدها في التاريخ دون قدرة كافية على ولوج المستقبل بحيث ظلت مرتبطة بالحنين الإنساني الأول إلى مجتمع النقاء المفترض لا إلى الهدف العملي الذي يمكن الوصول إليه واقعيا.
ورغم أن أنصار الايدولوجيا الوضعية في الظل، إلا أن رواد المنطق الإلهي في الضوء، تعاونهم على ذلك جملة اعتبارات : هيمنة طرق التفكير التقليدية ذاتها على الجسد الاجتماعي وامتلاك الدولة كغنيمة أفراد و استمرارية التخلف الاقتصادي وهيمنة العرفي والخرافي على العلمي، ووغول الديكتاتورية لا في أشكال الحكم فحسب؛ بل في تعامل الفرد مع نفسه والآخرين بحيث أضحى الاستبداد عادة ومنهجا ( في البيت والمدرسة والشارع والجيش... ) مما لا يتيح للفرد فرصة للخروج من بوتقة هيمنة القوة التي حبس فيها ومما يعطي لهذه الايدولوجيا متسعا من الحياة والانتشار في صفوف المحبطين المتعاطفين الثائرين على ما يعتقدونه ظلما عالميا أو فسادا اجتماعيا.. وهكذا، بقي متعاطي الايدولوجيا ( الوضعية أو الدينية ) يدافع عن اطروحاته بحماس أكثر أو اقل حسب موقع النظرية من العالم.
وعلى العموم قل الأنصار أو كثروا، إلا أن الأهداف أضحت أصعب والوصول أعسر، ولذا، ربما، صار التطرف اشد تطرفا ، والعودة إلى التاريخ الاعتباري أول السبل إلى الاستمرار ( بتشجيع النجاح الجزئي لابن لادن – ما يحدث في فلسطين – خواء الحياة من الهدف ).
واقعيا، صار الكثير من المفكرين الماركسيين ( المشهورين بالمبدئية ) إلى التراجع عن روح الحماسة السابقة، وارتكن ذوو الحنين السيكولوجي للمجد القديم إلى التمسك بصحة النظرية وخلل التطبيق بينما راح المفكر الإسلامي يحث على زيادة التطرف أو التخفيف منه بتبني بعض اطروحات العدو السابق. وصار على المثقف العربي أن يتوازن على حبل رفيع بين جبلين.

مناهضة الذات

ومن خلال هذا المناخ طلعت إلى الوجود أفكار توسطية هي وليدة جملة ارتباكات خيالية ( سياسية، اجتماعية ) نازعة عن نفسها كل تلك الجلود التي يرتديها الإنسان عادة ليقوى على الحياة. فيها الكثير من مواجهة الذات بعيوبها، والنظر بنقدية عالية لتاريخ الأعراق والشعوب ( خير امة وما شاكلها) وتخفيف الشعارات الأيدلوجية ( القضية المركزية مثلا ) وتفكيك الثوابت العامة من دينيةاو سياسية أو عرفية.
على أساس ذلك، أول ما ابتدأ المثقف العربي، على خلاف العادة ، بانتقاد نفسه كطرف رئيس في الانحطاط العام. كان المثقف حتى وقت قريب يعتقد بأولويته على المجتمع وبامتلاكه لقدرات فذة وسمات نادرة، وكان يؤمن بفكرة الطليعية المثالية التي لم يجن لا هو ولا مجايلوه من الناس ثمارها ( إن لم يحصدوا خيبات لا حصر لها ). انطلق المثقف في تحطيم كل الأصنام حتى صنمه الخاص، ومن اجل دحض الأفكار الطوباوية العامة بدأ بطوباويته الخاصة، معلقا عليها احد أسباب الفشل، وناسبا إلى السياسي ومن ثم الاجتماعي جوهر الإشكال.
أي : رفض المثقف دونكيشوت القابع فيه. واكتشف انه معزول، غير مؤثر، محبوس في برجه العاجي الذي تخيل انه تركه في زمن سابق( يمكن لمحطة تلفزيونية أن تؤثر مليون ضعف تأثيره، ويمكن لمطرب تافه )... لقد تم تجاوزه وغدا من السهل الاستغناء عنه: يستطيع المرء أن يعيش حياته الطبيعية كاملة دون أن يطرق بابه ( قد يراجع الطبيب أسبوعيا، وقد يمارس متع الانترنت يوميا، دون أن يقرأ كتابا في سنة،أو يستمع إلى مثقف يتحدث بلغة غريبة وكلام لا يعرفه عمرا بكامله) ..
أيضا، ظل المفكر العربي حبيس عوزه إلى السلطات السياسية التي ما انفكت تمتلك الاقتصاد وتحركه لحماية مؤسساتها ( ساهم الكثيرون في إدامة وتقوية سواعد السلطة على حساب الشبيه ثقافيا وسيساهم الكثيرون مع استمرار سيطرة النزوع المادي على المشروع أو النظرة الإنسانية ). عقبة السياسي، عربيا، ازدادت تعرجا. فإما أن ينضوي للسرب، آخذا دور المبرر، أو أن يتعرض لمخاطر ومضايقات لا حصر لها. فمن يملك القوة، غير السلطات، ومن يملك التمويل؟ ومع أن سيطرة المؤسسات السياسية آخذة بالاضمحلال ( تأثرا بالتحولات العالمية و لوجود مسارب اقتصادية أخرى- متناحرة ربما) يمكن للمثقف أن ينقلب إليها ( مثال عملي من انقلاب اشد مناصري صدام حسين إلى اشد معارضيه ، والعكس صحيح )، إلا أن الخروج، عربيا، عن السلطة يوقع في سلطة أخرى وتحديدات متغايرة. اخذين في نظر الاعتبار أن الخروج على السلطات ( السياسية أو الدينية أو العرفية ) لم يكن على شكل تكتلات وتعاضد قوى ثقافية بل كخروقات شخصية ومواجهات فردية يسهل مواجهتها و محاصرتها ومن ثمة القضاء عليها كبوادر تنويرية ( عائدة أحيانا إلى أجواء أكثر تقليدية ووصولية عبر الاستدارة 180 درجة ). وبما أن المجتمع القبلي لا يعترف إلا بالقوي المنتصر، فان ذيل قائمة التأثير سيكون ذلك الكائن الخارج- العائد إلى الأعراف ، مشابها ( أي المثقف )، فاقدا لما كان من مكتسباته: استقلاليته ومعرفته.. وهذه واحدة من أهم أسباب وعي المثقف لموقعه من العالم.
كذلك، ومع تعدد وسائل الاتصال ( التي بدأ المثقفون ولوجها مبشرين بتحول الثقافة إلى مهنة ) ، ومع الروافد الثقافية اللامحدودة التي أصبحت في متناول المرء، ومع انفتاح عوالم جديدة إلى إبعاد لا نهائية، أين موقع المثقف العربي؟ الم يتصاغر حجمه، ودوره؟ أما عن مستوى حريته التي تسند تأثيره فيدحضها بقاء المثقف العربي حبيس الأعراف والموانع الاجتماعية والدينية رغم بعض التجاوزات هنا وهناك (أمثلة على قوة تحكم المؤسسات الاجتماعية: تراجع علي عبد الرازق في ردوده على منتقدي كتابه ( الإسلام وأصول الحكم ) وخاصة رجال الأزهر عن بعض أفكاره واخذ بالتبرير والمحاباة، وقام طه حسين بإعادة طباعة كتابه ( في الشعر الجاهلي ) بشيء من التغييرات تحت عنوان ( في الأدب الجاهلي ) نتيجة لضغوط عديدة، مثلما اضطر معروف الرصافي – إذا صحت النسبة إليه- إلى عدم نشر كتابه ( الشخصية المحمدية )، وما تعرض له نصر حامد ابو زيد و العظم وغيرهم يؤكد فكرة الحبس الذي تعانيه الثقافة وبالتالي هشاشة دورها واضمحلال تأثيرها حتى وقت قريب ). يعمق الهوة ، أيضا،تفشي الجهل في الواقع العربي إلى درجة أن الأمية المقنعة أخذت تشمل أعلى التحصيلات الأكاديمية وارفع الاختصاصات العلمية، مما أوقع المثقف في فخ الحديث إلى الهواء.
بالنتيجة، وعلى مستوى تقييم الذات، اجبر المثقف العربي ( بقليل من الموضوعية ) على الاعتراف بكبواته وبمحدودية تأثيره وبضآلة وسائله، رغبة في تجاوز أول واخطر أخطاء الماضي : النظرة الطوباوية ( سياسيا – فكريا ) وتغلب الرغبة على الحقائق؛ لكن ذلك لم يتم دون خسائر ولن تجنى الثمار دون خسائر أخرى كثيرة ( كتخفيف حدة المبدئية الرومانسية وتبادل ألأمكنة بين الأعداء والأصدقاء وإعادة صياغة التحالفات ) .
سياسات دافعة

أول مرتكزات المثقف بضرورة التغيير: ما شاهده من انهيار الأيدلوجيات عالميا.. فقد تركت الشيوعية الصدارة التي كانت تتبوؤها وان شكليا، وأضحت الثورة = الاضطرابات = العنف : مرفوضة على المستوى الاجتماعي قبل السياسي ( إلا في بعض ألاماكن التي مازالت تعيش في ما قبل الثورة الصناعية اجتماعيا ). يضاف إلى ذلك، الفكرة الخطيرة التي تتساءل عن نتائج مجتمعات تحقق الحلم الثوري الأيدلوجي ( الديني أو الشيوعي أو القومي )، بمعنى ، ما الذي تكسبه الإنسانية عموما أو إنسان هذا الزمان خصوصا إن تمكنت هذه الأفكار من السيطرة وما هي المشاريع التي يمكن أن تتحقق، مع النتيجة القابلة للجدل، رغم قوتها، في أن بعض الأفكار لا تنفع إلا كمعارضة ويبدأ فشلها الحقيقي حينما تتخلى عن هذا الدور وتمتلك السلطة. فما أن يسيطر القوميون في مكان من العالم، كما يرى الناقدون للمشروع القومي،حتى ينتشر الفساد واستغلال السلطة والفقر وغياب الديمقراطية واشد انتهاكات حقوق الإنسان قسوة، وما أن يتحقق الحلم الاشتراكي حتى يبتسم ستالين و ماو ... انظر إلى الإنسان الروسي، أو بقايا الإنسان العراقي حتى تعرف، كما يقول مثقفنا ربما، قيمة الايدولوجيا التي أنتجته بالمقارنة مع الأوربي، وانظر إلى النظرية الدينية (الأصولية الإسلامية أو الإسلام السياسي ) حتى ترى إلى أي موقع سيتراجع العلم وكيف سيتم التعامل مع المختلف وفي أية حركة دائرية سيتحرك العالم.
بذلك، في نظر المثقف المتبني لاطروحات الديمقراطية الغربية ، سقطت الأيدلوجيات التي ادعت يوما تخليص الإنسان وبناء الجنة الأرضية وولدت أيدلوجيا يتقلص فيها حجم الحلم الإنساني من التحول الكوني أو القومي ( المنحسر ) إلى الفكرة الوطنية ( العراق أولا ، الأردن أولا..الخ ) أو النزعة الشخصية ( استثمار طاقة اللذة بالكامل ) بعيدا عن شعارات الجموع الفنتازية . ومقارنة بالمطلوب العربي الملح ( الكرامة الإنسانية ، احترام الخصوصية الفردية ، توفير الفرص، حرية المعتقد، نبذ العنف، الديمقراطية، التمثل الثقافي للتكنلوجيا ) فإن ( في عالم اليوم – كما يعبر هوبسباوم- ليس ثمة أي مكان من العالم يمثل نظاما بديلا للرأسمالية... التي أثبتت مرة أخرى إنها تظل أكثر القوى دينامية وفاعلية في تطور العالم )...و على مضض ربما، يقتنع الكثير من المثقفين بهذا الطرح، ونتيجة لعمق تخلف مجتمعاتهم يرون بتمثله نقلة ضرورية أو قسرية سيصلها العالم برغبته أو بالرغم منه ( لم يعد ما يحدث في الداخل العربي أو الإسلامي شأنا داخليا، إذ تم ،بتسهيل من بن لادن وصدام،تدويل أدق الشؤون الداخلية كمناهج التعليم وأساليب الحكم مثلا ).
إعلان المخفي

كان المثقف المعارض متخفيا في المنافي ( يحتضنه الغرب عادة موفرا له فرصا للحياة والبحث العلمي والأمان )، قد تسبقه اطلاقة في ظلام من قبل سلطات تطارده،وقد يمتد به العمر إلى أن يغادر هذا العالم في حسرة كحسرة ( هادي العلوي ) المريرة، معبرا عن موقف كل الثقافة المتخفية بمقابل البربرية السياسية العلنية، حينما تسائل ( هل يعقل أن أموت غريبا دون أن أرى سقوط الطاغية ؟ ).. ومات دون أن يرى ذلك.
أمثلة، الثقافة المتخفية كثيرة، وما زالت حتى الآن على الأرصفة الغريبة.. إلا أن ما تغير تغير، من بين أسباب عديدة، لوعي الغرب أن المجتمعات العربية احد أسباب التطرف وذلك لانبناء الحكومات على الديكتاتورية، وانغلاق المجتمعات الإسلامية خاصة على نظريات عصابية تفرخ الإرهاب ( لم يكن للمجتمع اللبناني ما بعد الاستقرار أن يقلق الغرب بقدر ما يفعل الإيراني أو السعودي الآن ). وإذن، يفكر الغرب، بضرورة التغيير والذي تعد له السياسات الغربية العدة الإعلامية والثقافية والعسكرية ( حدث في دول وسيحدث في دول أخرى وحسب الأولوية ).. أعطى ذلك المثقف العربي فكرة أن السلطات المتحكمة ليست خالدة كما كان يعتقد، وان بالامكان زحزحتها، حينما يتخلى عنها الغرب المساند، ويعتقد ربما أن الوقت قد حان لاستغلال الفرص، فالمسألة التقاء مصالح بين احتياجات غربية اقتصادية أو أمنية وبين فرصة التغيير ( التسلط الديكتاتوري سيبقى إلى الأبد لولا هذا التحول في نظر الغرب ).
لذلك، يتبنى الكثير من المثقفين العرب الفكرة القديمة في إعادة إنتاج الغرب عربيا للوصول إلى ما وصلوا إليه، والاستعانة بالسياسي الرأسمالي على حساب السياسي الديكتاتوري (اشد الأمثلة وضوحا مساندة الكثير من المثقفين العراقيين لسقوط النظام العراقي السابق على يد غربية رغم وعيهم التام لارتكابات الأخيرة تاريخيا). لا يقصد بالاستعانة هنا التبادل المادي أو المعلوماتي المشترك مع الغرب ضرورة، بل ، أحيانا كثيرة، في بث فكرة توازي المصالح، المؤقت ربما، بينك وبين الآخر ، وفكرة نبذ العنف في التعامل مع القوى الكبرى. وهنا يبزغ الوعي الجديد : معرفة نقاط الاشتراك المؤقتة التي كانت ستوصم ( وما زالت توصم ) بمصطلحات ليس أولها العمالة ولا آخرها الانخداع بالغرب وخططه الاستعمارية ( ما زالت القواميس تنتج وتنحت النعوت السلبية اللصيقة بالمختلف ) .
يفكر المثقف العربي ( غير المنضوي تحت السلطة أو المنتفع منها، أو المؤدلج قوميا أو دينيا ) انه بين قوتين كاسحتين ليس ثمة قدرة على الخلاص أو التخلي عن كليهما في الآن نفسه : ديكتاتوريات تحكمه، والغرب. وبينما يفقد حياته لمجرد التفكير في نقد السلطة، يتاح له بالتخلص منها أن يعود إنسانا من جديد ، إضافة إلى مستوى كبير من الحرية ( يمكن من خلاله رسم الطريقة المثلى للتعامل مع الغرب كحليف لا عدو عبر مفهوم التعايش السلمي بين الأديان والأفراد والأمم )، وذلك لتغلب فكرة الحياة على الموت وكذلك لوعيه بميزان القوى ودرجة انتماء كل منها إلى الإنسانية التي وجدها غائبة كليا في مجتمعاته ومتوفرة نسبيا في الغرب ( يعي المهاجر في أوربا عمق الافتقار العربي ومدى الاختلاف الجوهري ويسعى إلى التماثل ).
وبين النارين اللتين تحيطان بالمثقف العربي ( نار الاستلاب الشرقي في مقابل الحرية الغربية ) لا يجد بدا من التوسط. فلا هي الغربنة على طريقة السائح أو الحليف الكامل ( بغض النظر عن الأخطاء ) ، ولا هو ابن الايدولوجيا القومية اوالدينية أو الماركسية بالتعامل مع الغرب كعدو مطلق. لقد وجد الطريق : الواقعية... تلك التي وان لن تسقط الديكتاتوريات حقيقة، إلا إنها ستحقق عدة مكاسب : تطويق حرية السلطة في التعامل مع الآخر ( لم يكن ليفكر السياسي العربي مستقبلا في ارتكاب حلبجة جديدة بينما أمثلة الموت العربية في الماضي كثيرة)، تقليم أظافر السند العالمي للديكتاتوريات تمهيدا لقلعها نهائيا من الجسد العربي، بث الوعي بعدم خلود العروش ( ما كان لعراقي أن يتصور اليوم الذي سقط فيه التمثال في بغداد ، بينما يتوقع المرء سقوط تماثيل كثيرة في إيران وسوريا وكوريا وغيرها ).. بمعنى أن التحالفات مع الغرب ( أمريكا خاصة ) لا تعطي الضمانة المطلقة ببقاء النظام المتحالف وهذه هزة جديدة في التصور السياسي الحديث : ( بعض الحلفاء للغرب ينجبون الإرهابيين ( لتحكم الأيدلوجية الاطلاقية أو لقلة الوعي السياسي أو للضغوط الاجتماعية والإحباط )، مع الدعوات المستنكرة لتحالف اكبر داعية ديمقراطي في العالم مع بعض الأنظمة الديكتاتورية، وضرورة تحول هذه الأنظمة ما دامت تريد البقاء كحليف.
هي فرصة، كما قد يرى المثقف العربي، لرد الإذلال طويل الأمد الذي مارسه السياسي على الثقافي، بالإضافة إلى المكتسبات الأخرى عبر تلاقي الأجندات المتنافرة سابقا، وها هو الحاكم، على يد ممثل الرأسمالية الأول، يشك في قدرته وتحالفاته، فاقدا شيئا فشيئا سطوته المطلقة، محاولا الحفاظ على ما تبقى من ارض ديكتاتورية كانت شاسعة، متمسكا بآخر قشة : التنازلات المستمرة والانتماء كليا إلى صورة العالم الجديد، و إلا .....

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية