-داني بوي- فيلم يتناول تعذيب القوات البريطانية لمجموعة من العراقيين بعد احتلال العراق

علي المسعود
2021 / 7 / 12

في برنامج ( بانوراما ) الذي عرض على أحدى قنوات (بي.بي .سي)أكد بأن جرائم الحرب التي أرتكبت من قبل القوات البريطانية في العراق ، تنسجم مع سجل بريطانيا المخزي في هذه الحروب .
والمحاولة المزعومة من قبل الحكومة والجيش البريطانيين لإغلاق التحقيقات في التعذيب والقتل بالعراق تظهر أحدث جانب في رغبة جامحة بالمملكة المتحدة لنسيان كل شيء عن هذه الحروب الفاشلة، وعادة ما ينحى باللائمة على غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003 على رئيس الوزراء السابق توني بلير، قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن وزارة الدفاع البريطانية قد دفعت تعويضات بلغت 14 مليون جنيه إسترليني لمئات المواطنين العراقيين الذين تعرضوا للتعذيب على يد عناصر من القوات البريطانية قبل انسحابها من العراق . وكان عراقيون قد رفعوا دعاوى تعويض في المحاكم البريطانية، وقد بُتَّ في مئات منها، بينما لا يزال عدد آخر قيد المداولات القضائية ورغم دفع التعويضات، إلا أن وزارة الدفاع البريطانية لا تزال تتمسك بالدفاع عن عناصر الجيش البريطاني وتقول إنهم كانوا يتصرفون بمهنية، وإنها تقوم بالتحقيق في كل دعوى من دعاوى التعذيب على حدة ، من جهة أخرى يطالب محاموا المواطنين العراقيين والمدافعون عن حقوق الإنسان بإجراء تحقيق عام، ويقولون إن التعذيب كان يتم بصورة منهجية . كما إن معظم العراقيين الذي رفعوا دعاوى ضد القوات البريطانية هم من الذكور، وادعوا أنهم تعرضوا للضرب والحرمان من النوم والإهانة الجنسية وإجبارهم على الجلوس بأوضاع شاذة لساعات طويلة . وقد تلقت حكومة المملكة المتحدة الكثير من الشكاوى من العراقيين الذين احتجزوا بشكل غير قانوني وزعموا أنهم تعرضوا لسوء المعاملة من قبل القوات البريطانية، لدرجة أن وزارة الدفاع البريطانية تقول إنها غير قادرة على تحديد المبالغ التي دفعتها لتسوية المطالبات . وصرح مسؤولو وزارة الدفاع في لندن بأنهم "يستطيعون تقديم أرقام تقريبية حول عدد العراقيين الذين قدموا شكاوى ضد القوات البريطانية التي شاركت في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العراق سنة 2003 وما تلاه من احتلال ، لكنهم في المقابل لا يستطيعون الكشف عن المبلغ الذي تم إنفاقه من أموال دافعي الضرائب في المملكة المتحدة لتسوية هذه المطالب، نظرا لأن الأمر سيستغرق وقت طويل حتى يقوم موظفو الخدمة المدنية باحتساب مجموع الأرقام ". تدعي الوزارة أنها غير قادرة على الكشف عن المبالغ المدفوعة في وقت يستعد فيه البرلمان لمناقشة قانون مثير للجدل من شأنه أن يقدم عفوًا جزئيًا عن الجنود الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، بما في ذلك القتل والتعذيب، أثناء الخدمة العسكرية خارج البلاد ، أثار القانون الجديد المُقترح المعروف باسم "مشروع قانون عمليات ما وراء البحار" قلق جماعات حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين والعديد من الجنود السابقين، الذين يخشون أن يتسبب القانون في تخفيف عقوبات جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات البريطانية .
فيلم ( داني بوي ) الذي عرضته قناة ( بي.بي.سي.تو) يتناول معركة تعرف بـ (داني بوي) وقعت جنوب محافظة ميسان عام 2004، بين القوات البريطانية ومقاتلي جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. وتحولت هذه المعركة إلى أحد أكبر الصراعات القضائية في بريطانيا، قبل أن يصدر قرار المحكمة بتبرئة جنود بريطانيين من جريمة قتل أسرى عراقيين . يقوم"الممثل توبي جونز باداء دور المحامي السابق لحقوق الإنسان فيل شاينر، والفيلم أيضا من بطولة الممثل أنتوني بويل الذي يؤدي دور الرقيب في الجيش البريطاني بريان وود، الذي اتهم بارتكاب جرائم حرب في العراق".الفيلم الدرامي الذي عرضته قناة "بي بي سي الثانية" ، يتتبع الرجلين وهما يتنافسان في صراع أدى إلى أحد أكبر التحقيقات العامة في بريطانيا" ويرصد الفيلم كذالك التأثيرات التي حلت على حياة الرقيب وود وعلى أفراد عائلته"، وذكر أن "الممثل بويل يطرح في مشهد تساؤلات حول أفعاله خلال الحرب ثم يوجه سؤالا لابنه قائلاً :هل تعتقد انني أبدو كقاتل بالنسبة اليك؟، وفي الوقت نفسه، يقول الممثل بويل: الجنود البريطانيون يفلتون بجرائمهم".الرقيب وود كان ضمن قوة بريطانية خلال معركة "داني بوي" التي وقعت قرب مدينة العمارة بمحافظة ميسان في أيار/مايو 2004 .
المعركة حصلت عندما وقع اشتباك مع نحو مئة مسلح من عناصر جيش المهدي، ووصف بأنه أعنف مواجهة عسكرية تخوضها القوات البريطانية خلال مرحلة دخولها إلى العراق "."المعركة العسكرية فجرت أطول صراع قضائي في بريطانيا استمر 13 سنة"، وكشف الفيلم أن"القوة البريطانية تلقت أوامر بسحب جثث 20 قتيلا من العراقيين ونقلها إلى معسكر مجاور، إلى جانب تسعة أسرى من جيش المهدي، أعلنوا لاحقا أنهم تعرضوا إلى معاملة سيئة "، وفي تقرير المحامي فيل شراينر وهو مختص بقضايا حقوق الانسان ، "الأسرى قالوا إنهم سمعوا أصوات تعذيب وإعدام رفاقهم، ومن بينهم الشاب حامد ( احد الشهود )الذي أكد عمه انه قتل داخل المعسكر البريطاني، وليس خلال الاشتباك مع البريطانيين . وان المحامي "فيل شاينر " ذكر في مرافعته " أنه خلافنا هو أن الجنود البريطانيين أساءوا معاملة العراقيين في ساحة المعركة في داني بوي ، وفي قاعدتهم في معسكرهم ( ابو ناجي ) ، اكثر من ذالك ، نعتقد أن العديد من القتلى والجرحى والمعتقلين ، لم يكونوا جنوداً أو ضمن مليشيات جيش المهدي ، كانوا مزارعون و مارة ابرياء ، يقومون في اعمالهم اليومية ، نعتقد ان الجيش نفذ عمليات قتل غير مشروعة ، ربما تصل الى عشرين عملية ، جنود بريطانيين قتلوا عراقيين بدم بارد" . خلال الفيلم ، نسمع القتال قبل أن نراه ، طلقات نارية مكتومة وصراخ مرعوبة ، الموسيقى التصويرية المألوفة للحرب. هذه هي الأصوات التي ستطارد الرقيب وود ، الذي أُمر في ذلك اليوم المشؤوم بإخراج رجاله من الأمان النسبي لمركبتهم المدرعة وتقديم المساعدة لكتيبة بريطانية تعرضت لكمين . على الرغم من أنه قصير على الشاشة، إلا أن القتال الذي أعقب ذلك استمر لمدة ثلاث ساعات وأسفر عن مقتل 28 مقاتلاً من جيش المهدي . لم يفقد أي رجل بريطاني حياته . لكن بالنسبة لجنود مثل الرقيب وود ، فإن التجربة غيرت كل شيء. في المنزل مع زوجته المنهكة لوسي (ليا مكنمارا) وطفل صغير يكاد لا يعرفه ، يحاول وود إخفاء ضغوطه النفسية المتفاقمة. نادرا ما ينام ، وغير قادر على التعبير عن الشكوك التي تبتلى به ، وتتفاقم مخاوفه بشأن أفعاله عندما يتم الإعلان عن إجراء تحقيق في معاملة وحدته للمعتقلين العراقيين ؛ رجال يعتقد وود أنهم جنود ، لكن عائلاتهم تدعي أنهم مزارعون . ثم هناك قيود الذكورة ، والفكرة المتأصلة المتمثلة في الاحتفاظ بأي صدمة داخلية "في المنزل" - والتي ، كما يقول والد وود الذي يبكي في لحظة غير معتادة ، هو جزء غير معلن من الحياة العسكرية. يقول: "عندما تنضم إلى الجيش ، تكون جزءًا من شيء هائل ،" نحن جميعًا في هذا معًا ، لكن انظر ، عندما يتعلق الأمر بالضربات التي تتعرض لها ، فنحن جميعًا كتاب مغلق "، بصفته وود الذي يعاني من ندوب عميقة ، يحمل بويل الوزن العاطفي للشخصية دون أن يصبح مجرد شفرة لأهوال الحرب. يظل سيناريو جونز قريبًا من التداعيات الشخصية لهذه التجربة ، مما يمنح بويل مساحة للتعمق في التأثير الزلزالي الذي أحدثه على علاقة وود بأسرته وصحته العقلية. يتم عرض معظم الفيلم في محيطه المحلي المتواضع ، مع ذكريات الماضي في المعركة وكوابيسها ومقتطفات من طفولته مع والده الجندي السابق(أليكس فيرنز). الفيلم من بطولة "أنتوني بويل " في دور الجندي (بريان وود ) والممثل "توبي جونز" في دور المحامي في مجال حقوق الإنسان( فيل شاينر) ويستكشف الفيلم التوقعات التي نضعها على الجنود والمسألة الأخلاقية والخط الفاصل بين الشجاعة على جبهات القتال وحقوق الإنسان . في هذا الفيلم يذهب بويل وشينر وجهاً لوجه في صراع قانوني وأخلاقي يأخذنا من ساحة المعركة - في ما يسمى نقطة تفتيش داني بوي - إلى قاعة المحكمة ، وأحد أكبر الاستفسارات العامة في بريطانيا ، تتصادم الذاكرة والأدلة والصدمة ، حيث يجد "برايان" نفسه عالقًا في الخط الفاصل بين الحرب والقتل غير المشروع . أخرج الفيلم سام ميلر الذي نقلت الصحيفة عنه قوله ان "الفيلم يشكل بحثا صريحا ودقيقا في تسلسل مضطرب من التاريخ الحديث تهدد جميع المعنيين". واضاف ان "الأسئلة الحميمة التي أثيرت حول طبيعة التجنيد والتداعيات السياسية لم تكن أبدا أكثر بصيرة ". يعتبر توبي جونز ممتازًا و متمكناً في أداءه كمحامي حقوق الإنسان فيل شاينر . أدى دوره ببراعة الممثل ( توبي جونز ) ، الذي سبق وان ترافع في قضية (بهاء موسى ) وهو رجلًا عراقيًا ضرب حتى الموت بواسطة الجيش البريطاني في البصرة بالعراق في سبتمبر 2003 . اعتقل بمعية تسعة آخرين في فندق الهيثم بالبصرة في 14 سبتمبر، 2003 من قبل عناصر من الجيش البريطاني. كان بهاء موسى الذي كان يبلغ من العمر 26 سنة قد توفي بعد يومين من اعتقاله في البصرة متأثرًا بأكثر من 93 جرح أصيب بها جراء الضرب المبرح الذي تعرض له ، وقد صُوّر جزء من الجريمة من قبل جندي. في 8 سبتمبر 2011 أعلنت لجنة تحقيق بريطانية أنه تعرض إلى "حلقة مروعة من العنف غير المبرر" و"خرق خطير للانضباط "من قبل الجنود البريطانيين مما أدى إلى وفاته . و بعد أن مُنحت عائلة موسى في السابق تعويضًا بقيمة ثلاثة آلاف دولار، اضطرت الحكومة البريطانية إلى دفع ملايين الجنيهات بعد أن طلب محامو حقوق الإنسان في المملكة المتحدة من المحاكم إجراء تحقيق عام. وقد استفادت من ذلك عائلة موسى وثمانية رجال آخرين اعتقلوا وعُذبوا في الفترة ذاتها . فيليب جوزيف شاينر (من مواليد 25 ديسمبر 1956) محام بريطاني سابق في مجال حقوق الإنسان. وشُطِب من قائمة المحامين في إنجلترا وويلز في عام 2017 بسبب سوء السلوك المتعلق بادعاءات سوء المعاملة الكاذبة ضد القوات البريطانية. كان رئيس قسم التقاضي الاستراتيجي في ( في شركة المحامين العامة) الدولية ، من عام 2014 حتى إغلاق الشركة في 31 أغسطس 2016 .
في نهاية فيلم ( داني بوي )، تنتهي المعركة القضائية ، في 17 كانون أول/ديسمبر 2014 ، وبلغت كلفتها المالية: 31 مليون جنيه إسترليني، وتوصلت إلى تبرئة الجنود البريطانيين من تهمة قتل الأسرى، ومن تهم تشويه جثث القتلى، وأن شهادات الأسرى حول هذه التهم، ليست صحيحة ولكن التحقيق توصل إلى أن جنودًا بريطانيين أساءوا معاملة تسعة أسرى عراقيين ، وإنما ليس بشكل متعمد . في هذه الدراما ، من السهل التعرف على القطة والفأر. هناك محامي حقوق الإنسان الذي تم الإشادة به ، والذي يلاحق الرقيب وود من أجل إثبات أدانته والمصمم بشدة على إثبات أن الجيش البريطاني قد ارتكب جرائم حرب في ساحات القتال في العراق . وهناك الرجل الذي يلاحقه والذي يعمل في فوج أميرة ويلز و شارك في عمليات ميدانية ، ومن ضمن الحائزين على وسام من الملكة لبطولاته خلال خدمته في العراق ، ويُتهم الآن بأنه مجرم حرب . وبحلول نهاية الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة ، تكتشف المحكمة ان العراقيين هم اعضاء من جيش المهدي التابع لرجل الدين مقتدى الصدر ومتهمين بالاعتداء على القوات البريطانية وقواعدهم في جنوب العراق ،وكانت مزاعم وإدعاءات المحامي ( فيل شراينر) لا أساس لها من الصحة ، وبرأ الجندي ، وتم حذف المحامي الذي دفع بهذه المزاعم الكاذبة ، فقد تم تبرئة وود من أخطر الجرائم . في عام 2017 ، تم شطب شاينر بعد أن وجدت المحكمة التأديبية للمحامين أنه تصرف بطريقة غير شريفة. بعدها أعلن إفلاسه وأغلقت شركته ( مكتب المحامين العام ).
الفيلم يعتمد في الاساس على على قصة حقيقية ، وهي بالتأكيد لا تزال حية في ذاكرة أولئك الذين
تابعوا خصوصيات وعموميات حرب العراق ، وتداعياتها المريرة. المحامي هو فيل شاينر ، الذي يلعب دوره هنا على أنه شغوف ومقاتل وعنيدة من قبل توبي جونز ، والجندي هو برايان وود ، الذي صوره في الفيلم أنتوني بويل . إنها دراما إنسانية ومصنوعة بمهارة وهي بمثابة تذكير بأن الناس في قلب الأحداث يمكن للتداعيات القبيحة للحرب أن تلحق أضرارًا بالقتال . إحتجزت القوات البريطانية أعدادًا كبيرة من الرجال والفتيان في جنوب شرق العراق في السنوات التي أعقبت الغزو. هل كانت المعاملة السيئة التي اشتكى الكثيرون منها مسألة منهجية - كما أقرت الفقرة شبه المخفية في التقرير البرلماني - أم أن مزاعمهم كانت مدبرة من قبل "المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان والمهتمين في رفع الدعاوى المطالبة بالتعويض عن الأضرار الشخصية؟، وذلك حسب ما يدعيه وزراء في الحكومة ومسؤولون في وزارة الدفاع وحتى أعضاء من اللجنة المشتركة الذي ضم عناصر مدنية وعسكرية وترأس لجنته القاضي البريطاني المتقاعد السير ويليام غاج وجد أن وزارة الدفاع البريطانية قد فشلت في الحفاظ على المعايير الأساسية في عملها وسمحت "بتناسيها على نطاق واسع" من قبل منتسبيها . ورغم تبرئة عناصر الكتيبة الملكية الأولى في فوج لانكشاير من تهمة
"ترسيخ ثقافة العنف"، فإن غاج قال في تقريره إن هناك دلائل واضحة على تكرار حالات التعذيب في أكثر من مناسبة ، وكان تقرير غاج الذي يتألف من ثلاثة مجلدات، قد كشف أن عناصر الكتيبة الملكية الأولى قد عرّضوا مجموعة من عشرة معتقلين عراقيين -بينهم بهاء موسى- إلى عنف "غير مبرر"، وتعرضوا لهم بالركل والضرب المتكرر الذي أدى إلى "صدور صيحات ألم متناوبة منهم، وكان يتم اللعب بهم وكأنهم آلات موسيقية". وكان الجنود البريطانيون يركلون المعتقلين بالتناوب لتصدر عنهم صرخات ألم متناسقة ويسمون تلك الممارسة بـ"الغناء الجماعي". أما روبرت فيسك فقد كتب في صحيفة اندبندنت مقالا اتهم فيه الجيش البريطاني بتجاهل الحديث عن واقعة القبض على بهاء موسى، ويقول إن والد بهاء الضابط في الشرطة العراقية قال أن ابنه أبلغه بأن الجنود البريطانيين فتحوا خزنة الفندق الذي كان يعمل فيه وملؤوا جيوبهم بالنقود، وأن موسى قتل لأنه شاهد على السرقة . ويلوم فيسك في مقاله الخطاب البريطاني الذي ينكر وقوع أي أخطاء من جانب الجيش ،
ويصور عناصره على أنهم أشخاص نبلاء يخاطرون بحياتهم من أجل أهداف سامية. ويعيب فيسك على الخطاب البريطاني نكرانه الممنهج للأخطاء التي يقع فيها عناصر الجيش وتهوينه لها على أنها تصرفات من قلة مارقة . ويوضح فيسك أن الخطاب الرسمي البريطاني لا يعترف بالخطأ إلا إذا
انكشفت أدلة دامغة على وقوعه، كما حدث في إيرلندا في ما يعرف بالأحد الدامي عام 1972 وقضية بهاء موسى التي ظل الجيش ينكرها حتى بروز الأدلة الدامغة على أن الجيش البريطاني ارتكب أخطاء فادحة. ويشير إلى أن جثة بهاء كان فيها 93 جرحا، ويذكر أنه التقى أحد رفاق بهاء في المعتقل بعد أن أفرج عنه "القتلة البريطانيون" وقال له إنهم كانوا يقومون بتسمية كل معتقل بإسم لاعب كرة معين ويبدؤون بركله بدون هوادة ولا رحمة، ولا ينتج عن صيحات الألم وتوسلات المعتقلين ومنهم بهاء بالتوقف عن الضرب إلا توجيه المزيد من الركل والإهانات . الفيلم يتعمق في أخلاقيات القتال من أجل بلد واحد ، ويسلط الضوء على العار الذي يمكن أن يصاحب العودة من الحرب . تأتي واحدة من أكثر اللحظات المؤثرة في الفيلم عندما ينهار والد بريان ، الذي خدم أيضًا في الجيش ، أمام ابنه ، منتقدًا "الرجل القوي المتصدع" المتأصل بعمق في المؤسسة التي يغلب عليها الجانب الذكوري في أخفاء حزنه وخيباته عن أهله وبيته . الفيلم صراع قانوني وأخلاقي يأخذنا من ساحة المعركة - في ما يسمى نقطة تفتيش داني بوي - إلى قاعة المحكمة" ، لكن للأسف يرى المشاهدون القليل جدًا من الجانب "القانوني" ، وحتى أقل من قاعة المحكمة ، في الواقع ، نحن لا نرى شخصيتنا المركزية ،
الجندي المتهم بريان وود ، داخل قاعة المحكمة نفسها. نحن لا نراه يتخذ موقفا ويدلي بشهادته. نحن لا نراه في قفص الاتهام أثناء الاستجواب ، كان أيضا مضيعة للموهبة أنتوني بويل هو ممثل حائز على جائزة أوليفييه و يتألق في أي دور تلفزيوني (ظهر سابقًا في البراءة و المؤامرة ضد امريكا )،
هنا لعب دور بريان وود ، وهو جندي بريطاني حصل على وسام الصليب العسكري في عام 2004 لشجاعته تحت النار في العراق وبعد خمس سنوات ، وجد نفسه في قلب الادعاء بأنه خلال خدمته مع القوات البريطانية قد شارك في تعذيب وقتل 20 مدنيا خلال تلك المعركة (داني بوي). قدم بويل أداءً حساسًا ، حيث أظهر وود وهو يكافح مع الصدمة ويحاول إعادة الاندماج في الحياة الطبيعية - بناء علاقة مع ابنه الصغير الذي لم يكن يعرفه ، وإلاستمرار العلاقة مع والده المخضرم في الجيش (أليكس فيرنز) الذي قد تتذكره على أنه الشرير تريفور في المسلسل المعروف ( إست إندرس) ، لكن ارتباك السيناريو وضعفه في بعض المشاهد كان له تاثير على اداء الممثل . كما ذكرت لصحيفة ( الشمس)، قال أنتوني بويل :"لم نتمكن من السفر إلى الخارج بسبب قيود السفر المستمرة لـكوفيد 19 ، لذا فإن ساحة المعركة في العراق هي في الواقع حفرة في مدينة واتفورد الانكليزية ، وقد قمنا بالتصوير في نوفمبر ، لذا كان التظاهر أنني كنت في صحراء حارة عندما كنت أتجمد في الواقع أمرًا صعبًا ، وشمل ذلك التصوير داخل وخارج قاعة المدينة ، والتي كان من السهل على السكان المحليين رصدها" . هناك أيضًا بعض المشاهد الموجودة في تركيا والتي تم تصويرها بالفعل في مطعم تركي في شمال لندن . قام ببطولة الفيلم الطويل توبي جونز وأنتوني بويل وكان مستندًا إلى القصة الحقيقية للرقيب بريان وود . يقول وود لاحدى الصحف :ـ "قال ونستون تشرشل ذات مرة" ميدالية تتألق ، لكنها تلقي بظلالها أيضًا "، وكان ذلك مثالًا على ذلك بالنسبة لي. كان الحصول على وسام الصليب العسكري أحد أكثر الأيام التي أفتخر بها في حياتي ، ولكن بعد ذلك ، كان وضع سلامتي موضع التساؤل بعد خمس سنوات كان أمرًا فظيعًا".
في الختام : الفيلم يحمل الكثير من التفسيرات والقضايا التي تستحق المشاهد ولكن الفيلم لم يكن مقنعا في اختيار الممثلين من الشهود العراقيين الذين دعاهم المحامي شراينر الى تركيا للادلاء بشهادتهم فقد كان الاول يتحدث باللهجة السورية والثاني لهجة المغرب العربي ، كما ان الازياء الذين يرتدوها العراقيين التي تم اسرهم كانت ملابس إفغانية وليس لها علاقة بالبيئة الجنوبية التي حدثت فيها معركة "داني بوي" . يغطي هذا الفيلم تحقيقًا عامًا دام خمس سنوات في جرائم الحرب ، ويبحث في أسئلة أعمق ، إن السؤال الأخلاقي الأكبر هو حول ما نطلب من البشر أن يفعلوه بالبشر الآخرين باسم الحرب. كيف نحدد الخط الفاصل بين القتل القانوني أو الدفاع عن النفس والقتل غير المشروع؟ لا يقدم فيلم " داني بوي" أي إجابات نهائية . إنها دراما إنسانية ومصنوعة بمهارة وهي بمثابة تذكير بأن الناس في قلب الأحداث و يمكن للتداعيات الكارثية للحرب وجنونها أن تلحق أضرارًا بالكثير من الناس الابرياء .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا