العراق نخلة باسقة حتى بلا طلعا هضيم

محمد رضا عباس
2021 / 7 / 11

تعود بعض كتابنا ان لا يذكرون العراق الا بمصائبه واحزانه, فلا يجدون فيه الا اللون الاسود من دون ابيض او حتى اللون الرمادي. فهذا ينوح بالبوذية العراقية المعروفة ويقول " بشرني شلونك وعيونك شو ما مرتاح , يا عراق الهيبة والطيبة مو كافي جراح ..و ليش من تطيح بشدة تركض كلها تفرهد بيك , واني امشي على تربك خايف خطواتي اتذيك , من تذبل النسمة وتبين اللجمة احسد شكو مضيع وطن مثل الوطن مالي , بس الورد ينشم من غيري واني انذل , خليني جا عايش جرح , جرح الوطن غالي ". واخر من الشعراء بدلا من ان يكتب قصيدة يمجد عافية شارع المتنبي وتردد الشباب والشابات الى هذا الشارع الذي اصبح ايقونة العراق , يتوجه بأنظاره الى دائرة الهجرة ليقول " بالأمس رايته في دائرة الهجرة , بالأمس رايته يتقدم الطابور , تقدم العراق حاملا اوراقه , صار العراق خارج العراق , النيران والدخان , مخلفا وراءه صفحة الحضارة". و يأتي كاتب ينعي العربية في العراق و يطالب امة العرب بتحرير العراق من الاحتلال الصفوي الايراني .
فيما لا يتفق السواد الاعظم من العرقيين مع هذه الاوصاف ,الا انه تجد اذن صائغة عند العرب خارج العراق لسماعها , حتى اصبحت بعض من تساؤلاتهم تجرح الوجدان وتخرج الانسان القويم من طوره . لقد اصبح من غير المدهش وانت تقابل مواطن عربي يعيش في فرنسا ليقول لك لقد خسرتم رجل مقدام اسمه صدام حسين حيث كنا لا نسمع مما يحدث في العراق كما يحدث الان , و يؤتيك بالبرهان ليقول ان القائل ليس امريكيا ولا فرنسيا ولا مصريا وانما عراقيا. ويأتيك اخر ليقول : لعنت الله على من جاء على ظهر الدبابة الامريكية الى العراق فلم يصحبوا معهم الا الطائفية التي لم نسمع عنها من قبل في العراق. واخر يقول انتم العراقيون لا ينفع معكم الا الحجاج بن يوسف الثقفي وصدام حسين , و كان الله كتب على العراقيين الا الذبح والتشريد والغربة و الذل .
لقد اختار بعض المثقفين العراقيين السلبية لانهم عرفوا جيدا ان الشهرة تأتي لهم اسرع عن طريق نشر السلبيات لا من الايجابيات مثل سوق قصص و افلام العنف والرعب الامريكية , وانهم درسوا وفهموا قول القائل ان " يمكن للكذبة ان تسافر نصف العالم بينما الحقيقة مازالت تلبس حذائها".
ان تركيز بعض المثقفين العراقيين على اللون الاسود دون بقية الالوان انما يعتبر خيانة لتاريخ العراق المضمخ بدماء الشهداء. بفضلهم اصبحنا بين الحين والاخر نشاهد من على تليفوننا المحمول صور عن " الماضي الجميل " مصحوبة بأغنية على شكل لطمية . بفضل هؤلاء المثقفين اصبح النظام البائد بريء عن جرائم الانفال و النصف من شعبان وتهجير نصف مليون عراقي بعد ان اجبرهم النظام بترك كل ما يملكون , والبعض من ابنائهم على جبهات القتال. واصبح النظام البائد بلا خطيئة 300 مقبرة جماعية .
ان من يتباكى على جياع العراق عليه ان لا ينسى ان هؤلاء كانوا موجودين قبل التغيير ولكن الجميع يخاف من ذكرهم . وكانت الكهرباء في اجزاء بغداد ولكن غابت عن محافظات بكاملها . وتدهورت الخدمات حتى حملت جنائز اطفالنا بالجملة على سطوح السيارات في كل يوم خميس . ومن ينكر بعدم سماعه عن الطائفية في العراق عليه ان يقرا على الاقل كتاب "الشيعة والقومية" للأستاذ حسن العلوي . لقد فهمنا بما كان يريده حكام لعراق من مفهوم " الوحدة الوطنية "بعد التغيير , كان هدف من ينادي بها ليلا نهارا هو الضرب من حديد على كل من يطالب بالحقوق من الطبقة الحاكمة.
لا ادعي ان العراق بدون مشاكل وكبوات فهو بعيد جدا عن بحبوحة نظام اوروبي ديمقراطي عريق بعض من الكتاب العراقيين الذين يعيشون بخيراته يريدون ان يكون العراق نسخة مطابقة له . ان هؤلاء عن فهم او غير فهم يغفلون تاريخ هذه الشعوب وهي تسير نحو التحولات الديمقراطية . هذه الشعوب اعطت دماء غزيرة من اجل بناء القواعد الديمقراطية و تأسيس نظام سياسي ينعم بخيراته اهله و ضيوفه .
العربية بخير في العراق. .ذي قار و العمارة وبغداد والانبار ما زلوا ينتجون بغزارة فحولها ,اتهام ايران باحتلال العراق اتهامات مدفوعة الثمن , فلا ايران بحاجة العراق , ولا العراق بحاجة الى من يدافع عن ارضه ومقدساته . هجرة الاوطان ليست بدعة عراقية وإنما ظاهرة عالمية شجع عليها حتى القران الكريم , والاهم من كل ذلك لقد رأيت في زيارتي الاخيرة للعراق ان مواطن يوزع جريدة "طريق الشعب" في شوارع بغداد بكل اطمئنان وارتياح بعد ان كانت تهمة الانضمام الى الحزب الشيوعي جريمة حكمها الاعدام . العراق بخير والديمقراطية بخير .قبل التغيير كانت هناك 300الف سيارة تسيير في شوارع بغداد , وصل العدد اليوم الى 3 ملايين . الذين من عمري يتذكرون مغصة البطن بعد كل ذهاب واياب من مطار بغداد الدولي , اليوم يستقبل القادم والمغادر بكل احترام وتقدير .
اني عندما اسمع او اقراء موضوع من انتاج اصحاب الماركة السوداء يأتي الى ذهني حكمة تقول "من باب الادب استمع للبشر جيدا , اما من باب الاحتياط فلا نصدق كل ما يقولون ".

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية