حطِّموا أصنام أحزاب السلطة فقد نخرها الفساد والسرقات

حسن خليل غريب
2021 / 7 / 10

يُعيب بعض الإسلاميين على العرب قبل الإسلام أنهم كانوا يتعبدون أصناماً صُنع بعضها من تمر لكي تقيهم غائلة الجوع إذا جاعوا، وغائلة المرض إذا مرضوا، وغائلة الخوف إذا أدركتهم المصاعب والمتاعب. ولأن تلك الأصنام كانت من دون فائدة جاء الإسلام ليبشر بإله واحد يقي من جوع ومرض ومتاعب. ولذلك فقد حطمها الرسول العربي في الكعبة، مقرها الذي جمَّعت فيه القبائل أصنامها.
واستهزاء بها أردف المعيبون لعهد الأصنام أن العربي كان يأكل صنمه المصنوع من التمر عندما يجوع. وكان العربي قلَّما يجوع بفعل النخوة والكرم التي كانت تتميز بها القبائل العربية.
واستناداً إلى مقدمة المقال نتساءل: إذا كان المسئهزئون بعبادة الأصنام لأن العربي كان يأكل صنمه المصنوع من تمر، لكنهم تناسوا أن النخوة والكرم كانت من الشيم العربية التي تجعلهم يستقبلون فيه الضيف من دون أن يسأله أحد أي صنم يتعبد.
وهنا نسأل المؤسسات الدينية، والمؤسسات السياسية التي تتستر بعباءة الدين، لماذا يجوع فقراؤهم وأيتامهم ومساكينهم وعمالهم وفلاحوهم، بل يكادون يموتون من الجوع، ولا يجدون من يقريهم أو يستضيفهم أو يهبهم شروى نقير؟ وأما إذا أرادت بعضها أن تساعد الفقراء، في مرحلة انتشر فيها الفقر والجوع، فهي تقدم تلك المساعدة لأنصارها فقط من الطائفة التي يزعمون أنهم حماتها، بينما تحجبها عن غير التابعين لها من أبناء الطائفة ذاتها. وقد أخذ البعض من تلك المؤسسات يفخرون أن أنصارهم لن يجوعوا. وهم بذلك إنما يضربون قيم الإنسانية والوطنية عرض الحائط.
تلك هي الجاهلية الحقيقية التي تمارسها المؤسسات الطائفية السياسية في هذه المرحلة خاصة في الوقت الذي يزعمون فيه أنهم توحيديون. ويفخرون فيه أنهم انقلبوا على صنمية ما قبل الإسلام. وهنا نسألهم: هل الجاهلية هي أن نُقري الضيف من دون سؤاله عن أي صنم يتعبَّد، أم في ظل زعمهم أنهم توحيديون، ولكنهم يميزون في المساعدة بين تابع لهم، ومن يعتبرون أنه من غير التابعين؟
في رأينا أن ما يصفونها بالجاهلية كانت تطبق قيم الشهامة والإنسانية لأنها لم تميز بين إنسان وآخر، بينما الجاهلية هي في تشويههم لتلك القيم عندما يفاضلون بين إنسان وإنسان استناداً إلى دينه وطائفته ومدى تبعيته لحركتهم الدينية السياسية.
أجاهلية هي تلك التي كانت تسودها قيم الكرم والشهامة؟ وأتوحيدية هي تلك التي عزَّت فيها تلك القيم، وانتشرت فيها قيم السرقة والنهب من أمراء زعموا أنهم (حماة لطوائفهم)؟
كان العربي قبل الإسلام (التوحيدي) يأكل صنمه إذا جاع. ولكنه في هذا العصر لا يستطيع أن يأكل زعيمه وأميره ومرشده الروحي لأنهم مصنوعون من حجر الصوان. خاصة أنهم أحاطوا أنفسهم بنوع من القداسة التي تمنع من يكشف عن جرائمهم من القيام بذلك بشتى أنواع القهر والتهديد. وصوَّروا للعامة من أتباعهم أن المسَّ بسمعة أحد ممن يتزعَّمهم مسٌّ بالدين والمذهب.
وإذا كان الرسول محمد قال: (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى).
وإذا كان الإمام علي قد قال: (لو كان الجوع رجلاً لقتلته)، ويعني فيه من يتسبب بجوع أو يسكت عمن يتسبب فيه. فماذا يقول أولئك الذين يتغنون بأقواله ويروجون لها؟ إنهم بلا شك من فئة من يعمل على تضليل أتباعه وأتباعهم.
وإذا كان السيد المسيح قد كشف حقيقة رجال الدين حين خاطبهم قائلاً: (يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ).
فماذا سيقولون عن رجال الدين وأمراء الطوائف، في هذه المرحلة، خاصة أنهم ليسوا من الساكتين عن كل أنواع الفساد الذي يسود الآن فحسب، بل هم الذين يمارسون كل أنواع الفساد والسرقة أيضاً. ينهرون السائل إذا سأل عن سبب جوعه، ويقهرون اليتيم قهراً فوق قهره. ويكدسون الآلام على المريض فوق ألمه؟ لا بل يتفاخرون بأن أزلامهم لن يجوعوا ولن يمرضوا.
نمر الآن بأصعب مرحلة ينتشر فيها التزوير والكذب وإخفاء الحقيقة أمام الملايين من البشر، وفيها يتعبَّد فيها الملايين نوعين من الأصنام، هما أمراء الطوائف بأشكالهم السياسية والمذهبية من الذين ينسجون الكذب ويحولونه إلى حقيقة. والأمرُّ منها أن عشرات الآلاف من أتباعهم يصدقونهم، ويمتثلون إلى أوامرهم مكتفين بالكفاف الذي يغدقه عليهم أمراؤهم مما يسرقون ويختلسون باسم المستضعفين في الطائفة، وممن يطلقون عليهم صفات المحرومين والمقهورين.
في تلك المسرحية يتبادل تحالف أمراء السياسة مع أمراء المذاهب أدوار تخدير أنصارهم. فيزعم أمراء السياسة أنهم الوكيل الحصري لـ(حماية المذهب)، ويحث أمراء المذهب الطائقيون أنصارهم على الالتزام بما يُسمى (التكليف الشرعي) بطاعة (أولي الأمر منهم).
وإذا كان هذا هو واقع أمراء الطوائف، سياسيين ورجال دين، لأنهم منذ تأسست الأديان لم يتغيِّر دورهم بالسيطرة على عقول العامة. فما هو حال العامة وما هو بالها تطأطئ رأسها راضية بالعبودية والاستسلام؟
ولهذا، خاصة وأن العامة من كل الأديان والمذاهب، قد دخلت أبواب جهنم، وهي تعرف أن حارس بواباتها، وباني جدرانها، وناسج قضبانها الشائكة، هو التحالف المشبوه بين أمراء السياسة وأمراء المؤسسات الدينية.
لقد آن للعامة أن تدرك أن جهنم هي من صنع أولئك الأمراء، من دون استثناء أي منهم اللهم تلك القلة التي صحت ضمائرهم وعرفوا أنهم في واد، والزمرة الحاكمة في واد آخر.
لقد آن للعامة أن تدحرج رؤوس الفساد، وأن تطيح بهم بشتى الطرق والوسائل.
لقد اشتروكم بمائة دولاراً، وباعوكم بمئات الملايين من الدولارات وأتخموا جيوبهم بها. ونخشى اليوم أن يشتروكم بـ(كرتونة من المواد الغذائية)، ليبيعوكم غداً ويقبضون ثمنكم آلاف المستودعات من كل أنواع المواد الغذائية والحياتية ليُنعشوا مافياتهم التجارية.
ليس أمامكم ولا وراءكم سوى حل واحد، أن تحطموا الأصنام الرابضة على قلوبكم، والناهبة لقمة عيشكم، والممتصة آخر قرش في جيوبكم، والناهبة النور والرغيف والمحروقات والدفاتر والكتب والدواء والماء والكهرباء. وتركوا لكم الجوع والفقر والمرض.
حطموا أصنامكم كما حطمها الأنبياء. والعنوا أبناء الأفاعي الذين سكتوا عن نهب أموالكم، كما لعنهم أنبياؤكم.
كونوا أنبياء عصركم فأنتم لستم بحاجة إلى تدليس وتلفيق من رعاتكم الذين يجزون صوفكم بدلاً من إرشادكم إلى طريق الثورة في وجه أصنامكم.
لم يبق أيها الشعب المقهور لديكم ما تخسرونه، فقد سرق أمراؤكم رغيف الخبز الذي لا تجدونه في أفواه أولادكم. وسرقوا حبة الدواء وتركوا أطفالكم يموتون على أبواب المستشفيات. سرقوا شعاع الكهرباء من بيوتكم التي تلفها العتمة والظلام. يبيعونكم قطرة الماء التي تكاد تتحول إلى عملة نادرة. لم تبق قطرة وقود لسياراتكم التي تنقلكم على أعمالكم. وأصبحت رواتب العمال منكم عاجزة عن سداد فواتير ما يحتاجونه في حياتهم اليومية. هذا ناهيك عن تعليم أولادكم، فلذات أكبادكم، لأن المدارس أقفلت أبوابها، والجامعات أصبحت أبعد منالاً من أن يدخل أبناؤكم أبوابها.
لم يبق شيء تخسرونه، فقد خسرتم كل شيء، وربح أمراؤكم وأبناؤهم كل شيء.
إن الفقر أمامكم، والمرض وراءكم. والبلاوي تحيط بكم من كل الجهات والزوايا.
لم يبق أمامكم والله سوى إسقاط تماثيل الأصنام التي عبدتموها منذ وقت طويل، وآمنتم بأنه عليكم أن تقبلوا أيادي أصنامكم وتدعو عليها بالكسر. وأما حقيقة الأمر فتسكن في كسر تلك الأيادي وليس الدعاء عليها بالكسر. لأن حتى الله لن يقف إلى جانبكم ما دمتم واقفين في طوابير الذلة والمذلة. قفوا ولو مرة واحدة في صفوف (قطَّاع الطرق)!! واقطعوا عليهم طرقات النهب والفساد والتهريب والكذب والتدجيل. ألم تتعلموا (أن حبل الكذب قصير)؟ وأن حبل الذلة طويل إذا لم تثوروا بأنفسكم ضد من أنزلوا بكم الذلة من كل حدب وصوب.
إفعلوا كل شيء يغيض أمراؤكم، فهم أعداؤكم. إفعلوا كل شيء يوقظ ضمائرهم إذا بقي لديهم ضمير ينبض.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا