الاتحاد الكونفدرالي الأمريكي

محمد زكريا توفيق
2021 / 7 / 10

بعد انتصار الأمريكان في حرب التحرير بقيادة جورج واشنطن، وجدوا أنفسهم مجرد مستعمرات، أو ولايات، صغيرة مستقلة. لم يكن يربطها ببعض سوى دستور بدائي يسمى الدستور القاري، واقتراح مقدم من ولاية فيرجينيا لقيام اتحاد كونفدرالي فيما بينها، تحت بنود تسمى "وثائق الكونفدرالية".

بحلول عام 1779، وافقت 12 ولاية من بين 13، على قيام اتحاد كونفدرالي فيما بينها. لم توافق ولاية ماريلاند، في البداية، لكنها انضمت إلى الاتحاد عام 1781.

في 1 مارس 1781، أصبحت وثائق الكونفدرالية هي دستور البلاد. وظلت كذلك حتى تم استبدالها في عام 1788 بدستور الولايات المتحدة الحالي.

لم يأت النصر والاستقلال بدون مشاكل. من سيحكم هذه البلاد؟ ليس الملك بالتأكيد. إذن ما نوع الحكومة التي يطلبها الأمريكي الحر، والتي تحافظ على حرية الفرد، وفي نفس الوقت، تمنح الحكومة ما تحتاجه من سلطات كافية لحماية الصالح العام. لقد أخذ هذا الأمر عدة سنوات حتى تم الوصول إلى هذا التوازن.

في البداية، لم يكن في بال الأمريكان قيام حكومة وطنية قوية، خوفا من أنها قد تعوق حريتهم الشخصية. لكنهم في عام 1781، جاءوا بفكرة الوثائق الكونفدرالية، التي تمنح كل ولاية حريتها واستقلالها. في نفس الوقت، تسمح بالتعاون بين الولايات، فيما يسمى بالاتحاد الكونفدرالي. وهو شيء أشبه ما يكون بالصداقة المتبادلة.

يعني شيء كده مثل جامعة الدول العربية حاليا. لكن في عام 1787، كان لديهم من المشاكل، جعل بعض الناس تبحث عن حكومة وطنية موحدة.

أثناء فترة الاحتلال البريطاني (1607 - 1776)، كانت السلطة الحقيقية في يد الملك والبرلمان البريطاني، أما المستعمرات، فلم يكن لديها أية سلطة أو قول يخص شؤونها.

في النظام الكونفدرالي (1781 - 1788)، معظم السلطات كانت تقع في يد الولايات، أما الكونجرس الممثل للاتحاد، فكان يتكون من مجلس واحد، 2 إلى 7 عضو من كل ولاية. عند التصويت على قانون، كل ولاية لها صوت واحد دون النظر إلى حجمها وعدد سكانها. ثلثي الأصوات كانت لازمة لتمرير أي قانون.

هذه كانت سلطات الكونجرس الكونفدرالي:
اعلان الحرب
عقد المعاهدات
التعامل مع الهنود الحمر
الاشراف على الجيش والبحرية
صك العملة النقدية
تنظيم المقاييس والموازين
إقامة نظام للبريد

حكومة الاتحاد الكونفدرالي، كانت تتكون من فرع واحد فقط، وهو الفرع التشريعي. كانت سلطاتها مشلولة لعدم قدرتها على تنظيم الضرائب والتجارة. وكما تقول القاعدة الذهبية، من يمتلك الذهب، يضع قواعد اللعبة.

في نفس الوقت، كانت كل ولاية من الثلاث عشرة، لها دستور خاص كتب أثناء حرب التحرير، فيما عدا ولايتي رود أيلاند وكونيكتيكت. كل منها كانت لها ثلاثة فروع، لكن سلطة تنفيذية ضعيفة.

في عام 1783، بعد النصر ومعاهدة باريس، تخلت بريطانيا العظمى عن أراض شاسعة غرب نهر الميسيسبي، فكيف يدير الاتحاد هذه المساحة من الأراضي؟

في عام 1784، كان توماس جيفرسون عضوا في كونجرس الاتحاد الكونفدرالي. تقدم بخطة لتنظيم تلك الأراضي وتحويلها إلى ولايات. لها نفس الحقوق والواجبات التي تتمتع بها الولايات ال 13 الأصلية.

خطة جيفرسون كانت تشمل: قياس ومسح الأراضي، التعليم العام الإلزامي، تجريم العبودية، الحرية الدينية، والحكم الذاتي.

الأراضي الجديدة كانت تباع عن طريق المزاد العلني بحد أدنى دولار واحد للفدان. كل ولاية كانت ملزمة بالتعليم المجاني لأطفال المدارس. لكن محاولته لتطبيق هذا النظام في فيرجينيا عام 1779، قد باء بالفشل لعدم موافقة الكونجرس بالولاية.

في عام 1784، اقترح جيفرسون تجريم العبودية في كل الولايات الجديدة التي تتكون من الأراضي التي سلمتها بريطانيا. لكن هذا القانون لم ينجح في الكونجرس الكونفدرالي، بصوت واحد للأسف. "صوت واحد منع تجريم هذه الجريمة البشعة في أراضينا الجديدة."، كما كان يقول جيفرسون.

عاد توماس جيفرسون، بعد كتابة إعلان الاستقلال في عام 1776، إلى فرجينيا للعمل كعضو في الهيئة التشريعية في ولاية فرجينيا. هناك، بين عامي 1776 و1779، قام بمراجعة مدونة قوانين فرجينيا، وإضفاء الطابع الديمقراطي على القوانين المتعلقة بالملكية والدين ومسائل أخرى.

في عام 1779، قدم جيفرسون مشروع قانون الحرية الدينية، والذي أصبح قانونا في عام 1786. بمقتضاه، تم إرساء الحرية الدينية والفصل بين الكنيسة والدولة.

"الله القدير خلق العقل حرا. نحن الجمعية العامة لفرجينيا نقر أنه لا يجب إجبار أي إنسان على ممارسة أي عبادة دينية أو دعمها على الإطلاق. لكن كل إنسان يكون حرا في ممارسة طقوسه وإبداء رأيه في مسائل الدين، دون أن يكون لهذا أي تأثير على حريته المدنية.

لكن الاتحاد الكونفدرالي الأمريكي لم يستمر سوى ثمان سنوات، 1781-1788. فما السبب؟ وكيف يمكن علاج مشاكل الكونفدرالية عن طريق تعديل الدستور، أو دستور جديد إن أمكن؟

الاتحاد الكونفدرالي أوشك على الإفلاس. لأنه لم يستطع إجبار الولايات على المساعدة المالية. وعندما أصدر عملة نقدية ورقية، لسداد ديون الحرب التي بلغت في ذلك الوقت 40 مليون دولار، لم تكن تلك العملة مدعومة بغطاء ذهبي أو حتى فضي. لهذا رفضها الدائنون على أنها لا تساوي شيئا.

كل ولاية في الاتحاد الكونفدرالي، كانت تفرض ضرائب على سلع ومنتجات آتية من ولايات أخرى، فهل الشجار والحروب بين الولايات أمر محتمل، مثل ما كان يحدث بين الدول الأوروبية في ذلك الوقت؟

كما أن كل ولاية كان لها قوانين تجارة مختلفة، والسياسة الخارجية للاتحاد، لم يكن لها نفوذ ولم تكن محترمة من الدول الأجنبية، لعدم وجود سلطة تقف خلف المعاهدات والاتفاقات المبرمة.

كانت بريطانيا وإسبانيا ينتظران انهيار الاتحاد الكونفدرالي الأمريكي. وكانت بريطانيا تعتبره فكرة حمقاء، فالاستقلال عن بريطانيا لن ينجح أبدا.

كان جورج واشنطن يعلم بمشاكل الاتحاد الكونفدرالي. في عام 1784، كتب ما يلي: "إنني أتوقع الأسوأ من اتحاد أشبه بذئب جائع، وسلطة عرجاء تتحرك بعكازين، وتتعثر مع كل خطوة." ثم قال بعد ذلك: "لا بد من وجود حكومة قوية وطنية. بدونها، لا يمكن للاتحاد أن يستمر."

كانت وجهة نظر واشنطن، يشاركه فيها بعض القادة الأمريكان، منهم صديقه الشاب جيمس ماديسون، من فرجينيا، وأليكسندر هاملتون، من نيويورك ومساعده أثناء حرب التحرير.

واشنطن: دستور ليبرالي حيوي آمن، ربما يرد لنا احترامنا لأنفسنا.

ماديسون: بدلا من اتحاد كونفدرالي ضعيف مكون من مجموعة ولايات، ما رأيكم في نظام فيدرالي. يوزع السلطة بين حكومة قومية قوية، وباقي الولايات؟ البارون الفرنسي الفيلسوف مونتسكيو يقول: "تركيز السلطة في يد واحدة يخلق الطغاة. تفتيت السلطة وتوزيعها يخلق الحرية."

هاملتون: قد يكون هناك بعض العذر في قيام اتحاد كونفدرالي، لكن ليس هناك عذر في البقاء عليه بعد أن تبين فشله. يجب أن نفكر جميعا كوطنيين.

بشكل فردي ومجتمعين، قاد واشنطن وماديسون وهاملتون الأحداث نحو الإطاحة السلمية بمواد الكونفدرالية، ووضع دستور جديد يحقق "اتحادا أكثر كمالا". وهو الدستور الأمريكي الذي ما زلنا نتمتع به حتى اليوم، بعد قرنين من الزمان.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي