تاريخ الدين: الاسلام

مالك ابوعليا
2021 / 7 / 9

الكاتب: سيرجي الكساندروفيتش توكاريف

ترجمة مالك أبوعليا

كان الاسلام هو الدين العالمي الثالث والأخير. انه واحد من أكثر الأديان انتشاراً ويبلغ عدد أتباعه حوالي 800 مليون شخص (1985)، وينتشر بشكلٍ أساسي في شمال افريقيا وجنوب غرب وجنوب وجنوب شرق آسيا. تنتمي جميع الشعوب العربية ومُعظم الشعوب التركية والايرانية الى الاسلام. يوجد العديد من المسلمين بين شعوب شمال الهند، ويتبع جميع سكان اندونيسيا تقريباً الاسلام.
تطوّر الاسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع. ان أصوله أوضح من المسيحية والبوذية لأنه تم حفظه كتابةً منذ البداية تقريباً. ومع ذلك، فان الكثير من المعلومات حوله ذات طابع اسطوري. وفقاً للتقاليد الاسلامية، فان محمد النبي هو مؤسس الاسلام، وهو شخص عربي كان يعيش في مكة. يُفتَرَض أنه تلقّنَ عدد من "الآيات" التي أوحاها الله، وهي مكتوبة في القرآن، ونقلها الى الآخرين. القرآن هو الكتاب المقدس الرئيسي للمسلمين، وهو أحد أهم مصادر دراسة الاسلام المُبكّر.
محمد نفسه لم يكتب أي شيء، وقد قِيل أنه كان أميّ. بقيت هناك تدوينات منفصلة من أقواله وتعاليمه بعد أن مات، ونُسِبَت الكثير من الأقوال له. حوالي عام 650 (في عهد الخليفة الثالث لمحمد، وهو عثمان) أصبحت هذه الأقوال أساس القرآن (قراءةً وتلاوةً) وأُعلِن عن قداسة هذا الكتاب، وزُعِمَ أن زعيم الملائكة جبريل قد لقّنَ مُحتوياته لمحمد، وتم القضاء على كل الرموز التي لم تُستَخدم في القرآن.
ينقسم القرآن الى 114 فصلاً (سورة)، ولم توضع بأي ترتيبٍ مُعين، وُضِعَت فقط وفقاً لحجمها تقريباً. الفصول (السور) الأطول هي أقرب للبداية، والأقصر موجودة في نهايته. يوجد في القرآن فصول مكية (الكتابات السابقة) وفصول مدنية (الكتابات اللاحقة). هناك مقاطع كلامية مماثلة تتكرر في سور مختلفة. تتناوب المقاطع التي تتعجب وتُعظّم وتُبجّل الله من جانب، مع التعاليم والنواهي والتهديدات بأن ينتهي المطاف بكل العُصاة في جهنم في المستقبل من جانب آخر. يحتوي القرآن على آثار بالكاد يمكن تمييزها لتنحقيحات تحريرية كما هو الحال في الأناجيل المسيحية. من الواضح أن القرآن هو عبارة عن مسوّدات أصلية قديمة تقريبا.
عنصر آخر من الأدب الديني هو السنة، التي تتكون من الأساطير المقدسة (الأحاديث) حول حياة محمد ومعجزاته وتعاليمه. تم جمع الأحاديث في القرن التاسع من قِبَل اللاهوتيين الاسلاميين مثل البُخاري ومسلم بن الحجاج، الخ. ليس كل المسلمين يعترفون بالسنة المحمدية، فقط الطائفة السنية التي تُشكّل الغالبية العُظمى في الاسلام.
حاول اللاهوتيون الاسلاميون اعادة انشاء السيرة الذاتية لمحمد من القرآن والأحاديث النبوية. ان أقدم سيرة ذاتية كان قد كتبها حُنَين بن اسحاق الذي عاش في المدينة في القرن الثامن. النسخة التي بقيت حتى الوقت الحاضر تم تنقيحها في القرن التاسع.
لقد فعل الباحثين الأوروبيين الكثير للكشف عن مصادر الاسلام وسيرة مُحمد الحقيقية.
من المؤكّد أن مُحمداً قد عاش حوالي عام 570-632، وبشّرَ بمذهبٍ جديد أولاً في مكة، حيث وجد عدداً قليلاً من الأتباع، ومن ثم في المدينة، حيث تمكّن من حشد العديد من المؤيدين. بالاعتماد على مؤيديه في المدينة، استطاع أن يُسيطر على أهل مكة، ووحّدَ فيما بعد الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية حول الاسلام. تفتقر سيرة محمد الى الخيال (على عكس السيرة الانجيلية حول يسوع). ومع ذلك، فانه لا يُمكن العثور على مصادر الدين الاسلامي في سيَر حياة الأفراد، ولكن في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والايديولوجية التي تطورت في شبه الجزيرة العربية.
ما هي الظروف التاريخية لنشأة الاسلام؟ لطالما كانت الجزيرة العربية مأهولةً بالقبائل السامية، أسلاف العرب المُعاصرين. استقر بعضها بجانب الواحات وبعضها الآخر في المدن، وعملوا في الزراعة والحِرَف والتجارة، وكان بعضها من البدو الرُحّل في السهول والصحاري وكانوا يُربّون الابل والخيول والأغنام والماعز. كانت شبه الجزيرة العربية مُرتبطة اقتصادياً وثقافياً بالبلاد المُجاورة- بلاد ما بين النهرين وسوريا وفلسطين ومصر وأثيوبيا. كانت الطرق التجارية بين هذه الدول تمر عبر شبه الجزيرة العربية. كانت احدى أهم تقاطعات الطرق التجارية موجودةً في واحة مكة، بالقرب من ساحل البحر الأحمر. استفاد نُبلاء قُريش القَبَليون كثيراً من هذه التجارة. تطوّر المركز الديني لجميع العرب في مكة. تم الاحتفاظ بالصور والأشياء المقدسة التي استخدمتها القبائل العربية المُختلفة في حرمٍ خاص يُسمى الكعبة.
كما وُجِدَت متجمعات أجنبية في شبه الجزيرة العربية لمُجتمعاتٍ يهودية ومسيحية. تفاعلت المُجتمعات التي كانت تتحدث لغاتٍ مُختلفة ودياناتٍ مختلفة هناك، وتأثروا بمعتقدات بعضهم البعض.
بدأت تجارة القوافل في شبه الجزيرة بالانحسار في القرن السادس، حيث تحولت طرق التجارة الى الشرق، أي الى ايران الساسانية. أدى هذا الى الاخلال بالتوازن الاقتصادي الذي كان قائماً منذ قرون. بدأ البدو الذين فقدوا مصادر دخلهم التي كانت تنتج من تجارة القوافل، بالاستقلال وممارسة الزراعة. نمت الحاجة الى الأرض وبالتالي زادت الاشتباكات بين القبائل، وظهرت هناك حاجة الى الاتحاد، مما استرعى تأثيراً على الوضع الأيديولوجي في الحال: نشأت حركة لدمج العبادات القَبَلية وعبادة الهٍ واحد أعلى، وهو الله، خاصةً أن اليهود والى حدٍ ما المسيحيين كانوا قد ضربوا للعرب مثالاً على عبادة الهٍ واحد. أنشأ بعض العرب المذهب الحنفي الذي يعبد الهاً واحداً. كانت هذه هي الظروف التي بدأ مُحمدٌ فيها دعوته. لم تحوِ خُطَبه، التي استجابت للاحتياجات الاجتماعية، شيئاً جديداً مُقارنةً بالعقائد الدينية للمسيحيين واليهود والحنفيين. كان الشرط الأساسي في تعاليم مُحمد هو المطلب الصارم بعبادة الله وحده والخضوع المُطلق لارادته. ان كلمة الاسلام في الواقع تعني التسليم والخضوع.
"شَهد الله انه لا اله الا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم. ان الدين عند الله الاسلام..."(آل عمران، 18-19).
في البداية، لم تكن دعوة محمد موثوقة، بل وحتى أنها استُقبِلَت بعدائية، خاصةً من قِبَل زعماء قبيلة قريش. خشي التُجّار النبلاء من أن التوقف عن ممارسة عبادة الآلهة العربية القديمة من شأنه أن يُقوّض مكة كمركز ديني، وبالتالي اقتصادي. أُجبِرَ مُحمد وأتباعه على الفرار من مكة. يعتبر المسلمون هذا الهروب (الهجرة) عام 622 بداية العصر الاسلامي. وجد محمد ظرفاً أكثر مُلائمةً لدعوته في الواحة الزراعية في منطقة المدينة. كان أهل المدينة خصوماً للأرستقراطية المكية، وكانوا مُعادين لها. كان محمد مدعوماً من قِبَل عدة قبائل محلية. انه حتى حاول الاعتماد على الجماعات اليهودية. بعد أن جنّد مُحمد العديد من الدعاة استولى على مكة عام 630. اضطرت قيادة مكة الى تبنّي الدين الجديد. لكنهم لم يخسروا باتخاذهم هذه الخطوة، بل كسبوا كثيراً. ازدادت أهمية مكة كمركز ديني مع توحيد القبائل العربية التي تبنّت التعاليم الجديدة الواحدة بعد الأُخرى. لقد أدرك نبلاء قريش، الذين كانوا في الأصل، معاديين للحركة الاسلامية في النهاية، فائدة ليس فقط الانتماء الى الحركة، بل وقيادتها كذلك.
اختلف العلماء السوفييت حول الأصل الاجتماعي والجذور الاجتماعية للاسلام المبكر. يعتقد البعض أنها كانت حركة من البدو الرُحّل كانت موجهة ضد النبلاء التُجّار في المُدن والقبائل، وأنها كانت في الأساس حركة من أجل الأرض. شَعَرَ آخرون أن القاعدة الاجتماعية الرئيسية لمحمد كانت فقراء المزارعين في المدينة، وأن البدو الذين انضموا لى الحركة صاروا فيما بعد قوتها القتالية الحاسمة. لا يزال آخرون يؤكدون أن الاسلام المبكر كان عبارة عن حركة من التجار الصغار والمتوسطين موجهة ضد النبلاء التجاريين المكيين. ان الرأي الأقرب الى الحقيقية، في رأيي، هو أن الجماعات الاجتماعية المختلفة اتحدت حول الاسلام. كتب انجلز أن الاسلام دين موجه الى سكان المدن الذين يعملون في التجارة والحِرَف من ناحية، وموجه للبدو الرُحّل من ناحيةٍ أُخرى(1). عَكَسَت الحركة الاسلامية المبكرة مصالح وتطلعات القبائل البدوية التي عانت من أزمة اقتصادية والذين شكّلوا القوة العسكرية للاسلام، وسكان المدينة الذين كانوا أول أتباع محمد، والتجار الذين قادوا الحركة.
لم تتم صياغة المذهب الجديد بالكامل بحلول الوقت الذي مات فيه محمد عام 632. يُمكن استخلاص أفكاره الرئيسية من القرآن على الرغم من طبيعته الفوضوية. لقد تم تطوير هذا المذهب الجديد في وقتٍ لاحق من قِبَل اللاهوتيين المسلمين.
ان العقيدة الاسلامية بسيطة للغاية. يجب على المسلم أن يؤمن ايماناً راسخاً بأن هناك الهاً واحداً هو الله، وأن محمد هو نبيه، وأن الله قد أرسل قبله أنبياء آخرين مثل آدم ونوح وابراهيم وموسى ويسوع المسيح وأن محمد أسمى منهم، وأن هناك ملائكةً وأرواح شريرة (الجن)-( والذين تم تضمينهم في الاسلام من المعتقدات العربية القديمة، وهي ليست شريرة دائماً، ويخضعون لسلطة الله ويتبعون مشيئته)، وأنه في يوم القيامة سيُبعَث الموتى وسيكافأ الجميع أو يُعاقبون على أعمالهم وأنه سيُرسل الطيبين الى الجنة ويذهب المُذنبين الى جهنم، وأن القَدَر الالهي موجود لأن الله قد قرر مصير كل شخص.
يتم تصوير الله في القرآن على أنه كائن يتمتع بصفات أخلاقية بشرية صرف، ولكن بدرجة أعلى. انه يغضب من الناس أحياناً، وهو يسامحهم أحياناً أُخرى، وهو يحب بعضهم ويكره بعضهم الآخر. ان الله، مثل الهيّ اليهود والمسيحيين، قد قدّرَ-بدون أي سبب عقلاني- أن يقود بعض الناس الى حياة التقوى ونعيم المستقبل، والبعض الآخر الى عمل الشر والبؤس في الحياة الأُخرى. ومع ذلك، كما في الأناجيل، كثيراً ما يُشار الى الله على أنه رحيمٌ ومتسامح. ان أهم صفات الله هي قوته وعظمته اللامتناهية، لذلك فان أهم التعاليم العقائدية والأخلاقية في القرآن هي المطالبة بالخضوع التام والصريح لله.
ان الوصايا العملية والطقوسية الاسلامية بسيطة مثل عقيدته. انها التالي: الصلاة 5 مرات في اليوم في أوقات خاصة، والاغتسال قبل الصلاة (الوضوء) في أحوال الاتساخ، دفع الضريبة (الزكاة) للفقراء ولكن عملياً لرجال الدين، صيام شهر كامل سنوياً (شهر رمضان)، والحج الى مدينة مكة، والذي يجب على المؤمن التقي أن يقوم به مرةً واحدةً على الأقل في حياته.
يُمكن تعديل كل هذه التعليمات الطقوسية في الظروف القاسية، حتى وان لم تكن بتلك الصعوبة. ان لم يكن الماء مُتاحاً فيمكن استبدال الاغتسال قبل الصلاة بالرمل أو التراب. الصيام ليس ضرورياً للمريض أو المسافرين الذين يستطيعون وينبغي عليهم صيام نفس العدد من الأيام لاحقاً. يتكون صوم المسلمين، على عكس المسيحيين، من الامتناع التام عن أي طعامٍ وشراب من شروق الشمس وحتى غروبها، ويمكن للمسلم، حسب تعاليمه، أن يأكل ويشرب ما يشاء وينخرط في أي ملذات فيما تبقّى من الوقت.
للمسلمين عددٍ من العادات والمحظورات المشتركة مع اليهود: ختان الصبيان ولكن ليس الرُضّع مثل اليهود، ولكن بين سن السابعة والعاشرة. من المحظورات أكل لحم الخنزير. الحظر الصارم لتصوير الله وكذلك أي كائن حي سواءاً كان بشراً أو حيواناً من أجل منع أي احتمالية لعبادته كوثن. يُحظَر على المسلمين أيضاً شرب الخمر، لكن هذا الحظر لا يتم الالتزام به في كل مكان.
ان أحد عناصر الدين الاسلامي هو الحرب المقدسة من أجل العقيدة (الجهاد). ان هذا أمر مفهوم تماماً اذا تذكرنا أن الحركة الاسلامية نفسها تطورت من حاجة العرب الى الوحدة والاستيلاء على أراضٍ جديدة. وهذا ما نصّ عليه القرآن بوضوح: من الضروري شن الحرب على اولئك الذين يؤمنون بآلهة متعددة أي الكفّار من أجل تدميرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم لمدة 8 أشهرٍ من السنة. هذا مظهر حيّ على التعصب وعدم التسامح مع الأديان الأُخرى، وهو سمة من سمات الاسلام أكثر من أيّ دينٍ آخر في العالم. لكن ومع ذلك، طَرَحَ عدد من اللاهوتيين المسلمين والباحثين العلمانيين تفسيراتٍ مختلفة لوصية الجهاد. في الواقع، يضع القرآن فروقاتٍ مُعينة بين أتباع الديانات المتنوعة، وهو ذو موقف مُعادٍ للغاية ضد اولئك الذين يعبدون آلهةً مُتعددة وأتباع العبادات القَبَلية: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المُتقين" (سورة التوبة، 123). يُعبّر القرآن عن احترام الذين يتّبعون اليهودية والمسيحية. هذا أمر مفهوم لأن هذه الأديان كانت أساس الاسلام. لكن الاسلام يقول: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" (سورة التوبة، 29)، وأهل الكتاب هم المسيحيين واليهود. عملياً، لا يُميّز الاسلام تمييزاً حقيقياً بين أتباع الأديان المُختلفة. كُلهم يُعتَبرون كفاراً ويجب اما اهلاكهم أو اخضاعهم.
ان أخلاق الاسلام بدائيةً الى حدٍ ما. المسلم الصالح يجب أن يكون عادلاً، يُقابل الخير بالخير والشر بالشر، وأن يكون كريماً ويساعد الفقراء، الخ. على عكس المسيحية، فانه لا توجد في الاسلام مبادئ أخلاقية من المستحيل اتباعها.
أثّرَت المواقف الأبوية القَبَلية على أخلاق الأسرة والعلاقات بين الجنسين في الاسلام. في الوقت الذي يعترف القرآن ببعض حقوق المرأة الا أنها تابعة خلقها الله من أجل أن تُرضي الرجل. يُدين الاسلام السلوك القاسي من قِبَل الزوج ضد زوجته ويُحدد حقوق المرأة مثل الحق في المهر والميراث، وهذا الأخير لا تأخذ منه الا نصف ما يأخذ الرجل. رفع القرآن مكانة المرأة الى حدٍ ما أعلى مما تسمح به العادات الأبوية القديمة للعرب.
كانت المبادئ الاجتماعية للاسلام انعكاساً لتلك العادات الأبوية. جميع المسلمين متساوون أمام الله، لكن الفجوة بين الغني والفقير هي واقع طبيعي أقرها الله بنفسه. كان يُفتَرض على الضريبة الالزامية (الزكاة) أن تُقلّص هذه الفجوة حسب فهم الاسلام. والقرآن يحمي المُلكية الخاصة. أرباح التجارة مشروعة ولكن الربا ليس كذلك: "وأحلّ الله البيع وحرّمَ الربا" (سورة البقرة، 275). يبدو أن هذا الحُكم كان نتيجة تسوية بين مصالح فئات التجار والمزارعين والبدو الذين كانوا يُعانون من الربا الفاحش والعبودية. يُحرّم القرآن كذلك استعباد اولئك الذين وقعوا فريسة الدين.
يُظهر الفحص السطحي لعقيدة وطقوس وأخلاق الاسلام المُبكر أنها تستند أساساً الى المبادئ اليهودية والمسيحية، ولكنه تم تكييفها لكي تتلائم مع بُنية اجتماعية أكثر بدائيةً، وهي بُنية كانت تنبثق من العادات القَبَلية السائرة نحو الانحلال. ان ايديولوجيا الاسلام بسيطة وواضحة بالنسبة الى الجماهير، وخاصةً بالنسبة الى البدو الرُحّل والمزارعين في آسيا، والتعليمات العملية ليست معقدة بل وسهلة التنفيذ بدرجة كافية.
هذه الفروق في الاسلام، التي هي نتاج الظرف الذي نشأ فيه الدين، سهّلَت انتشاره بين العرب. على الرغم من المقاومة التي أبدتها الطبقة الأرستقراطية القَبَلية التي كانت تميل نحو الانفصال (انتفاضات القبائل العربية بعد موت محمد)، الا أن الاسلام انتشر بين العرب بسرعة. أظهر الدين الجديد للبدو المُقاتلين طريقةً بسيطةً وواضحةً ليصبحوا أثرياء لكي يخرجوا من الأزمة، أي من خلال استيلائهم على أراضٍ جديدة.
خلال فترةٍ وجيزة، غزا خُلفاء مُحمّد أبو بكر وعمر وعثمان، البلدان المُجاورة ثم النائية في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى. تمت الغزوات تحت راية الاسلام. كان ذلك يتم بسهولة من خلال حقيقة أن الجماهير في الامبراطوريتين البيزنطية والساسانية، كما كان الحال في الدول الأُخرى، يتعرضون لقمعٍ شديد من قِبَل الاقطاعيين المحليين ولم يكونوا يميلون الى مقاومة العرب. في البدان التي احتلها العرب، تم تقليل التزامات الفلاحين بشكلٍ كبير، خاصةً اولئك الذين اعتنقوا الاسلام. هذا هو السبب في تحوّلِ شعوبٍ كاملة من جنسياتٍ مُختلفة الى الدين الجديد. سُرعان ما تحوّل الاسلام، الذي تطورَ في البداية كدينٍ قوميٍ للعرب، الى دينٍ عالمي. أصبح الاسلام، في القرنين الثامن والتاسع الدين السائد، وعملياً الدين الوحيد في بلاد الخلافة الاسلامية التي شَمِلَت أراضٍ شاسعة من اسبانيا الى آسيا الوسطى وحدود الهند. انتشر الاسلام على نطاقٍ واسعٍ في شمال الهند عن طريق الغزوات بين القرنين الحادي عشر والثامن عشر. انتشر الاسلام في اندونيسيا بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر من خلال التُجّار العرب والهنود بشكلٍ رئيسي وحلّ محل الهندوسية والبوذية باستثناء جزيرة بالي. في القرن الرابع عشر، تغلغل الاسلام أيضاً بين الأعراق التركية وتبناه بعض البُلغار وشعوب أُخرى على ساحل البحر الأسود، وبعد ذلك، من قِبَل شعوب شمال القوقاز وسيبيريا الغربية الى حدٍ ما.
على الرغم من أن الاسلام وحّد الناس حول الدين الى حدٍ ما، الا أنه-بطبيعة الحال- لم يتم القضاء على التناقضات القومية والطبقية في البلدان الاسلامية. على العكس من ذلك، فقد ازدادت بشكلٍ تدريجي، وقد انعكس هذا في وجود اتجاهات ومذاهب متنوعة في الدين الاسلامي.
ان أكبر وأقدم الانقسامات كان سببه ظهور الشيعة. غالباً ما يُعتَقَد أن الحركة الشيعية كانت تعبيراً عن السَخَط وأنه نضال قام به الفرس سواءاً الاقطاعيين أو الفلاحين ضد الغُزاة العرب، أي بعبارةٍ أُخرى، انها كانت حركة وطنية مُعادية للعرب في ايران ذات صبغة دينية فقط. هذا صحيح جُزئياً. لكن الشيعة طوّروا هذه السمات لاحقاً فقط. في حقيقة الأمر، بدأ الأمر بالصراع الداخلي بين العرب، والصراع على السلطة بين خلفاء محمد. كان الخليفة الرابع علي، وهو قريب محمد. لم يعترف أنصار علي (شيعة علي، أي أنصاره) بشرعية الخلفاء السابقين لأنهم لم يكونوا من نفس العائلة، ولكن تم "اختيارهم" من قِبَل المُجتمع الديني، أي انهم ببساطة اغتصبوا السلطة. اتخذ الصراع على السلطة شكل الخلاف على استمرارية السُلطة في الخلافة. هُزِمَ حزب علي وقُتِلَ علي، لكن أنصاره توطدوا فيما بعد في ايران والعراق وانتشر التشيّع على نطاقٍ واسع كتعبيرٍ عن الاحتجاج على سُلطة الخلافة العربية. وفقاً للأسطورة الشيعية، مات علي وابنيه حسن وحسين كشهداء للعقيدة. ويُحيي الشيعة ذكراهم كل عام، حيث يقوم المتعصبون منهم عندما يصلون الى حالةٍ من النشوة المزعومة بضرب أنفسهم بطريقةٍ وحشية تعبيراً عن ولائهم الديني لذكرى الشهداء.
ان السمة الرئيسة للتشيّع هي الاعتقاد بأن الخلفاء الشرعيين لمحمد، أي الأئمة، لا يُمكن أن يكونوا الا من نسل عائلته، ولا يجب أن يتم "اختيارهم" من قِبَل المجموعة التي اغتصبت السلطة، وهم بذلك ليسوا قادةً شرعيين. والشيعة يرفضون "السنّة" التي جُمِعَت عهد الخلفاء الأوائل والسُنة هي مجموعة الأساطير حول النبي مُحمّد.
ومع ذلك، فان الشيعة أنفسهم ليسوا متحدين أيضاً. ظهرت اتجاهات مُختلفة داخل الحركة. ان الاتجاه السائد هو من يعترف بأحد عشر اماماً شرعياً من ذرية علي. من المفترض أن الامام الثاني عشر قد ظهر خلال القرن التاسع وأخفى نفسه ولا يزال موجوداً في مكانٍ ما غير مرئي، في انتظار نهاية الزمان الذي سيظهر فيه مرةً أُخرى كمُخلّص، وهو محمد المهدي. أصبح هذا الاتجاه الأكثر شعبيةً لدى الشيعة قوياً بشكلٍ خاص في ايران، ومنذ أوائل القرن السادس عشر (في عهد الأسرة الصفوية) صار الدين الرسمي للدولة.
ان لدى الفروع الشيعية الأُخرى أتباع أقل بكثير وهي مجرّد طوائف صغيرة. الاسماعيلية هي احدى هذه الطوائف (التي سُميَت على اسم اسماعيل مؤسسها في القرن الثامن) وتنتشر في المناطق الجبلية في أفغانستان وبادحشان. توجد أكثر مجموعات الاسماعيليين في الهند في جوجارات وبومباي. يؤمن الاسماعيليون أن الروح العالمية تتجسد في أئمتهم. يُشكّل هؤلاء الأئمة سلالة وراثية من الآغا خان الذين يعيشون حياةً علمانيةً من الترف ويجمعون الضريبة من جميع أعضاء الطائفة. تضم عقيدة الاسماعيليين العديد من أفكار النُظُم الدينية والفلسفة ما قبل الاسلامية في آسيا ومن المعتقدات الشعبية المحلية.
هناك مجموعة تُطلق على نفسها القرامطة Carmathians انفصلت عن الطائفة الاسماعيلية في القرن التاسع. كانت طائفةً ديمقراطيةً كان أعضاؤها في الأساس من الفلاحين والبدو في شبه الجزيرة العربية والذين أسسوا حقوق المُلكية العامة. حاول قادة الطائفة توحيد التعاليم الاسلامية مع أفكار الأفلاطونيين الجُدد والغنوصيين. لقد اعتبروا الانسان عالم مُصغّر من أصلٍ الهي. استمرت طائفة القرامطة حتى القرن الحادي عشر.
كما كان من بين الاسماعيليين طائفة اسمها الحشاشين Assassin، وكانت مبادئها مزيجاً من التصوّف والنضال المتعصب من أجل الايمان موجهة ضد غير المسلمين. كان الحشاشين هم أشد أعداء الصليبيين حماسةً أثناء الحروب الصليبية في المنطقة العربية. اشتُقّت كلمة حشاش من كلمة Assasin الفرنسية والانجليزية والتي تعني المُغتال.
حصل لدى الاسماعيليين في القرن الحادي عشر انقسام آخر، هذه المرة بقيادة أتباع الخليفة الحاكم بأمر الله. يُعرَف أنصار هذه الطائفة اليوم باسم الدروز (لبنان)، على اسم زعيم الطائفة البارز اسماعيل الدرازي.
على عكس الحركة الشيعية، يُطلَق على الاسلام الأرثذوكسي الذي يُمارسه مُعظم المسلمين في العالم اسم الاسلام السُنّي. يعترف مناصروها بالسنة. ولكن حتى السُنية ليست اتجاهاً واحداً. نشأ المُعتزلة Mutazilites في القرنين الثامن والتاسع. لقد حاولوا تفسير العقيدة الاسلامية بروح عقلانية وأكدوا أن الله "عادل" وأن الانسان له ارادته الحُرّة وأن القرآن كتبه الناس ولم يخلقه الله. كان المعتزلة مدعومين من قِبَل بعض الخلفاء (القرن التاسع) الذين اعتمدوا على هذه الطائفة لتعزيز سلطتهم الضعيفة. لكن في أواخر القرن التاسع عشر، سرعان ما أخذ رجال الدين الرجعيين المتعصبين سُلطةً كبيرةً في الخلافة وبدأوا في اضطهاد المُعتزلة. عزز الاسلام الأرثذوكسي فكرة أن القرآن هو كتاب أبدي لم يؤلفه بشر. لكن أفكار المُعتزلة تركت بصماتها غلى التطور المُستقبلي للفكر الاسلامي.
تطورت 4 مدارس في اللاهوت الاسلامي في القرنين الثامن والتاس: الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية، التي سُميّت على اسم مؤسسيها. اتسمت المدرسة الحنبلية بالتعصب الشديد والتفسير الحرفي للعقائد الدينية. أصبحت هذه المدرسة هي الأقوى بين السكان البدو المتخلفين في شبه الجزيرة العربية. على غرار ذلك، كانت المدرسة المالكية هي المُهيمنة في شمال افريقيا. المدرستين الحنفية والشافعية تم قبولهما في المناطق الأكثر ثقافةً وتحضراً في العالم الاسلامي حيث سمحتا بتفسير أكثر ليبراليةً للعقيدة. لا يوجد هناك عداء خاص بين دُعاة هذه المدارس الأربعة.
بين القرنين الثامن والعاشر، تبنّى الاسلام الاتجاه الصوفي وشبه الرُهباني. لقد نما هذا الاتجاه بين الشعية. تأثرت الصوفية بالأفكار المجوسية وربما البوذية وحتى الأفلاطونية الجديدة. لم يهتم أتباع الصوفية كثيراً بالطقوس السطحية. سعوا الى فهمٍ حقيقيٍ لله، والى اندماجٍ صوفيٍ مع العالم الالهي. كان بعضهم في الواقع يؤمنون بمعتقدات تطابق الوجود مع ما هو الهي Pantheism (الله في كل مكان والعالم كله هو مظهر من مظاهر الله أو فيضه) وبالتالي لم يقبلوا المفاهيم القرآنية الفجّة التي تُجسّد الله على شكل انساني. يعتقد أتباع الصوفية أن أسماء الآلهة المذكورة في القرآن لها أهمية غامضة. تم اضطهاد الاتجاه الصوفي لأول مرة من قِبَل المتعصبين المسلمين الأرثذوكس. شكّلَ أتباع الصوفية مراتب من الرهبان المُتجولين والدراويش dervishes والذين يرأسهم الشيوخ. يعترف كُلٌ من السنيين والشيعيين بهذه المراتب. على الرغم من أن الدراويش كانوا يأخذون على أنفسهم تعهداتٍ رُهبانية بالفقر، الا أنهم سرعان ما أصبحوا دجالين يخدعون الناس السُذّج. اما زعماء الدراويش فقد خدعوا مرؤوسيهم (مريديهم). يستخدم بعض الدراويش رقصات للوصول الى نشوة روحية مزعومة وغيرها من الممارسات الشامانية الصرف في جلسات الصلاة.
ارتبطت طائفة (الطريقة) تاريخياً بالصوفية. هذا المفهوم يدل أصلاً على الطريق الورع للتواصل مع الله. بعد ذلك، أصبحت تُشير الى تعاليم المُتعصبين الذين أعلنوا حرباً مقدسة ضد المسيحيين وغيرهم من الكفار. كانت الحركة المريدية هي الذراع المُقاتل لطائفة الطريقة.
في العصر الحديث أدى التعقيد المتزايد للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتفاقم الصراع الطبقي الى ظهور طوائف اسلامية جديدة. تطورت الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر بين البدو في شبه الجزيرة العربية (أتباع محمد بن عبد الوهاب). كانت انعكاساً للاحتجاج العفوي للبدو على ثروة ورفاهية تُجّار المدن الأثرياء. كان احتجاجاً مُفعماً بتفسير ديني حرفي للعقيدة. طالب الوهابيون، الذين واصلوا تقاليد المدرسة الحنبلية الصارمة، بالعودة الى البساطة الأبوية للحياة في القرون الأولى للاسلام، والتقيّد الصارم بالطقوس والمحرّمات والقضاء على الرفاهيات ونبذ التأثير الثقافي الأوروبي. لم يعترفوا بعبادة أصحاب النبي والقديسين (الأولياء) ودعوا الى عبادة الله وحده. بحلول القرن العشرين، وبعد صراعٍ شرسٍ مع خصومهم، لعب الوهابيون الدور المُهيمن في دولة نجد (الجزيرة العرربية الداخلية) وانتصروا لاحقاً على الحجاز في مدينتي مكة والمدينة. أصبحَ المذهب الوهابي هو الدين السائد في دولة المملكة العربية السعودية التي نتجت عن توحّد كلتا المنطقتين.
في منتصف القرن التاسع عشر، اتخذ السخَطَ الاجتماعي لفقراء الحضر والفلاحين، في بلاد فارس، شكلاً دينياً. كان زعيمهم الآيديولوجي محمد علي بن شيراز الذي أطلق على نفسه اسم (الباب-أي وسيط بين الله والناس)، وصارت تُعرَف بالحركة البابية. دعا البابيين الى المساواة والأخوة بين جميع الناس، ولكن فقط المسلمين منهم. ادّعى باب أنه خليفة النبي الذي كان من المفترض أن يعرض على الناس التشريع الجديد. كانت العقيدة البابية مُفعمة بالمفاهيم الصوفية وكانت مشابهة لمبدأ وحدة الوجود pantheism. تم قمع الحركة البابية المنتشرة بين الجماهير، بوحشية، من قِبَل السلطات القائمة، وتم اعدام قادتهم بشكلٍ قاسٍ عام 1850. ومع ذلك استمرت الحركة في الوجود على الرغم من افتقارها الى اللهجة العسكرية الثورية. غيّرَ أحد أتباع الباب السابقين، وهو ميرزا حسين علي نوري، الذي أطلقَ على نفسه بهاء الله، غيّرَ بشكلٍ كبير تعاليم البابية. دعا الى المساواة بين جميع الناس وحقهم في ثمار الأرض وما الى ذلك. لكنه لم يعترف بالعنف والنضال العلني. بشّرَ بالتسامح والحب والمقاومة السلبية للشر. ربما كان متأثراً بالأفكار المسيحية. تم تعديل عقائد وأعراف بهاء الله، وبذلك تم تسمية هذا التعديل بالبهائية. لم تعد البهائية انعكاساً لمشاعر الجماهير، وصارت أكثر شيوعاً بين المثقفين. ومع ذلك، وجدت البهائية، باعتبارها نسخة متطورة وحديثة من الاسلام، أتباعاً حتى في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
شُنّت بعض حركات التحرر الجماهيرية في البلدان المُستَعمَرة باسم الاسلام. كان أشهرها الحركة المهدية في السودان بين عامي 1881-1898 وكان زعميها محمد أحمد المهدي الذي أعلن نفسه (المهدي المُخلّص)، حيث قاد كفاحاً في افريقيا ضد المُستعمرين. شارك شرق السودان ومناطق أُخرى وصولاً الى البحر الأحمر في الحركة. استمر النضال حوالي عشرين عاماً، وتم اخماده أخيراً وبصعوبة بالغة من قِبَل الامبريالية الانجلو-فرنسية.
السمة التي تُميّز الدين الاسلامي هي انه يتدخل بقوة في جميع مناحي الحياة. تخضع جميع شؤون الحياة الشخصية والعائلية للمسلم التقي، وجميع الشؤون الاجتماعية والسياسية والقانونية والحياة الثقافية للقوانين الدينية. في الماضي اندمجت الدولة والسلطة الدينية بالكامل في البدان الاسلامية. كان رئيس الدولة (الخليفة أو الباشاه) يُعتَبَر خليفة النبي، وكانت الطبقة العُليا من رجال الدين مستشاريه، وكان رجال الدين يُسيطرون على البلاط بالكامل. كان كُلٌ من القانون الجنائي والمدني قائماً كُلياً على التشريعات الدينية، وكان رجال الدين الذين يُفسرون هذه القوانين يُراقبون الالتزام بالشريعة. لذلك كان رجال الدين المسلمين دائماً منخرطين في الأمور العلمانية أكثر من الشؤون الدينية. المُلّا في المسجد هو في الأساس مثل المُعلّم في مدرسة الكنيسة. القاضي في المحكمة يكون متخصص في الشريعة، والمُفتي هو السلطة الرئيسية عندما يتعلق الأمر بالشريعة، والعالِم هو لاهوتي متعلّم في المدرسة الدينية العُليا، ويُصدر مجلس العلماء توصياته بشأن مسائل الدين والقانون. الكهنة الاسلاميون يترأسهم شيوخ الاسلام، وهم رجال دين بارزون ومستشارون للحاكم. يُقدّم شيخ الاسلام رأيه في القضايا المُثيرة للجدل المتعلقة بالعقيدة أو السياسة أو القانون، ويُعتبر رأيه حاسماً ولا جدال فيه.
كان التعليم في البدان الاسلامية دينياً بالكامل. وكانت المساجد بمثابة مدارس ابتدائية، أما المدارس العُليا، فهي أكاديميات دينية يدرس فيها الطلاب القرآن والأدب الديني ويناقشون المسائل اللاهوتية باللغة العربية. بالمناسبة، تم اعتماد نظام الكتابة العربية باللغات التركية والايرانية، رغم انه لم يكن نظاماً مُناسباً لهذه اللغات حقاً.
كانت السلطة الدينية الاسلامية في بلاد الاسلام عادةً قوةً اقتصاديةً رئيسية. وفقاً للشريعة، كان يحق للسلطة الدينية التملّك ولا يُمكن نزع هذه الممتلكات (الوقف). هذه الأرض تبرّعَ بها الخلفاء والأفراد (في عصر الغزوات). كانت هذه الأوقاف تُغطّي مساحاتٍ شاسعة وتُحقق مداخيل هائلة، حيث كانت تؤجّر عادةً بشروطٍ قاسية. دعمت هذه الخاصية رجال الدين الكثيرين عددياً.
على الرغم من أن الاسلام الأرثذوكسي لا يُقدّم تنازلات للأديان الأخرى (على عكس البوذية)، الا أنه غالباً ما تندمج المعتقدات الاسلامية بين الجماهير مع المعتقدات القديمة ما قبل الاسلام.تسود في كل مكان تقريباً، وخاصةً في البلدان النامية، عبادة القديسن (الأولياء) المحليين. غالباً ما يكون الأولياء المُسلمون بمثابة آلهة وصية محلية أُعطوا أسماءاً اسلامية. ترتبط عبادة الأولياء، في العديد من المناطق، بعبادة المزارات (الأضرحة)، والتي يُفترض أن تكون مقابر لهؤلاء الأولياء، ولكنها في الحقيقة مزارات محلية مرتبطة بعبادات قديمة. علاوةً على ذلك، تم العثور مؤخراً على عددٍ كبيرٍ من المعتقدات والطقوس القديمة في الاسلام، وخاصةً في آسيا الوسطى، والتي تتعلق بعبادة آلهة الخصوبة الزراعية، وعبادة الأسلاف القَبَلية والشامانية. يميل المسلمون في كل مكان الى الايمان بالسحر وارتداء التعويذات التي تحتوي غالباً على نصوصٍ من القرآن. يُلقي العديد من الشيوخ التعاويذ ويعملون كمعالجين.
كان الاسلام، في اشتباكاته مع المسيحية والأديان الأُخرى يُحقق النصر دائماً. حل الاسلام، في مُعظم دول البحر الأبيض المتوسط (شمال افريقيا ومصر وسوريا وآسيا الوسطى) محل المسيحية. كان مُعظم شعوب القوقاز مسيحيين قبل انتشار الاسلام. فيما بعد اعتنقوا الدين الجديد (الشركس، القبارديون، الآغار، بعض الأوسيتيين والأبخاز). اعتنق الاسلام في شبه جزيرة البلقان بعض الجماعات من البُلغار والمقدونيين والبوسنيين والألبان الذين كانوا مسيحيين في السابق. لم يكن هناك على مر التاريخ تحول جماهيري كبير للشعوب الاسلامية الى المسيحية. صحيح أن المُسلمين طُرِدوا من اسبانيا والبرتغال نتيجةً للاستعادة المسيحية لهما (من القرن الثاني عشر الى القرن الخامس عشر)، لكن هذا حدث أثناء طرد أتباع الاسلام، وليس لأن الدين المسيحي انتصر ايديولوجيا على الاسلام.
لماذا انتصر الدين المُحمّدي في كثيرٍ من الأحيان على دين المسيح؟ من الواضح أن السبب في ذلك هو أن الاسلام كان أكثر بساطةً وسهولةً في الفهم بالنسبة للجماهير، خاصةً في الدول الشرقية حيث استمرت التقاليد الاقطاعية الأبوية.
في العقود الأخيرة منذ الحرب العالمية الأولى، تم اقرار اصلاحات برجوازية في العديد من البلدان الاسلامية للحد من تأثير الدين. أدت الحركات الديمقراطية الواسعة التي نشأت منذ الحرب العالمية الثانية في الدول المستقلة حديثاً في آسيا وافريقيا الى تغييرات جذرية في التقاليد الاسلامية. كانت طبيعة هذه التغييرات متوافقة مع مُختَلَف الظروف الاجتماعية والسياسية.
لم تصل هذه التغييرات الى مجرّد تنازلات صغيرة وسطحية من قِبَل رجال الدين المسلمين تتوافق مع مصالح العصر مثل تعديل أو الغاء المحرمات القديمة وتحديث العبادة وما الى ذلك. في عددٍ من البلدان أُدخِلَت اصلاحات تقدمية بشكلٍ حاسمٍ على القواعد القانونية العلمانية والحياة اليومية، وصودِرَت الأراضي الوقفية، وصار نطاق الشريعة محدوداً وتم فصل الدين عن الدولة وتم استدخال المدارس العلمانية والتعليم العالي. تم اجراء اصلاحات أكثر جذريةً بشكلٍ خاص في تركيا بعد قيام الجمهورية (اصلاحات مصطفى أتاتورك في العشرينيات). بعد القضاء على الاستعمار في جميع الدول الاسلامية في افريقيا وآسيا نشأ السؤال حول موقف الاسلام فيما يتعلق بالنظامين الاجتماعيين الاشتراكي والرأسمالي المُتناحرين. ظهرت عدة اتجاهات. يقوم دُعاة احدى الاتجاهات بتكييف الايديولوجيا الاسلامية مع أُسس النظام الرأسمالي. اما الاتجاه الآخر، بتنويعاته المُختلفة، وحتى بعناصره البرجوازية الصغيرة، يؤكد أن جميع الناس متساوون أمام الله وأنه يُمكن أن يرتبط بأفكار الديمقراطية والاشتراكية، في غضون ذلك، يسعى بعض منظروا "الاشتراكية الاسلامية" الى مواجهتها بالشيوعية. يسعى البعض الآخر الى اتباع نهج ماركسي واعلان مسار تطور "ثالث".

***

الخاتمة:
ما الذي يُمكن أن نتعلمه من تاريخ الدين؟ ما هو الدور الذي لَعِبه في الماضي وما هو الدور الذي يلعبه اليوم؟
الاستنتاج الأول والأكثر وضوحاً هو أن تاريخ الدين ليس مجرّد تاريخ أخطاء العقل البشري. لو كان الدين مُجرّد مزيج من المفاهيم الخاطئة عن العالم، لكان دوره في التاريخ صغيراً للغاية. كان لدى الناس، على كل حال، العديد من الآراء الخاطئة في مسيرهم نحو التقدم. هذه الآراء الخاطئة، بالطبع، أعاقت المسير، لكنها تلاشت مع كل خطوة خطاها الانسان الى الأمام نحو معرفة العالم. لكن مصير الدين كان مُختلفاً. انه مليء بالخيال والمفاهيم الخاطئة، ولكن لسببٍ ما، كانت هذه الأكاذيب قابلة للحياة بشكلٍ مثيرٍ للدهشة ويبدو انه لا يمكن تحطيمها بالمعرفة القائمة على الخبرات والتجربة. المسيحية هي مثال جيّد بهذا الصدد: يُظهر الحس السليم، ناهيك عن البحث العلمي، أن مُحتوى العهدين القديم والجديد والكتب المسيحية الأُخرى مليئة بالقصص المُبتكرة والتخيلات الساذجة، ومع ذلك يؤمن بها الملايين من الناس المتعلمين. لذلك هناك بعض الصفات في الدين والتي يبدو أنها تُعزز هذه الأخطاء والمفاهيم التي تتحدى الحس السليم.
الدين ليس فقط مجموعة من المفاهيم الخيالية الموجودة في أذهان الناس. ان الدين هو كذلك مجموعة من الطقوس الراسخة والالزامية والقرابين والمحظورات. الدين هو قانون أخلاقي وحقوقي، وهو يتدخّل في الشؤون الأُسرية والاجتماعية، وغالباً ما يدخل في التشريعات والمحاكم وحتى العلاقات الدولية. الدين كذلك يحتوي على موضوعات مادية وأوثان وأيقونات ومعابد، وهو مجموعة من الناس الذين يُكرّسون حياتهم للايمان ولديهم مصلحة خاصة به-من السَحَرة البدائيين والشامان الى الكهنة والرهبان والأساقفة والبطاركة والملالي والحاخامات والشيوخ المعاصرين. الدين هو تنظيمات وأحزاب سياسية ونقابات ومعاهد لاهوتية وأقسام في الجامعات.
بقدر ما يبدو الأمر مُفارقة، فان الدين ليس علاقة بين الانسان والاله بقدر ما هو علاقة بين الناس فيما يتعلّق بالآلهة، وبشكلٍ أدق، فيما يتعلّق بالمفاهيم حول الآلهة.
ان الدين قوي، في المقام الأول، لأن كثيراً من الناس والفئات الاجتماعية المؤثرة لديهم مصالح راسخة فيه، حتى مصالحهم المالية، لأن هؤلاء الأفراد والجماعات هم جزء لا يتجزأ من الطبقات الحاكمة في مُجتمع استغلالي. هذا بالطبع، لا يعني أن الدين هو مفاهيم تخيّلها الكهنة، كما افترض الكُتّاب المُناهضون للدين الذين اتخذوا مقارباتٍ مُبسطة حوله مثل جان ميسلير Jean Meslier وسيلفان ماريشال Sylvain Marechal في القرن الثامن عشر وحتى أيديولوجيي القرن العشرين. ان جذور الدين أعمق من هذا بكثير.
في وقتٍ مُبكرٍ من النظام المشاعي القَبلي، وخاصةً في مرحلته الأخيرة، لم يكن هناك شح في الأشخاص الذين كانوا على دراية خاصة بالمعتقدات الدينية السحرية والذين ترأسوا الطقوس السحرية والعبادة. كان وجود هؤلاء المتخصصين أحد مظاهر التقسيم الاجتماعي المتزايد للعمل والانقسام المُبكّر بين العمل العقلي والبدني. لم يُحافظ هؤلاء المٌحترفون على المعتقدات الدينية وحسب، بل وقاموا أيضاً بصناعتها الى حدٍ كبير. حتى المعتقدات القَبَلية الأساسية التي كان الجميع يُشاركونها وكانت في متناولهم، لم يكن جميع أفراد القبيلة وكُل فرد على حدا يُدركونها بشكلٍ مُباشرٍ ومُستقل وبنفس الطريقة.
كانت ظروف أصل المعتقدات في كل بيئة اجتماعية مُحددة (في كل قبيلة) متشابهة الى حدٍ ما، ولكن المعتقدات نفسها نشأت في البداية في ذهن شخص أو عدة أشخاص، ثم انتقلت من شخصٍ الى آخر، من الآباء الى الأبناء ومن الكبار الى الصغار.
هناك أسباب وجيهة تجعلنا نفترض أن المفاهيم الدينية أنشأها وطورها المتخصصين، ثم شاركها الآخرين. ليس من قبيل المصادفة أن علماء الأنثروبولوجيا كانوا، في مُعظم الحالات يعرفون المعلومات الضرورية من هؤلاء المتخصصين، والتي شكلت فيما بعد الأساس، لوصف معتقدات الشعب المُعطى.
ما سبق ذكره، ليس نُسخةً أُخرى من نظرية "الخداع" التبسيطية. على كل حال، فان نفس السَحَرة والشامانات والمُعالجين عادةً ما يؤمنون بصدق ما يُعلّمه لهم زملائهم من رجال القبائل، أو على الأقل جُزئياً. ومع ذلك، وبسبب طبيعة مهنتهم، فانهم يميلون أكثر من غيرهم الى "ابتكار" المعتقدات ولديهم مصلحة أكبر من غيرهم "حتى اقتصادياً" في الحفاظ على هذه المعتقدات وتقويتها بين الناس.
في المُجتمع الطبقي، يُصبح الدين أداة للقمع الاجتماعي، بالمعنى المُباشر والحرفي للكلمة. لا يُمكنه أن يلعب هذا الدور لو كان الدين فقط، وببساطة، يُمرر الى الناس وجهات نظر خاطئة عن العالم. لو كان الأمر كذلك، فانه يُمكن مواجهة الأفكار الخاطئة في حد ذاتها، والتجربة اليومية يُمكنها أن تدحضها على هذا النحو. هذا هو السبب، في صعوبة محاربة الدين، لأنه لا يقتصر على دحض الأفكار الخاطئة، كما اقترح التنويريون البرجوازيون الملحدون. من الصعب مُحاربة الدين لأن مفاهيمه الخاطئة تُعززها التقاليد القديمة المُتمثلة في قواعد السلوك والطقوس الراسخة، وتدعمها مؤسسات كهنوتية موحّدة ومُنظمة جيداً (بسيطةً كانت أم معقدة) على مر التاريخ. هذا التنظيم الكهنوتي هو القوة الاجتماعية المباشرة التي توفّر الأساس والدعامة الأساسية للدين. وهذه القوة، في المُجتمع الاستغلالي، هي ببساطة، جزء من التنظيم القوي للطبقة الحاكمة.
للدين أيضاً تأثير سيكولوجي وأيديولوجي مُباشر على وعي كل فرد اعتاد الاعتماد على الدين من أجل الحصول منه على الدعم والعزاء في أي فشل، خاصةً في المصائب الخطيرة. لقد أصبَحَ هذا التقليد القديم مُتجذراً بعمق في عقلية الناس.
ومن هنا جاء الدور المُحافظ الهائل والواضح الذي لعبه الدين دائماً في حياة الناس، ليس فقط في الأمور الايديولوجية الصرف وحسب، بل وأيضاً في الشؤون اليومية والقانون والسياسة والاقتصاد.
كان هناك الكثير من الحروب الدينية الدموية وطويلة الأمد، وكثير من الاضطهادات واعدام المُخالفين، وقتل الأشخاص المُشتبه بهم في ممارسة السحر. صحيح أن هذه الحروب والاضطهادات الرهيبة قد نشأت بشكلٍ رئيسي بسبب المصالح المادية، الا أنها كانت كذلك مُستوحاة من الأفكار الدينية، وكانت الدوافع الدينية هي التي جعلتها في كثيرٍ من الأحيان قاسية وشرسة بشكلٍ خاص: "اقتلوا الكفار" "الموت للزنادقة الملعونين!"، "اقضوا على أعداء الله!". وهكذا فان الدين في النهاية لا يوحد الناس بقدر ما يفرقهم.
ان التقاليد الدينية تُثقل كاهل الانسانية بأعباء اقتصادية هائلة. من أجل الحصول على رعاية القوى الخارقة للطبيعة ومن أجل الحصول على مساعدتها في المساعي الاقتصادية، يتقدّم الناس المؤمنون بالخرافات أُضحيات، أُضحيات بالمعنى الحرفي للكلمة، ويتم بناء المعابد وصرف طاقات هائلة من أجلها. ان قوة العادات والخوف الخرافي تُجبر الانسان على التخلي عن كل ما لديه تقريباً مع آمال غير مُجدية بالحصول على مُكافئاتٍ مادية.
الدين في المقام الأول هو ظاهرة اجتماعية. كان، طوال تاريخه، مُرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشؤون الاجتماعية والنفسية والاقتصادية
هذه علاقة ثُنائية الاتجاه. من ناحية، نشأ الدين من خلال الظروف الاجتماعية المادية للحياة وهو انعكاس مشوه لها. من ناحية أُخرى، فان له تأثيراً على هذه الظروف في جميع مجالات العالم الاجتماعي.
دعونا نتحدث عن الجانب الأول. انها حقيقة علمية أولية وأساسية أن المعتقدات الدينية هي انعكاس خيالي لواقع مُعيّن في أذهان الناس. لا يتفق الماركسيون مع هذا وحسب، بل أيضاً العديد من الباحثين البرجوازيين ذوي التفكير الحر. لكن لا يكفي قبول هذه الحقيقة بشكلها العام التجريدي. من الأصعب بكثير، ايجاد الجذور الحقيقية لهذا المُعتقد أو هذا الطُقس الديني أو ذاك في كل حالة ملموسة. هذا هو الهدف الرئيسي أو أحد الأهداف الرئيسية في دراسة الدين. ان هذا بالذات، أهم بكثير من الوصف التفصيلي للمعتقدات والطقوس نفسها. لو أننا وصفنا العشرات من هذه المعتقدات والطقوس، حتى بأدق التفاصيل، ولكننا لم نكن قادرين على فهم حقيقتها وجذورها من وجهة نظر علمية، فأنه لا يُمكن لهذا الاستعراض الا أن يكون بمثابة مادة أولية لبعض الدراسات المُستقبلية في أحسن الأحوال.
ان المعلومات المذكورة حول المفاهيم والطقوس الدينية لمُختَلَف الشعوب ليست بحد ذاتها مُثيرةً للاهتمام، ولكنها كذلك فقط، فيما يتعلق بالحقائق حول الظروف التي تطورت فيها هذه المفاهيم والطقوس على أنها (أي الأولى) انعكاس مشوه لها.
بالطبع، لا ينبغي اتّباع منهج تبسيطي في هذا البحث عن جذور المعتقدات الدينية، وهي، على كل حال، ليست دائماً واضحة. من الخطأ الاعتقاد، بأن كل مفهوم ديني، كُل طُقُس، نشأ من الظروف المادية. يكون الوضع في عددٍ من الحالات، أكثر تعقيداً من هذا. ان كل ايديولوجية، بما فيها الايديولوجيا الدينية، مُستقلة نسبياً عن الظروف المادية. بمجرد أن تتطور المفاهيم الدينية، فانها تظل-من حيث المبدأ- كما هي، حتى عندما تتغير الظروف التي ولّدتها، على الرغم من أن شكلها يتغير تحت تأثير الظروف الجديدة، وهي (أي المفاهيم الدينية) تؤثّر على بعضها البعض، وغالباً ما تتداخل أو تختلط وتُصبح مفاهيماً أكثر تعقيداً. يحدث الشيء نفسه مع الطقوس والأنشطة الطُقسية. لكن هذه العملية ليست مُستقلة أو عفوية. انها تتحدد من خلال مسار تطور المُجتمع بأكمله، أي من خلال الظروف التاريخية الملموسة. ومع ذلك، فانه ان تم فحص الروابط الفردية لهذه العملية كُلٌ على حدة بمعزلٍ عن الروابط الأُخرى، سيكون من الصعب للغاية، بل وحتى من المُستحيل تفسيرها مُباشرةً على أساس بيئتها الاجتماعية.
على سبيل التوضيح، دعونا نُلقي نظرةً على أصل المعمودية المسيحية في الماء. بالطبع، يُمكن للمرء أن يقول بأن المُعتقد حول قوة الماء التطهيرية التي تغسل الخطيئة الأصلية يعتمد على صفة الماء الفعلية والحقيقية في غسل الأوساخ. ولكننا لا يُمكننا أن نكتفي بهذا التفسير، ليس فقط لأن صفة الماء هذه معروفة عند جميع الناس حتى غير المسيحيين. فقط في الديانة المسيحية اتخذت العضوية الجديدة في الدين شكل الاستحمام بالماء أو برشه. وبالتالي من الضروري البحث عن المصدر المُباشر لهذه الطقوس. عندما ننظر الى الأمر بشكلٍ أعمق، فاننا سنرى أن المُجتمعات المسيحية الأولى استعارت الطقوس من عبادات الشرق الأدنى المندائية، تماماً كما استعاروا طقوساً أُخرى من أسلافهم. يبدو أن عبادة الماء بين المندائيين كقوة تطهيرية تعود الى عبادة ايا البابلية القديمة. باختصار، يُمكننا التعرّف على الجذور الأصلية لطقوسٍ مُعينة فقط من خلال دراسة التاريخية العميقة لسلسلة طويلة من الروابط.
مثال آخر، هو عادة الخِتان اليهودية والاسلامية، والتي تخدم نفس الغرض- أي القبول في المُجتمع الديني. غالباً ما كان يتم تفسير هذه الطقوس أنها تلعب دوراً صحياً. ان الطريقة الوحيدة لفهم نشأة طقوس الختان هي من خلال دراسة هذه المُمارسة بين العديد من الشعوب الأقل تطوراً. تُمارس هذه الشعوب طقوس الختان، حتى يومنا هذا، ليس على الأطفال حديثي الولادة أو الأطفال في سن السابعة، ولكن عند المراهقين الذين يدخلون مرحلة البلوغ. وهكذا، تلعب هذه العادة دوراً واضحاً، وان كان في شكلٍ مُتوحشٍ للغاية: فهي تمنع الشاب، الذي لم يصل بعد الى النضج الكامل، من انتهاك المحرمات الجنسية، بشكلٍ مؤقت. وهكذا تكمن جذور هذه الطقوس العربية اليهودية في أعماق الماضي القديم لهذه الشعوب، وهي جذور مُتعلقة بالمحظورات الجنسية.
المثال الثالث، هو العقيدة المسيحية المُتعلقة بالحبل بلا دنس، والتي بموجبها وُلِدَ المسيح من مريم العذراء. يُمكن القول أن هذه العقيدة نشأت من الرغبة-بوعي أو بغير وعي-في اظهار أن المُخلّص لم يكن شخصاً عادياً، ولم يُولد بنفس الطريقة التي وُلِدَ بها الآخرون. هذا صحيح بالطبع، خاصةً وأن العديد من الشعوب، وان لم يكن جميعها-من قدماء المصريين والرومان الى الصينيين والهنود- حافظوا على معتقداتهم حول ولادة شخصيات بارزة بوسائل خارقة للطبيعة. ومع ذلك، لا يُفسّر أيٌ من هذه الأمثلة أصل الاعتقاد بأن المرأة يُمكنها أن تحمل دون مشاركة الرجل. لا يُمكن فهم جذور هذا الاعتقاد دون النظر الى الماضي البعيد، الى فترة الزواج الجماعي، عندما لم يكن معروفاً دور الرجل في ولادة الطفل أو كان مفهوماً بشكلٍ غامضٍ فقط. في الأصل، كان يُنظَر الى هذا الدور (دور الرجل في الحمل) بعلاقته مع التجسيد الطوطمي.
كل هذا يدل على أن البحث عن جذور فكرة أو هذا الطُقس الديني أو ذاك، بعيد كُل البعد عن أن يكون بسيطاً، بل أنه مُستحيل في بعض الحالات. ولكن هذا ليس بسبب عدم وجود هذه الجذور، بل لأنها غالباً ما تكون مُخبأة بعناية في الماضي البعيد. غالباً ما يمنعنا النقص البسيطة في المُعطيات الوقائعية أو جودتها الرديئة أو عدم موثوقيتها من العثور على مصادر مُعتقد أو طُقُس ما. يجب، في هذه الحالة، أن نكتفي بتقديم فرضيات (لا يتم تقديمها تحت أي ظرفٍ من الظروف كحقائق ثابتة)، بل وحتى أحياناً يتم ترك المسألة مفتوحة.
على سبيل المثال، في ضوء المُستوى الحالي للمعرفة، من الصعب تفسير سبب قيام شعوب شرق آسيا القارية مثل الصينيين والمنغوليين والمنشوريين، الخ، دائماً بعبادة السماء كاله أعلى، بينما كان اليابانيون يعبدون الشمس. ولكن، في هذه الحالة، وفي حالاتٍ أُخرى كثيرة، لا يعني عدم قدرتنا على ايجاد الأسباب، انه لا يوجد أي تفسير على الاطلاق، ولكن الأمر فقط، انه ليس لدينا معارف كافية. هناك العديد من هذه الحالات. في هذا الصدد، لا يُمكن لمؤرّخ الدين أن ينتهي من عمله.
مسألة أُخرى هي تأثير الدين على مُختلف جوانب حياة الناس، بما في ذلك رفاههم المادي. التأثير كبير بلا شك، لكنه ثانوي. يُحاول العلماء البرجوازيون في كثيرٍ من الأحيان تفسير الظواهر المُختلفة في الشؤون الاجتماعية والمادية من خلال الاستشهاد بتأثير الدين. قاموا باستخدام المفاهيم الدينية السحرية لتفسير الفن وأعراف الزواج الأُسَري وأصل الدولة والتكنيك البدائي وحتى اللغة. لكن هذه النظريات اليوم ليس لها أنصار كُثُر. فقط عادات الدفن يُفسرها الكثيرون على أن لها جذوراً في المفاهيم الدينية السحرية، على الرغم من أن هذا ليس أكثر احتمالاً من الافتراض حول نفس أصل عادات الزواج أو سلطة الدولة. ان لم يكن من المُمكن النظر الى المعتقدات السحرية والدينية على أنها الأسباب الأساسية لأصل مؤسسة اجتماعية أُخرى، فانه لا يُمكننا انكار أن لها تأثيراً. ان البحث الدقيق لكيفية تأثير الدين واستمراره في التأثير على الفن والمعرفة والأخلاق والقانون والشؤون الاجتماعية والاقتصاد والسياسة، هو المهمة الثانية التي لا تقل أهميةً عن الأولى، في أي دراسة جادة للدين.
على سبيل المثال، دعونا نفحص كيف أثّر الدين على الفنون. لقرونٍ كرّس الفنانون والمعماريون والموسيقيون والشعراء جهودهم الابداعية للموضوعات الدينية، واستخدمها رجال الدين لممارسة تأثرٍ قوي على المؤمنين لجذبهم بالموسيقى والتماثيل واللوحات وصور القديسين، وكذلك العمارة القوطية والبيزنطية والمعابد الأُخرى. تُشير هذه الحقيقة بحد ذاتها الى قوة الفكر الديني والتنظيم الكُنسي الذي يُمثله.
وفقاً للمُدافععين عن الدين، فانه (اي الدين) يُشكل أساس أي قانون أخلاقي. هذا الرأي يُشاركه أيضاً بعض الكُتّاب ذوي التفكير الحر. الرأي المُعاكس موجود أيضاً- وهو أن الدين يرتبط بالأخلاق فقط في مراحل لاحقة من التطور التاريخي. كلا الرأيين خاطئين. لا يُمكن العثور على مصادر الأخلاق الانسانية في الدين، ولكن في الظروف الاجتماعية-الاقتصادية الفعلية. ومع ذلك، في فترة المُجتمعات العشائرية، كانت المُعتقدات الدينية تهدف الى تقوية المعايير الأخلاقية ودعمها باقرارات خارقة للطبيعة، مثل نظام التابوهات أو عادات قبول الشباب عندما يتعلمون المعايير الأخلاقية للقبيلة والتي تُعززها سُلطة الأسلاف أو الأرواح الوصية، ولاحقاً بسلطة اله القبيلة. اكتسبت الأخلاق والقانون والتي تعدّلت لمصلحة الطبقة الحاكمة في المُجتمع القَبَلي، اقراراً دينياً أيضاً.
على سبيل المثال، في الهند والصين واليابان، كان الوضع التبعي للطبقات الدُنيا دائماً تُقرره المُعتقدات الدينية. كان هذا هو الحال أيضاً في دول الشرق الأدنى القديمة. ولكن كان العبد في العصور القديمة يخدم سيده ليس باسم التعاليم الدينية، ولكن على أساس القوة الغاشمة. فقط المسيحية هي التي رفعت خضوع العبد لسيده الى واجبٍ ديني ووصيةٍ الهية. في العصور الوسطى، تم الجمع بين نفس العقيدة المسيحية المُتمثلة بالخضوع الى سلطة الأغنياء، والاكراه المُباشر، وأظهرت الطبقات العُليا في بعض الأحيان، بشكلٍ علني، ازدراءها للوصايا الدينية. وكانت النتيجة أن الاحتجاج العفوي للجماهير المضطهدة اتخذ شكل المطالبات باحياء العدالة الالهية واتباع الوصايا الدينية. في الدول الرأسمالية الحديثة، وكقاعدة عامة، يقترن الاكراه المُباشر بالتبرير الايديولوجي (الديني) لهذا الاكراه.
هذا لا يستنفد اطلاقاً كل الروابط المُعقدة بين الأخلاق والدين والقتون والدين. على أية حال، لا تكمن المسألة في العلاقات الطبقية وحسب، بل في العلاقات الشخصية والعائلية وغيرها من العلاقات التي لا تزال المعايير الأخلاقية مُعززة فيها غالباً بالمفاهيم الدينية "هذه خطيئة" "ان شاء الله سأفعل هذا" "سيُعاقبك الرب"، "بارك الله فيك"، الخ.
السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لم تتحرر الانسانية، على الرغم من التقدم الهائل في العلم والمعرفة الايجابية، من ادمان الدين؟ هل هذا أن الدين لَعِبَ دوراً مُفيداً في التاريخ؟
هكذا طرح بعض الباحثين السؤال. حاول الكثير منهم، وليس فقط المؤمنون الذين يدافعون عن الدين، ولكن أيضاً الأشخاص ذوي التفكير الحر، اثبات أن الدين، على الرغم من أخطائه، قد ساعد الناس وما زال يُساعدهم في نضالهم من أجل البقاء، اما كمنظم خبرة جماعية، أو كرمز للمعايير الأخلاقية الاجتماعية، أو كمنارة تُظهر للناس الأهداف المثالية.
هل هذا صحيح؟ في الأصل، تنبثق الشعائر والمعتقدات الدينية من متطلبات الناس المادية. وقد تم الاستشهاد بالعديد من الأمثلة. يتوقع الناس أن يُساعدهم الدين في تلبية احتياجاتهم، سواءاً كان ذلك من خلال طقوس الصيد أو الزراعة، شفاء الأمراض من قِبَل رجال الطب أو الشامان، وعبادة الآلهة التي تُعتَبَر وصية القبائل أو المُدن أو الدول. لكن هل هذا حقاً يُلبي احتياجاتهم؟ فقط في الحالات التي يتم فيها دمج المفاهيم الدينية السحرية مع مهارات الصيد والزراعة والحرفة يُمكن أن يبدو الأمر كما لو أن هذه المفاهيم تُساعد حقاً في تحقيق الهدف المنشود. في الواقع، يتم الوصول الى الهدف بسبب مهارات ومعارف وجهود البشر. في مجال الأخلاق والقانون، غالباً ما يفترض الناس أنهم اذا تصرفوا بعدل فانهم بذلك يتبعون وصايا الاله والمبادئ الدينية. في الواقع، تعزز الدين فقط من خلال الاقرار الخارق للطبيعة لمعايير السلوك التي نشأت من الممارسة الاجتماعية نفسها، والتي لا يُمكن بدونها تصوّر المُجتمع الانساني. في الوقت نفسه، يجب أن لا ننسى أن الدين، الذي شَرَعَ معايير ضرورية ومُفيدة في الأخلاق (وهي معايير انبثقت من الحاجة والممارسة الانسانية بالأصل)، قد شَرَعَ أيضاً المعايير غير المعقولة والظالمة: في القانون والأخلاق.
يُقدّم تاريخ الدين أمثلةً وفيرةً لطقوس ومعتقدات وتعاليم دينية ناشئة عن حاجة مُحددة أدت الى نتيجة مُعاكسة، أو نتيجة لا تتوافق مع الهدف المُخطط له.
وهنا بعض الأمثلة: توجد المُحرمات الغذائية في جميع الأديان تقريباً بشكلٍ أو بآخر. لقد تأسست على رغبة عفوية ولكن ضرورية لتنظيم الاستهلاك الجماعي. لكن ما هي النتيجة؟ المحظورات الطوطمية، والقواعد السخيفة للديانة اليهودية فيما يتعلق بطريقة ذبح الماشية، وصيام المسيحيين والمسلمين المُرهِق الذي غالباً ما يُقوّض قوة الأشخاص الذين يُعانون بالأصل من سوء التغذية، وما الى ذلك.
يُمكن العثور على مثالٍ آخر في طقوس الدفن واطعام الموتى والمُعتقدات ذات الصلة. انها تستند الى أعمال شبه غريزية وحتى عقلانية (ابعاد جثة متحللة)، مع الحفاظ عليها أيضاً كأثر مهم كذكرى أحد الأحبة، وتنظيم وليمة تذكارية. ومع ذلك، عندما دخلت المعتقدات الدينية الخرافية-السحرية تدريجياً في عادات الدفن واطعام الموتى، أصبحت الطقوس نفسها مُبالغاً فيها ومشوهة. لقد ضحى الناس بلا عقلانية بأشياء ثمينة وأسلحة وحيوانات وأحياناً ذبحوا زوجات وعبيد وسُجناء من أجل الميت. في حفلات اطعام الملوك الغانيين الميتين، قُتِلَ العشرات من العبيد وغيرهم من الناس حتى يلحقوا الزعيم الميت الى العالم الآخر كمرافقين.
واحدة من أهم المُلاحظات الواضحة الناتجة عن البحث الدقيق لتاريخ الدين هو التنوع الاستثنائي للمعتقدات والطقوس بين مُختَلَف الشعوب وفي فترات مُختلفة. لا يُمكن تفسير هذا التنوع الا بتغيّر المراحل المُتعاقبة في التطور العام للدين وفقاً لمراحل التطور الاجتماعي. غالباً ما نرى أن الشعوب التي وصلت الى نفس المستوى تقريباً من التطور التاريخي لديها أشكال مُختلفة تماماً من المفاهيم الدينية. لكن الأهم من ذلك هو أن هذا الاختلاف بين الأديان في كثيرٍ من الحالات، لا يتعلق فقط بمحتوى كل عقيدة على حدا، ولكن أيضاً بأسلوب وروح الدين.
عندما نقول أن أسلوب الدين نفسه يختلف، فاننا نعني بالدرجة الأولى، مُقاربة هذا الدين أو ذاك للحياة الانسانية بشكلٍ عام ومُختلف جوانبها. بعبارةٍ أُخرى، يتعلق الأمر بتوجه الأفكار والأعراف الدينية فيما يتعلق بالواقع.
فيما يلي بعض الأمثلة الحية. الكونفوشيوسية والبوذية هما ديانتان نشأتا في نفس الوقت تقريباً وفي مُجتمعات ذات أنظمة اجتماعية مُماثلة. كلا الديانتين موجودتين منذ 2000 عام في نفس البلد وبين نفس الناس، أي الصينيين (على الرغم من أن البوذية باعتبارها ديانة عالمية، تُمَارَس أيضاً في العديد من البلدان الأُخرى). ولكن من الصعب تخيّل أي ديانتين لديهما القليل من القواسم المُشتركة وتلتزمان بمذهبين مُعاكسين تماماً. تُقدّس الكونفوشيوسية النظام الاجتماعي والسياسي الراسخ، وتضع كمثال أعلى لها النظام الاجتماعي الاقطاعي الأبوي والذي يعتمد على التقاليد العشائرية التي يترأسها موظفون حكوميون، والأشخاص الأكبر سناً في العشيرة والأسرة، وتتطلب العبادة فيها التزاماً شديداً وصارماً بالطقوس والاحتفالات المعمول بها، ولا تنطوي اطلاقاً على التصوف أو أي اهتمام بالعالم الآخر. من ناحيةٍ أُخرى، تتخلى البوذية بشكلٍ أساسي عن كل الشؤون الدنيوية، مؤكدةً أنها مصدر لكل البؤس والخداع. انها تدعو الى الرفض الكامل للوجود الدنيوي، وتدعو الى الانغماس في اللاوجود المُسالم، أي النيرفانا. تتطلب البوذية الزُهد الرهباني من كل من يريد الهروب من الواقع الأليم. نحن هنا نتحدث عن الجانب الأساسي للعقائد، وليس كيفية تطبيقها على الواقع. في كل حالة، تُضيف الحياة تعديلاتها الخاصة على هذه المُثل. ومن الناحية العملية، يتصرف كُلٌ من البوذيين والكونفوشيوسيين بطُرقٍ لا تختلف كثيراً عن بعضها.
يُمكن مواجهة الديانات التقليدية في الصين (مزيج من الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية) مع الديانات الهندية. يُشجع الصينيون الأداءات الاحتفالية للطقوس غير المُرهقة، وتمجيد الأجداد في أيام مُعينةـ وتقديم الأضاحي الرخيصة. يعتبر الهنود مثالهم الأعلى هو الزُهد والتواصل الصوفي مع الاله، بينما يجب على الناس العاديين أن يُراعوا باستمرار القيود والمحظورات والطهارة المُستمرة والأضاحي الوفيرة. يقدم الشخص الصيني المُتدين الحد الأدنى لدينه، في حين أن الهندوسي المؤمن بالخرافات يُسيطر عليه دينه بالكامل.
ان لدى الأديان المُختلفة مُقارباتٍ متنوعة تماماً للحياة اليومية وتفاصيلها. تطورت الديانتين اليهودية واليونانية القديمتين خلال نفس الفترة تقريباً وفي نفس مرحلة التطور التاريخي. ومع ذلك، لم يكن لدى الديانة اليونانية أي تعليمىات حول تفاصيل الحياة اليومية وما يجب على الشخص أن يأكله أو يشربه أو يرتديه، وأي نشاط عليه أن ينخرط فيه ومتى. من ناحية أُخرى، تغلغلت اليهودية في المطبخ وغرفة النوم ونظّمت بصرامة ما يأكله الناس وما يرتدونه وحظرت العديد من التفاصيل المُتعلقة بالسلوك البشري.
تتخذ الأديان كذلك مُقارباتٍ مُختلفة حول الموت والأموات. مرةً أُخرى، لا يرجع هذا الاختلاف دائماً الى الاختلاف في المراحل التاريخية. ان الديانة المصرية مُدهشة حقاً باسرافها فيما يتعلق بطقوس الدفن. حتى عندما كان الشخص على قيد الحياة فقد كان يبذل جُهداً كبيراً للتحضير المُسبق لجنازته وتابوته وما الى ذلك. كان الاهتمام الكبير بالتحنيط، وبناء المقابر التي تهدف الى احتواء جميع أنواع الأشياء وأهرام دفن الملوك الضخمة تُعطي انطباعاً بأن المصري المُتدين يهتم بوجوده في العالم الآخر أكثر من اهتمامه بحياته على الأرض. في الوقت نفسه، اعتبر الدين الايراني القديم الميت نجساً، حتى جُثث الناس ذوي المكانة الرفيعة فقد كانت تُلقى في أكوام وتُترَك لتلتهمها النسور.
ان لدى الأديان وجهات نظر مُختلفة تجاه الفرد. ترتبط العوامل الرئيسية المُحددة لهذه النظرة بالتغيرات في المسار العام للتاريخ: العلاقات المشاعية، او التحول الى مُجتمع رأسمالي على سبيل المثال. لهذا السبب تغيّر الارتباط بين الجماعة والفرد في الدين تدريجياً لصالح الأخير. ومع ذلك، بدأت هذه العلمية في وقتٍ مُبكرٍ الى حدٍ ما (الطوطمية الفردية، عبادة الأرواح الوصية الفردية) واستمرت طوال التاريخ حتى وقتنا الحاضر. لهذا من الخطأ اختزال المسألة الى مُجرّد مراحل تاريخية فقط. في بعض الحالات كان السير بالاتجاه المُعاكس واضحاً. على سبيل المثال، خاطبت البوذية المُبكرة الفرد ونشرت التعاليم التي تقول أن القبول في المُجتمع يجب أن يكون فردياً تماماً. وفقاً للتعاليم البوذية الأرثذوكسية، يُمكن للشخص الذي يسعى الى الوصول للنيرفانا الاعتماد على قوته الخاصة فقط. في وقتٍ لاحق أصبح الفرد ثانوياً في البوذية، بينما أصبح التنظيم الديني والتسلسل الهرمي والطقوس أموراً أساسية.
في الديانات الأُخرى، اختلف الرابط بين الجماعي والفردي بشكلٍ كبير. كان الجماعي سائداً في عبادات الشرق القديم والعصور القديمة، في حين أن اليونانيين في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، جنباً الى جنب مع شكل عبادة البولس المُهيمنة قد أدت الى ظهور الطائفة الأورفية الفردية Orphic والألغاز الاليوسينية وغيرها. حافظت اليهودية على طابعها المُجتمعي الصارم في العقيدة والعبادة. لكن أحدثت الحركة الحسيدية التي تطورت داخلها، تحولاً حاداً باتجاه الفرد. لا تحتوي الديانات الصينية واليابانية على أي عناصر فردية. كل ما هو مطلوب من الفرد هو التقيد الصارم بالطقوس المعمول بها. يوجد في الهندوسية توازن بين الجانبين: الطقوس الالزامية للجميع والممارسات الزُهدية القاسية. لطالما تمسكت الكاثوليكية بالمبادئ الجماعية قبل كل شيء، لأن الخلاص يأتي من الخضوع غير المشروط للكنيسة، التي تمتلك المسؤولية الكاملة عن تقديم الغُفران. ولكن، وبسبب هذا، انفصل الكالفينيون والبيوريتانيون والبروتستانتيون عن الكنيسة الكاثوليكية، مُركزين على الفرد بدلاً من المُجتمع. في الديانة الاسلامية بطقوسها الصارمة وانضباطها المُجتمعي، أصبح الصوفيون مُدافعين عن المبادئ الفردية، وعلّقوا كل الآمال على التواصل الشخصي مع الله.
ان التنوع الهائل في المعتقدات والطقوس الدينية ليس حقيقة مُذهلة في حد ذاته، لأننا نعرف كيف يُمكن للظروف التاريخية الملموسة لمُختلف الشعوب والعصور أن تختلف. على كل حال، يعتمد الدين على الشروط العامة للشؤون المادية، بل وأيضاً على الأشكال السياسية والتمايزات الثقافية والتأثيرات الخارجية. من الضروري اجراء دراسة شاملة ودقيقة لكل هذه الظروف في كل بلد وفي كل فترة من أجل فهم أصل الاختلافات بين الأديان، على سبيل المثال تلك الأديان الموجودة في الهند والصين ومصر وايران واليونان وروما والكلتية والسلافية.
بينما نحن نُدرك التنوع الهائل في المعتقدات والطقوس الدينية والاختلاف في الأديان عند الشعوب المُختلفة، فانه يجب علينا أن نتذكر أنه على الرغم من كل هذه الاختلافات، لا يزال الدين في الأساس تعبيراً عن عجز الناس عن مواجهة بيئتهم وظروف حياتهم.

1- See: Friedrich Engels, “Zur Geschichte des Urchristentums”, in: Karl Marx, Friedrich Engels, Werke, Band 22, Dietz Verlag, Berlin, 1974, p. 450

ترجمة للفصل الرابع والعشرين من كتاب:
History of Religion, Sergei Tokarev, Translated From Russian To English by Paula Garb, Progress Publishers, Published 1986, Translated 1989.
Chapter twenty four: Islam

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي