حمزة رستناوي.. وإسقاطات جلجامش على الحياة

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 9

في نص طويل نسبيا، قصيدة أخذت شكل الشعر المنثور، بجمل وعبارات شعرية مموسقة، خُيّل لي أنها موزونة كُّلها على بحر واحد وأنا أقرؤها، لأن الكثير من المقاطع زيّنَتها القافية، فحاولتُ وزنها، لكنها لم تلتزم بأي بحر، هي مزيج من جوازات البحر البسيط ، وبحر الرجز.
عنوان النص الشعري النثري، ( فصول من تاريخ الربابة) جلجامش والرؤية الصائبة.
- في العنوان الفرعي، ما الهدف من الربابة في النص، وفي الملحمة، وفي الحياة؟. وماذا تعني؟ مع أن ملحمة جلجامش، ليس فيها آلة ربابة ، ولا عزف موسيقي.
كل هذه اسئلة مشروعة للقارئ أو المتلقي، ليجد متعته في استيضاح رموز أول حكاية دوّنها التاريخ على ألواح طينية بالحرف المسماري الأكادي، حسب اكتشافات الآثارين والمؤرخين.
وصاغها شاعر يشتغل في نصوصه الشعرية على سبر الحقيقة في جوانب الواقع، شِعرُه يدعوك لتفكِّر، وتبحث وتكتشف، يفعّلُ لحظة القراءة لتكون متفاعلا وفاعلا أيضا.
فحمزة رستناوي، حسّاس، ويمتلك قدرات تعبيرية يصعب فكفكة رموزها العميقة من القراءة العابرة، كما نفعل ويفعل جميع الناس مع قصيدة العمود( البيت)، وفي الغالب، بعض الشعراء تقرأ لهم نصا، أو قصيدة، وحين تنتهي، إذا كانت سليمة في صياغتها وفكرتها، تطلق كلمة عابرة وتقول ( حلو) وتتركها فتنساها وتشرب كأس ماء فتزول الحلاوة وتنسى كاتبها بعد أقل من ساعة. وما أكثر القصائد والنصوص من هذا النوع في هذه الأيام.
أما الشاعر حمزة، حين تنتهي من قراءة نصه، فلا تقول الكلمة العابرة ( حلو ) وتمضي.
شيءٌ ما يشدّك ويبقيك تتذوق، ويجعلك كمتلقي تفكر وتبحث في ذهنك، فترجِع لإعادة القراءة مرة ثانية، وتحاول أن تتابع هذه العبارة أو تلك، ما يزيد لديك فضول اكتشاف ما بين سطور النص، كمحفز للبحث والربط والفهم، للوصول بك إلى مفهوم، أو دلالة ومعنى جميل يمنحك متعة ولذة التذوق الذي يستمر معك. وحين تأتي الوجبة التالية، لتقارن بينها وبين منافع وجمال فنية نص حمزة رستناوي، الذي لا ينهي حلاوتَه وتذوقَه شربة ماء.
إذن، الربابة في العنوان هي التعبير المناسب لبهجة الحياة، هي الفن البشري الذي تحول إلى إنساني، هي هذا الإبداع البشري حين تحول هذا البشري البدائي الوحشي إلى إنساني مترافق مع تميزه عن الكائنات الأخرى، هي الحياة مع الغناء والعشق والرقص والمحبة والصداقة والتعاون والتفاعل الوجودي والسلام أيضاً.
الربابة أول آلة يبتكرها البشر للأنسنة، فهي تاريخ في تحوّل الوحشة البدائية، إلى الفن ، والتفكير، بعد أن أوجد لحاجاته ولطعامه أدواتِه البسيطة في الزراعة واستخراج الثمار.
هذا العنوان الفرعي هو خلاصة الرؤية الصادقة، رؤية ( سيدوري) التي منحتها الآلهة خبرة ومهارة صنع الخمور ( البيرة ، والنبيذ) فقط، لوجود عوامل عديدة فيهما تجعلهما مميزين ومفضلين عن باقي المشروبات. ومن كثرة تعامل (سيدوري) مع الآلهة، ومع البشر، اكتسبلت الرؤية الصادقة ، التي وجّهت فيها جلجامش وجهة صحيحة، ليتخلى نهائيا عن غروره واعتداده بذاته لأنه يمتلك ثلثي مقومات إله، وليغير اندفاعه الجامح، وأقنعته أن يهدأ ويتوقف عن البحث عن سر الخلود، وأكدت له أن الخلود ليس من نصيبه، لأنه في جزء منه بشري والبشري فان لا محالة.
- في تلك الحقبة التاريخية، اخترع الفينيقيون شعب الفرح والغلال ، والحروب والانتصارات، بسبب توفر الحريات الاجتماعية والفرد فيها صورة لمجتمعه، اخترعوا القيثارة، ( الربابة) وأدوات الغلال.
-يفتتح رستناوي قصيدته بوصف غابات لبنان التي تكسوها أشجار الأرز المباركة المقدسة، بالعدمية، والغفو ( النوم والامتداد بلا حركة) وهذه العبارة تعطي دلالة عن السلام والاطمئنان والجمال، لكنها لا تنتج ثمارا.
( أتنفس هذي الساعة شمساً تشبهني
غابات الأرز العدمية تغفو
لا أحدَ عبر الجبل المظلم).
بمعنى أنه والجبل المغروز عبر الآلهة بالشجر المقدس، هما صنوان تماماً، وشملتهم الآلهة ببركتها . وحواره مع المخلوقات المخيفة، كالعقرب، وهو في طريقه إلى الشجرة المقدسة، طريق موحش، خطر، تقول له العقرب، إنني أكره الشمس لأنها لا تنفعني، وأنت ترعبني بهيئتك وملامحك، وهي خطيئة أمام الآلهة لها معان لا تنتهي.
-لا أدري لماذا لم يبتدئ الشاعر ملحمته بهذا المقطع، الذي يتسلسل خيطها بدءاً منه.
( لا أحدَ يدخل هذا القصر
أملأ بطني
أبتهج الليلة
نطعي يرقص
والقاصر من ثوبي
شاخ إليه القبر).
بدأ جلجامش حسب رؤية الشاعر، بالإحساس بالتميّز والأنويّة الطاغية، والتسلط المتمثل بالشبع، وبالنطع، فقد كان هم البشرية في ابتداء نشأتها، توفيرَ مادة الطعام، بطريقة الغلبة والقتل.
فهو اليوم في سعادة، وحتى النطع الذي تشرَّب دماء ضحاياه بقطع رؤوسهم فوقه، فرحَ ورقصَ لشبع جلجامش وتسلّطه. إنها دلالات نعاني منها اليوم بعد وصول حضارة الإنسانية إلى النجوم، بقوانين بزّتْ قوانينَ الآلهة.
( تتشابه أشلائي
تلك غلالة أمي
وجهي زئبق
مسعاي رمال، وطريقي أزرق).
لكن العجز والهلاك أصابا تلك الادعاءات بوجود علاقة للآلهة بالبشر، وكل ما يقال وما قيل عن علاقة بين آلهة وبين بشر، هو متشابه النشأة، وزئبقي، متفلّت من أية حجة أو برهان. ولا يصل إلى هدف حقيقي، لأنه يتصف بالعجز وعدم الصمود.
أما الطريق فضوؤه واضح وبهي، وكأنه على لسان جلجامش. هذا جعلني أبحث في صيغة وجودي وتكويني، ويأتي إلى خاطري، القارب المصنوع من خشب الأرز الذي ترشده إليه (سيدوري) صانعة البيرة والنبيذ الإلهي، هذان المشروبان يحتويان على فوائد كثيرة، وليس فيهما أية أضرار كباقي الخمور.
- يخاطب الشاعر ( سيدوري) ويشبِّه جِرارَ خمورِها بكتابٍ للمبدع محمد الماغوط بعنوان ( سياف الزهور) الذي بدوره يحتوي على عدد من قصائد الخمر المفيد في حالته، حين تلعب الخمرة برأسه ، فينطق حكمةً. فسياف الزهور، مثل خمور ( سيدوري) النافعة.
- ( سيدوري) دورق خمرك يشبه ( سياف زهوري)
ثم ينتقل إلى وصف ( الحاوي) الذي هو قارب محتواه ماأتى بعده من قوانين وتشريعات. ويستمر ، فينشئ الشاعر مقارنة بين جلجامش وقاربه المصنوع من خشب الأرز المقدس، وبين ذلك القارب المتخشب الذي يفقد أية ليونة وحياة يمتلكها قارب الأرز المقدس.
- ( قاربك النازف لا يتمطى
غاباتك جردٌ مصطنع
وجذوع أنينك سائل).
يخاطب ذلك المحتوى الكوني، يذكّره بأن غاباته ليست طبيعية لتقدّسها الآلهة، وقد لا تدوم لأنها غير فطرية ولا تمتلك الحرية والفن والإبداع.
ثم يقرر جلجامش العودة بعد انتهاء المهمة، ليتمتع بأوتار قيثارة ( سيدوري) ولحنها الشجي.
- ( طوفان الرجل العقرب
وعد رهينة
أعماق شقائك نبتة عُجْبٍ وضغينة).
في هذا المقطع ينتقل للإضاءة على طوفان نوح من رؤية الشاعر لها، فيشبّهه بالعقرب الذي ينفُرُ من الشمس والضوء، ويستمرئ حياته في الظلمة والرطوبة.
ويصف عذابه مع قومه وزوجته وولده، نتجت عن غروره وسوداويته، بمعنى أن بإمكانه حلّ القضية بينه وبينهم برضى ومحبة، فهي قضية اجتماعية، وهو نبي، فكيف لا يهتدي إلى الطريق الأفضل لقومه وأهله، بدلا من القهر والعسف والقسروالتحدي؟.
- في المقطع التالي، يُلْبِسُ مفهومَ الحرية شكلاً وهيئة، ولهذا يمكن حجزه فيما يشبه القوقعة التي تنغلق على ظلمة وعزلة.
( جسدُ الحرية يُرمى في قوقعة العار
القابض أشلاء مدار
وهلالي يجهش يوم سعادتكم).
ثم يربط بين حِكَمْ الحكماء السبعة، وبين حرية الكشف وانطلاق الفكر، ويشبّه قوانينهم ومواعظهم ورأيهم بالآلهة ووصفها، كأنها أقدام تدوسنا وتطحن الحياة والحرية المنطلقة من رباط العُقَدِ والتعقيد، وتقييد الإبداع.
( للحكماء السبعة أقدام تهرسنا
قَرَعات الطبل القدرية
تحرس بيدر حزني).
لايزال جلجامش يؤمن أنه إلهي ، وهو محروس منها ، ويأمل بأنها ستنقذه من الفناء، ويخاطب صديقه أنكيدو، يقول له:
( أنكيدو
دعني أحفر فيّ صعودَك
دعني أجلد روحك
النائم آلهة ثلثاه
مثواه يناقض مثواه
يقرر أن يمنحه السمو، فيصهر روحه البشرية لتَتَجَوهَرَ بنفحة إلهية، فيتحول إلى نصف إله ونصف بشر، لكي يتَأَنْسَنَ. وهذه الأسطورة أَخذتْ منها غالب الديانات أفكارها. – كالتقمص.. والحلولية.. ونفخ جزء من روح الإله في الجسد البشري.. ونزع القطعة السوداء من الصدر بعد شقه – ولكي يثبت أن الآلهة لا تموت كالبشر، ونهايته كإلهي تتناقض مع نهاية البشر. فيتسامى جلجامش أمام أنكيدو، ويترفّع ويعتدّ بإلهيته، وأنه يصنع خبزه ونبيذه الذي يليق بالآلهة فقط. يتطلع نحو عرشه الإلهي عند الشمس، وإبداعُه يحلّق بعيدا عن الأرض، لكن الأرض تعيده إلى معاناته اليومية، فيعيش حياة البشر ويرود الحانة لنسيان عذابه، فهو بشري أيضا، وقد كان جده لأبيه من خدام الحانة.
تقول له العرافة ضاربةَ المندل، بعد أن ترى الطبيعة كما هي أمامك بمباهجها حتى ينزل به مستوى الحياة البشرية إلى البدائية ، ولا يحميه شجر العوسج كثير الأغصان شحيح الأوراق، فتنكشف سوأتُه، والعودة به إلى مبتدأ الحياة، مع إصراره على الأخذ بخطوات الحضارة الإنسانية.
- في المقطع التالي يخاطب جلجامش صديقه أنكيدو.
( أتنفس شمسا لا تشبهني).
أما في المطلع يقول:
( أتنفس هذي الساعة شمسا تشبهني).
إذاً ما الذي تغير فيه؟، وهل هو اقترب من أنكيدو أم ابتعد؟ هو في الأسطورة يبتعد عنه، وهنا يأتي دور ( سيدوري ).. (وأوتنا بيشتيم) الحكيم، الذي روضه وجعله يتنازل عن اعتداده بجزئه الإلهي، ويَتَأَنْسَنْ، ففي المقطع الخامس يقول :
( قرَعاتُ الطبل القدرية
تحرس بيدر حزني).
أما هنا، فالصوت الهائل يسكن فيه الآن، وحوّلته الأحزان إلى إنسان متأمل، ساكن، بعد كل هيجاناته وغروره ورعونته. وحسب ما ذكرنا، أنه في المقطع الخامس، كان اعتداده بأن الآلهة تحرسه وترافقه. فيقول:
( يا أنكيدو أوتارك لا تشبهني
أتنفس هذي الساعة شمسا لا تشبهني
يسكنني طبلٌ
والأحزان سكون).
- كان فراق أنكيدو مؤثّرأ جدا فيه، وصعباً، فراقُ صديقٍ أمينٍ ووفيٍ وقويّ، ولم يستطع أن يمنحه خلوداً إلهياً مثله، حسب اعتقاده، فيتسامر مع روحه، ويبكيه، ويضع بين يديه ما يشاء، لكنه يموت. وليس له من عزاء إلا أن يعود ليحاور زوجة أنكيدو المومس، وكأنه يقول، حان وقت فراقك أيها الأرضي، وأنا سأغني وأرقص وأعيش حياتي سعيدا.
مقطع طويل وجميل، ينهيه بأسطورة ( أخيل) الفارس والقائد الفينيقي، الذي منحته الآلهة ميزة سرية، يمزج الشاعر بين أسطورة جلجامش، وبين أسطورة أخيل، فهما نتاج حضارة شرق أوسطية قديمة ، ومتقاربة تاريخياً، فأخيل قائد فينيقي مُظفّر ينتصر في جميع حروبه على الأعداء، هو الذي لا يموت رغم السهام والرماح والسيوف والنبال، لأن سرّ موته يكمن في كاحل قدمه إذا اخترقه سلاح.
( حان أوان الهجرة
- دع زوجك تسعدني بلقائك-
وأرقص ليل نهار
الموت نصيبك
افرح
خذ قبضة طين
فالأسوار عنيدة
لا تمشي
فالتعب الكامن كان قصيدة
أجْرُ بِنائِكَ محزونٌ
تعرف أن حدود العالم خيط
تستفسر أحوال الموتى
السهم الخالد ينْفَذُ عبر الكاحل والجملة حامل
قبل نزول الطفل إلى الجدوى ستكون حزين
وفراشك يشبه ما قبل التاريخ
تماتع في الليلة خمسين).
فهل يشير في نهاية المقطع إلى التخلّف الاجتماعي، والتفكير البدائي والقَبَلي، إذ يحزن مهموماً قبل أن تلد أنثى، وكلمة الجملة في المقطع أيضا، تلد معنى ودلالة ورمز، وهنا مفارقة هامّة، فهو من جهة يبحث عن أنثى ويضاجع منهن خمسين، وهو سعيد بهن، ومن جهة أخرى يخشى أن تلد الحامل أنثى. فما هذا الوعي المركب لدى شخصية ( الإنسان البشري) ؟.

ينتقل إلى علاقته مع الإلهة عشتار العشيقة والمعشوقة، يرفضها جلجامش حين عرضت عليه الزواج، فتغضب وتسعى للانتقام منه فترسل الآلهةُ ثورَ الجنة لينتقم لها من جلجامش، فهو ليس كاملَ الألوهةِ، فكيف يرفض عشتار الإلهة المعشوقة ، فتقرر له أن يموت. لكن جلجامش بمعونة صديقه أنكيدو الوفي يتخلصان من الثور بقتله. يزداد غضب الآلهة فتنتقم من أنكيدو بموته بعد أن قتلا أيضا (خمبابا) وحش وحارس الغابة المرعب.
( الزمن البائد ثور سماء مخصي
خمبابا كلبك يفزعنا
النسمة تعبرنا
سرب كلاب تنبح
- أرى أن وصف مجموعة كلاب ب ( سرب) غير موفقة، فالسرب والأسراب مصطلح لغوي يختص به كل ما يطير في الفضاء.
- يقول الشاعر:
( الرغوة عابرة
ولحاء ضميرك - سين-
الملك العاشر بعد الألف رصين)
هنا أراه يتطرق إلى أحد ملوك السومريين ( نارام سين)، لكني لم أتبين جيدا من علاقة هذا المقطع الطويل بالأسطورة. بينما كان للرجل الخالد (أوتنابيشتيم )دور مهم في إخبار جلجامش قصة الطوفان، ومع ذلك لم يأت ذكره في القصيدة على أهميته.
- ونجد في أبيات المقطع أيضا، إسقاط الشاعر للتاريخ القديم على التاريخ والحاضر، في جبروت الأسطورة، أية أسطورة، حين تمتهن العسف والعنف والقسوة على النفوس، والحياة، في أسطورة الماضي الحاضرة في حكاية (المهدي) وهو يبدو هنا يداعب سبعة أقطار، لكن الكذب يتكشف وتقتل الأسطورة ذاتها.
- في الأبيات الأخيرة، تستتب به الحيرة، التي يشبّهها بوقت الغسق مساءاً ، حيث تكون لحظةً فاصلةً بين سطوع الضوء قبل أن تَسْدُلَ الظُّلمةُ ستارتَها تكون الرؤيةُ صادقةً وحقيقية وواضحة، وفي ذروة السطوع والبيان، هذه الظلمة.. وذلك الانغلاق.. وتلك القوقعة.. وعزلة حياة العقرب في الرطوبة.. ومقت الشمس.. ومغادرة الضوء والنور.. كلها دلالات عن انتهاء حضارة رغم بدائيتها، متفتحة ، يسودها المرح والحرية، وبدء موجات من الحلكة والقتامة والسواد المصطنع، ليدمر الحياة.
ححضارة كانت تعطي للأنثى قدسية، إذ تطل أذيال بقاياها فتملأ المكان، لكن النور يتداعى شيئا فشيئا، بأحجبة الظلام الذي يجحف بحق المرأة ، ويشبّهه بعزف الأرغول.. وليس الناي حين ينتفخ الوجه من شدة الصراخ ليعطي قليلا من المعنى والتعبير، تماما كما يفعل ممتهن الخطابة على منابر الوعظ المفتعلة للإقناع، فهي مصطنعة ومفتعلة، وليست فطرية صادقة التعبير.
- شعوري مع الشعر، أني أجد فرقا بين متعة قراءة القصيدة العمودية، وبين متع قراءة القصيدة الحديثة ( تفعيلة- منثور) الذهنية ، تماما كالفرق بين أن تكون في مكان ما بعيدا، تشعر بالوحدة والعزلة، فتأخذك الذكرياتُ إلى حياتك التي اعتدتها، لكنك من كثرة تكرارها اليومي، أحسستَ بالسأم والضجر، من استمرارك في جوانبها القليلة، وتطمحُ للتجديد وتغيير نمط حياتك، وتريد فورا أن تغادرها.
وبين أن تصادف مجموعة من السياح ، تفهم لغتهم ، ويفهمون لغتك، فتتحدثون، ثم يأخذونك معهم في سيارتهم المجهَّزَة بكل ما يحتاجه الإنسان من أسرة النوم، إلى جهاز التبريد، واللحوم والأسماك والفاكهة والخضار، وقليل من الخمور( البيرة.. والنبيذ)، وتسافر معهم إلى بلدان لم تعرفها من قبل، فتتعرف على معالمها ومجتمعها وطبيعتها ، وأطعمتها وثقافتها وفتياتها، فتصاب بدهشة الإعجاب والذهول ،لاكتشاف الجديد من الجمال والإبداع والسرور بالحرية التي يقدسونها. ومع الكثير من البنات الشقراوات والسمراوات، فتغني معهم جميعا حين يغنون، وتسبح معهم حين يسبحون، أوقات من السعادة تسلّمك لأوقات أسعد. هذا هو شعوري بالقصيدة الحديثة.
- حين تعيد قراءة نصوص حمزة رستناوي ، وهذا ما أنصح به ، تحصل هذه المتعة، وتشعر بهذا الشعور، بالحرية والتجديد ، واللذة والتسامي.

إلى لقاء مع إبداعات أخرى

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب