نيوتن والجاذبية الغائبة

سعود سالم
2021 / 7 / 8

ستيغ داغرمان Stig Dagerman النقابي والناشط الأناركي الذي عذبه الخوف من الفشل واليأس من وجود العدالة في هذا العالم العدائي، مؤلف عمل غني ومبهر شيده في سنوات قليلة، بين المجد المبكر الذي عرفه قبل الحرب وانتحاره عام 1954 وهو لم يتجاوز الـ 31 سنة. ومن أعماله التي ذكرناها في مقالات سابقة، عمل كان السبب المباشر في إهتمامنا بهذا الكاتب، وهو قصة قصيرة بعنوان "الله يزور نيوتن". ذلك أن داغرمان بدأ مشاريع عديدة لم يستطع الذهاب إلى نهايتها، مشاريع قصص بدأ كتابتها في فترة "غياب الوحي أو الإلهام" والتي انقطع فيها عن النشر نهائيا، وقبل وفاته، كان ما يزال يتصارع مع مشروع بدأه يتعلق بحياة الكاتب السويدي الأسطوري كارل جوناس لوف المقفيست - Carl Jonas Love Almqvist 1793-1866، الكاتب الذي غادر السويد هربا من العدالة التي تلاحقه بمجموعة من الاتهامات المتعلقة بأعمال إجرامية، ليعيش حياة غامضة وفقيرة في الولايات المتحدة. والذي تبقى من هذا المشروع هو المقدمة ومقتطفات من الرواية. وقد نشرت المقدمة تحت عنوان "Tusen år hos gud" / "A Thousand Years with God" ألف عام مع الله، وذلك بعد إنتحاره، وبعد ذلك تم نشر "الله يزور نيوتن 1727" - God visits Newton. وهي القصة التي تهمنا في هذا المجال.
"في بعض الأحيان يشعر الله بالملل من كينونته النورانية الصامتة. الخلود يشعره بالغثيان، فيترك معطفه يسقط. نرى ظلًا
يتشكل بين النجوم، ياتي الليل. في بيت نيوتن في لندن نستعد، دون أن ندرك ذلك، لتلقي الزيارة الغريبة." هكذا تبدأ هذه القصة المتعلقة بالله ونيوتن، بالقانون والأخلاق، بطريقة شعرية غامضة.
نيوتن في معمله في لندن ذات ليلة ممطرة من ليالي عام 1727، الهواء مشبع بالرطوبة والضباب، وأوراق البلوط لا تكف عن التساقط، والشموع مضاءة وكذلك المدفأة، وخادم نيوتن يجهز صفرة الشاي لمنتصف الليل ونيوتن منكب على مكتبه يعاين أوراقه. الله في هذا الوقت يتسكع مللا بين النجوم ولم يجد ما يسليه في هذا الكون الشاسع المشبع بالصمت، فقرر أن يقوم بزيارة للعالم الشهير في ليلة وفاته وذلك لمجرد تقضية الوقت كما يبدو. وما أن يدخل حجرة نيوتن الدافئة حتى يتحول الصمت إلى ما يشبه العاصفة، فيهرب الصمت بجنون وتتكون دوامات ودوائر هوائية تصفر ودوامات مضادة؛ قلق غريب ينتاب العالم العجوز، يقف ويتساءل عما يحدث، يحول رأسه الثقيل من ضوء الشمعدانات، في الظل كان الخادم واقفا وفي يديه المرتجفتان تلمع الصفرة. ويترك الخادم المشدوه صفرته تسقط من يديه، غير أنها لا تسقط، بل تظل تتأرجح في الفضاء للحظات ثم تبدأ ترتفع تدريجيا حتى تلتصق بالسقف. ويشعر نيوتن بالمؤامرة، هناك من يريد أن يسخر منه ويثبت له خطأ نظريته، ثم يشعر بالغضب، ويأخذ غليونه ويقذفه في الهواء ولكنه يرتطم بقوة بالسقف وينكسر وتتطاير الشظايا ولكنها بدورها لا تسقط بل تظل متراكمة ومتشبتة بالسقف. وعندما عرف ما يحدث أراد أن يدون ما يشاهده في كراسته، غير أنه ما أن فتح المحبرة، حتى أخذ الحبر يتصاعد في خيوط متموجة نحو الأعلى. الله في الحقيقة أراد تعطيل قوانين الجاذبية في منزل العالم الفيزيائي الكبير، باستثناء نيوتن نفسه الذي يظل مشدودا إلى أرضية غرفته. يشعر الرجل العجوز بالحيرة والغضب في نفس الوقت عندما يرى أثاثه وخادمه يلتصق بالسقف وهو في الأسفل. ثم يفهم نيوتن ما يحدث : معجزة. وما هي المعجزة؟ المعجزة بالضرورة استثناء. ومن يستطيع أن يصنع المعجزات من غير الله، والذي هو ذاته إستثناء؟ ولكن يا له من استثناء مقدس، استثناء للقوانين التي من المفترض أنه هو التي سنها ووضعها حجرا حجرا. ولإختبار تعطيل القوانين ومصداقية المعجزة، يرتكب نيوتن فعلًا لا يسمح له سنه وصحته، يثني ركبته ويتنفس بعمق، ويجمع قوته ليتحول إلى نابض يدفعه إلى أعلى، ويقفز نحو السقف. لكن خادمه، الذي ملأ بالفعل فنجان سيده بالشاي بقي ينتظر عبثا، نيوتن لم يستطع أن يطير ليشرب شايه قبل النوم، هو الذي تعود أن تسقط التفاحة على رأسه بدلا من القفز لإقتطافها. ثم يسأل نيوتن الله : "ما الذي تبحث عنه ، سيدي؟" يجيب الله وهو يرتجف من البرد: قلب العالم هو صورتي. ويشير نيوتن إلى الساعة ويقول له : "هذه صورتك، التي تحاكيك مثلما القرد يقلد الإنسان. تمامًا كما تدور حول قرص الكون على أمل العثور على خلل في التكوين يمكنك من خلاله اختراقه، كما تجري إبرة هذه الساعة حول ميناها وراء الزمن الذي تريد لحاقه دون جدوى، فلن تلحقه أبدا. أنا أفترض أنه خلال رحلاتك الشاسعة، ومؤخراً عبر بحار العالم، أدركت بنفسك أن كمال "الخلق " هو حجر الزاوية في المصائب الإلهية والإنسانية. الخالق والمخلوق - كلانا يعاني من الرغبة التي لدي كل منا لبعضنا البعض، ولكن هذه الرغبة لن تتحقق ولن تشبع أبدًا. في الحقيقة، أقول لكم : كان من الأفضل لو خلقتم عالماً به بعض العيوب بحيث يكون من الممكن أن تنزلق فيه وتتسلل من خلال شق سري، مثل أي وأحد منا، بدلا من هذا الكون المطلق الكمال والمغلق والذي ينفي عنه "الخالق" إلى الأبد. أقول لكم أيضا : السلام لا يوجد إلا في القوانين. أنا أشفق عليك سيدي، ولكن الوقت يمر". في نهاية المناقشتة، يقترح نيوتن على الله أن يحوله إلى إنسان حتى يتمكن في النهاية من تجربة حياة مخلوقاته ويعرف ماذا يجري في عقولهم. وبصوت يشبه المداعبة في أذن الله ، يهمس نيوتن :
"أعتقد أن لدي هدية لك، سيدي.
- أي هدية ؟
- حياة إنسان.
- لماذا؟
- لكي تولد وتموت. لأنه فقط كبشر، سيدي، يمكن أن نحيا هذا الزمن كقانون وليس كرعب. وضمن القوانين فقط ،سيدي، من الممكن الوصول إلى قلب العالم.
- أعطني هذه الهدية إذن."
داغرمان يقلب الميثولوجيا ويغير أدوار الأبطال، ويحاول أن يعلم الله ما هي حقيقة الإنسان. يقول نيوتن لله: "صديقي ، أنت تعرف الآن هذا الألم البشري المتمثل في الرغبة في القيام بمعجزة دون امتلاك القوة اللازمة للقيام بذلك. تعلم الآن أكبر عذاب يمكن أن يعانيه لإنسان: الوعي باستحالة الحب. " يجب أن يصبح الله إنسانًا، للانضمام إلى مخلوقاته المزرية وعليه أن يمر عبر سلسلة من التجارب والإختبارات ليتعلم التواضع والخوف والألم .. إلخ . نيوتن، شخصية رمزية للعالم والقانون الطبيعي، يحل محل السلطة الإلهية المتمثلة في الإستثناء والمعجزة. والآن أصبح العلم هو الذي يصنع المعجزات، أما الله فقد أختفى منذ أن أصبح بحارا بسيطا يجوب العالم. بعد ذلك، يموت نيوتن.
هذه القصة هي المشروع الوحيد الذي قاده ستيج داغرمان إلى نهايته في فترة الصمت الأدبي الذي يصادف السنوات الأخيرة من حياته. على غرابة القصة والتشابك بين العناصر الرمزية المختلفة التي تعمل على نسج معنى هذه الحكاية الفلسفية، حيث الخيالي هو الوسيلة السردية التي تسمح لداجرمان باختبار نظرياته وآراءه في العلاقات بين القوانين العلمية والقوانين الإلهية، بين الإنسان والله. هذا الأخير، الذي سئم وتضايق من الخلود وتآكله السأم من وحدته وعزلنه الأبدية، يريد الانضمام إلى خليقته، التي بدورها تعاني من اليأس من عدم رؤيتها وإعتبارها من قبل الله. يقرر االله في النهاية أن يتخلى عن المعجزة "المعجزة تصدم المجدف وتجعل المؤمن يأمل عبثًا ، لكن قلب الكون لا يتأثر" ويوافق أن يتحول إلى إنسان. إن تحوله إلى الإنسانية يمر بمرحلة التعلم الرهيب للخوف والمعاناة والإذلال، في مشاهد تذكرنا بكتابات داغرمان الأكثر قتامة، الكاتب الذي يطارده البؤس البشري، يسحقه ثقل العالم، وغير قادر على إيجاد الوزن المناسب للمسؤولية التي يحملها على كتفيه. نجد تدريجيا المواضيع المفضلة لداغرمان: الإحساس بالذنب والوحدة التي تتحاصر الفرد؛ البحث عن سبب للحياة ينير هذا الوجود العبثي، استحالة استيعاب أي شيء مهما كانت قيمته ورعب فقدانه؛ الهوس بالموت وترك أثر للأجيال القادمة؛ وأخيرا الصمت كملجأ نهائي. حكاية فلسفية لا تصدق، تجمع بين الخيال والسخرية، حيث يجمع Stig Dagerman بين الله ورجل العلم في حوار عبثي في عالم يشبه الحلم، خارج معايير الزمان والمكان والمنطق، ويقدم تفكيرًا وتحليلا بارعًا في السلطة، القانون الإلهي، حالة العلم ومعنى الحياة.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب