قتل النساء، الانتحار والعنف.. الى متى!

نساء الانتفاضة
2021 / 7 / 6

منذ فترة، تتداول وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي اخبارا عن تزايد معدلات القتل والانتحار والعنف في العراق وكوردستان. هذه التراجيديا الجارية لات نفصل عن تلك الموجة العالمية التي تزايدت وتيرتها خلال العام الماضي في ظل جائحة كوفيد والتدابير الوقائية ضدها. ولكن في هذا البلد لها خصوصيتها، حيث ان ظواهر الظلم والقتل والتهميش ضد النساء تمتد ابعد من ازمة جائحة كوفيد-19، اذ ان هذه الجرائم هي جزء من تركيبة المجتمع وهي مثبتة في القانون. في النظام الذكوري والقومي الديني الميليشياتي لهذ البلد، يتم التبرير القانوني والثقافي لقتل النساء تحت اسم "حفظ الشرف".
بعد مقتل زهراء محمد ذات الـ 21 سنة في اربيل يوم 16.4.2021، صرح رئيس حكومة الاقليم في تغريدة له بان "ليس هناك شرف في قتل النساء، هذا يجب ان ينتهي، وقد كلف وزير الداخلية للتاكد من ان ينال المجرم عقابه"!.. ولكن لحد الان، وبعد مرور أكثر من شهر ، وبحسب وسائل الاعلام، لم يتم العثور على الجاني. ذلك امر طبيعي جدا في هذا البلد، لان العديد من ملفات قتل النساء اما تظل مغلقة الى الابد، او حتى وان تم القاء القبض على الجناة، فسوف يتم الافراج عنهم بعد فترة دون عقاب.

ان العنف ضد المراة يتخذ اشكالا متعددة حول العالم، منها: الضرب، التشويه الجسدي، القتل، الحرق، الرمي بالحجارة، رش الحامض، التطاول والتحرش الجنسي، كوي الثدي، اختطاف العروس، الختان، تزويج الصغيرات، الزواج الاجباري وبالقوة، البيع والشراء، التعذيب النفسي والاهانة، التهميش، الحرمان من الاكل والشرب والعلاج والادوية والنقود، التهديد والملاحقة على السوشيال ميديا.. الخ. ان لم يكن قسما من هذه الاشكال موجودة في العراق وكوردستان فيما قبل، ففي السنوات الاخيرة نرى ونسمع المزيد والمزيد منها هنا.

مقابل كل امراة تقتل هنالك الألاف منهن مهددات بالقتل والتعنيف، قتلهن ممكن في اية لحظة. وان الحقيقة هي ان الفتيات والنساء في جميع انحاء العالم يعشن في حالة انعدام الأمان، فهن يعشن في حظر ابدي، يخرجن من البيت (ان سمح لهن بالخروج!) وايديهن على قلوبهن ان لا يصبن بمكروه!. هذه الحالة ليست طبيعية، وانما هي من صنع نظام دونية المراة والهيمنة الذكورية الذي نعيش فيه وهو الذي يفرضها علينا.

عقب مقتل الشابة البريطانية سارا ايفرارد ذات الـ 33 عاما من العمرفي احدى الشوارع المكتضة بالناس وسط العاصمة لندن يوم 3.3.2021، تم الاعلان عن وجود 115 حالة قتل للنساء في بريطانيا من قبل الزوج او الشريك او الاقرباء خلال العام الماضي. هذا يعني مقتل امراة كل ثلاثة ايام. لا شك ان اعدادا ملحوظة من الرجال يقتلون ايضأ، ولكن هناك حقيقة واقعة وهي ان المراة تقتل لا لسبب سوى لكونها انثى.


اتهام الضحية والتشكيك بها:

حين تتعرض امراة او فتاة للعنف الجسدي او النفسي او التطاول الجنسي عليها وتريد الابلاغ عن ذلك، يتم قبل كل شيء تفحص سلوكها وافعالها وملبسها هي، ويتم النظر اليها بعين الشك والريبة. يتسائلون: يا ترى مالذي قالته او فعلته حتى اغضبت الرجل؟، لماذا كانت خارج البيت في تلك الساعة؟ وما كانت تفعل في ذلك المكان؟، ما كان نوع ملبسها؟، كيف كانت تمشي؟، ومع من تحدثت؟... بدلا عن الاستفسار عن تصرفات الجاني. فان كل مجتمع في العالم وضع قالبا معينا لتصرفات المراة، حيث ان اي تجاوز لحدود هذا القالب يعتبر جريمة.
الألاف من الفتيات قتلن ويقتلن بسبب مشاكل غشاء البكارة، فقط بسبب جهل المجتمع بالحقائق العلمية لهذا الجزء من جسد المراة.
تفيد التقارير من الشرطة البريطانية بان المراة تتعرض بالمعدل الى 28 حالة تعنيف قبل ان تتصل بهم، وانه يتم تسجيل 15% فقط من حالات الاغتصاب، اي ان 85% تظل غير مسجلة.


دور القانون:

يمكن للقانون لعب دور مهم جدا في تحقيق درجة من الرفاهية والامان للنساء والصغيرات. التعليم احسن نموذج. حيث انه باتباع سياسة منع الامية بين الاطفال من كلا الجنسين، يؤدي الى تنشئة اجيال اكثر وعيا بحقوقها، وبالاخص يتيح للفتيات فرصة الخروج من البيت والثقة بانفسهن وتحقيق استقلالهن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ان القانون في العراق والدول المجاورة والشرق الاوسط، مصاغ على اساس الدين الاسلامي والشريعة، ولاياخذ ادلة الفتيات بنظر الاعتبار، ولكن نفس ذلك القانون يتيح وبكل بساطة تزويج الطفلة ذات الـ 9 سنوات، ويرميها في جحيم حياة غير أمنة ساحقا كل امالها واحلامها المستقبلية.

في العراق، ينيط قانون العقوبات المادة 41 للزوج حق "تاديب" الزوجة، حيث ينص على:
"لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالا لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالا للحق:
تاديب الزوج لزوجته وتاديب الاباء والمعلمين ومن في حكمهم الاولاد القصر في حدود ماهو مقرر شرعا او قانونا او عرفا".

قانون الزواج في اليمين يطلب من المراة ان لاتترك البيت بدون اذن من زوجها!
في بعض من البلدان مثل افغانستان والهند يُعطى اهتمام كبير للحالة الجنسية السابقة للمراة، في حال تعرضها للاعتداء الجنسي. وكانت افغانستان احدى الدول التي وقعت تحت انتقاد شديد بسبب اتباع "الفحص الاصبعي"- والذي هو عبارة عن فحص داخلي للنساء اللاتي يسجلن حالات الاعتداء الجنسي، فيضع الطبيب اصبعين في مهبل المراة لكي يتفحص مدى كونها "متعودة على الجنس"؛ اي اذا تبين انها كانت قد مارست الجنس باي طريقة من قبل، فان الاعتداء لايعتبر جريمة!.
هذه الممارسات تشكل عائقا كبيرأ امام العديد من النساء يمنعهن من الابلاغ عن الاعتداء الجنسي. ان هذا النوع من الفحص ليس سوى استهانة بالمراة ولا يمكن استنتاج اي دليل ذو صلة منها.

عدم حساسية المجتمع:
عندما تتعرض امراة للاعتداء او التعنيف تجد نفسها في جحيم، ليس فقط بسبب المعاناة التي تعيشها، بل انها تجد نفسها وحيدة وبدون سند، فهي تتردد مرات ومرات من البوح بما تمر به والابلاغ عنه لان المجتمع الذكوري يضع امامها مئات والاف العقبات.
ان المجتمع غير حساس تجاه الظلم على المراة ويضع اهمية اكثر للرجل، وخاصة اذا كان المتهم شخصا معروفا وذو مكانة اجتماعية معينة. وحتى اولئك الذين يصدقونها لايستطيعون رفع صوتهم لانهم سيسكتون بنفس الطريقة.

بالاضافة الى أن المجتمع يهمل شكواها ولايصدفها، يخضع النظام القضائي والشرطة كذلك لخدمة نفس الثقافة الذكورية. يوضع على كاهل المراة (وحتى الطفلة) مسؤلية جمع الادلة حول شكواها، وحتى بعد ذلك لاتؤخذ ادلتها بالاعتبار.

معظمنا نتذكر ماساة الشابة الكردية به ناز محمود، التي قتلت على يدي والدها واعمامها واولاد اعمامها في بريطانيا في 2006. كانت به ناز، ذات العشرين عاماً، قد سجلت اكثر من خمسة شكاوى لدى الشرطة البريطانية منذرة بان حياتها في خطر!.
معاداة المراة وربط شرف الرجل بالمراة وتفضيل الذكور على الاناث مثبتات في القانون الرسمي للبلاد في العراق وكوردستان. وان قتل المراة لاينظر اليه كجرائم القتل الاخرى فان العديد من قتلة النساء يجوبون الشوارع بحرية في المجتمع، وحتى ان بعضهم من الساكنين في البلدان الاوربية يعودون لكوردستان للقيام بجرائمهم كونهم يتسنى لهم الافلات من العقاب هناك.

ان المجتمع الطبقي الراسمالي نظام لا مساواتي، مبني على اساس الفوارق في المجتمع ويرسخ تلك الفوارق ويعيد انتاجها على الدوام. عنف الرجل ضد المراة هو جزء من ثقافة سيادة قسم من المجتمع على القسم الاخر، وان الحركات القومية والدينية والميليشياتية المسيطرة في العراق وكوردستان هي تمثيل وترسيخ لشراسة النظام الطبقي هذه. ان الانتهاء من الماساة يتطلب جهودا وعملا مظنيا وعلى جميع الاصعدة. ولكن ماهو واضح هو ان النظام الموجود حاليا، لايتوقع منه ابدا انجاز ذلك، وليس ذلك فحسب، بل انهم بثقافتهم وفكرهم ونظامهم السياسي من اكبر العوائق امام انهاء الظلم ضد المراة.

شيرين عبدالله

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية