هل يعقل ان يكون الجهل هو الحل ؟

عماد نصر ذكرى
2021 / 7 / 5



المعرفة قوة و اعمال العقل النقدى فى الموروث الثقافى هو الذى أخرج أوروبا من ظلمات وضلالات العصور الوسطى إلى نور التقدم و العلم و الحداثة. و نحن مازلنا خاضعين لثقافة العصور الوسطى نرتعب من التجديد و نرتعد من الخروج عن المألوف . نستعذب السير بجوار حائط التقليد والتقوقع تحت سقف الخمول والكسل والتبلد والغفلة. و ينسب الى نبى الإسلام ما ينفر من المعرفة بإعتبارها خطراّ داهماّ ورجسا من عمل الشيطان.
بعد هجرة الرسول إلى يثرب وإحتكاك أصحابه فكريا باليهود، جاءه عمر بن الخطاب ناسخاّ أجزاء من التوراة وشرع يتلو عليه ماتيسر منها فإستشاط محمد غضباً و إحمر وجهه ونهر عمراً بشدة قائلاً : " أفى شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آتى بها بيضاء نقية؟ لو كان أخى موسى حياً لم يسعه إلا اتباعى (1) ثم نادى النبى بالصلاة جامعة. يقول الأستاذ خليل عبد الكريم فى كتابه محمد والصحابة: " النداء للصلاة الجامعة لايكون إلا فى النوازل الكبيرة والملمات الجائحة. ترى ما الذى أفزع محمدا لهذه الدرجة الجانحة فيما أقدم عليه عمر. فالتوراة التى قرأ ابن الخطاب جزءاً منها تلا الرسول قرآناً يقول فيه : " و كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله" . "وإنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور " (المائدة 43 و 44). و إن كانت النسخة التوراتية التى إقتناها عمر مخالفة لقرأن محمد فما كان لمحمد ان يجزع هكذا لو كان واثقا ان كتابه لا يأتيه الباطل من خلفه أو بين يديه و انه فرقان يفرق بين الهدى و الضلال و يعرى الغث من الأفكار و العقائد الأخرى . فالشاعر الإنجليزى كبلينج يقول " لايعرف وطنه من لايعرف إلا وطنه".
يفهم البعض من هذه الواقعة أن محمداً يرفض الإطلاع على الكتب الدينية الأخرى لكنه لايعادى المعرفة على إطلاقها فهو القائل "إطلبوا العلم ولو فى الصين" وإن كان البعض يفسر العلم هنا بأنه العلم الشرعى. لكن ردود أفعال ابن الخطاب اللاحقة تؤكد انه فهم حتمية عدم الإطلاع على أى كتاب بإستثناء القرآن. فهل أساء عمر الفهم وهو الذى قال فيه محمد " لو كان بعدى نبى لكان عمر".(2)
حين أصبح عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين جاءه رجل يقول له. " يا أمير المؤمنين إنا لما فتحنا المدائن أصبت كلاماً فيه كلام معجب. فسأله عمر : أمن كتاب الله ، فلما أجاب الرجل بالنفى ضربه الخليفة العادل بالدرة لمجرد أنه يقرأ فى غير القرآن (3) . وقد أعلن الشيخ شعراوى يوماً متفاخراً إنه لم يقرأ الا القرأن منذ عشرين عاماً لأنه يستغنى به عن أى كتاب آخر. ومازال هذا الرجل رمزاً شامخاً وإماماً مجدداً فى نظر أتباعه ودراويشه وهم بالملايين. ونعود للفاروق الذى ضرب بقسوة مفرطة رجلاً يدعى صبيغ لأنه قرأ القرآن قراءة نقدية وتساءل عن المتشابه من آياته.
إنهال عمر بعراجين النخل على رأسه حتى سال دمه كما أنه أوصى ألا يجالسه أحد من المسلمين (4) كما لو كان يحمل وباء معدياً فجعله منبوذاً ملفوظاً من الجميع لمجرد أنه لح عليه تساؤل وجاهر به وطلب جواباً شافياً من الخليفة الذى حسبه حكيماً عادلاً. و الغريب أن يصدر هذا الأمر من عمر الذى أوقف نصوصاً قرآنية بعد توليه الخلافة. و نفهم من هذا أن المسموح به هو قرآءة القرآن بدون تعقل أو تفكر أو تدبر و تنحية جميع الكتب الأخرى وتجنب كل مصادر المعرفة. ومصر للآن تكافئ الأطفال الذين يحفظون القرآن عن ظهر قلب بإعتبارهم عباقرة وهم فى الحقيقة مروضون منذ نعومة أظافرهم ليكونوا أبناء طاعة يقدسون النقل ويلغون العقل و يسيرون كالخرفان خلف راع صالح احيانا و طالح غالباً.
بينما يعتبر فلاسفة اليونان الأجوبة عمياء والأسئلة مبصرة لأنها تقدح زناد الفكر وتفتح أمام العقل مناهجاً ومنافذاً جديدة للرؤى، يرى إبن الخطاب أن السؤال حرم والقراءة فى غير القرأن جريمة بل أن أحفاده للآن يمنعون تواجد أى كتاب دينى بإستثناء القرآن على أرضهم الغافلة القاحلة فقيرة الفكر. وهل نستبعد ان يكون عمر بن الخطاب أوصى عمرو بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية وهو بهذه العقلية المتحجرة ؟ ينفى الفريد باتلر عن العرب الواقعة بينما يرجحها يرجح إبن خلدون حيث يقول فى مقدمته " أن العرب إذ تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب لأنهم أمة وحشية كما أن من خصال العربى انه لايطيق أن يرى حضارة مزدهرة ودائما يميل الى تخريبها كلما سنحت الفرصة. وكان الجنود الذين صحبهم عمرو بن العاص فى فتوحاته فى مصر من البدو القح الذين لم تهذبهم الحضارة والمدنية ومن ثم فأنهم لم يقدروا الكتب والمكتبات حق قدرها" (5)
و يذكر المقريزى أن ابن العاص استشار ابن الخطاب فى أمر مكتبة الاسكندرية فجاءه رد خليفة المسلمين انه إذا كانت الكتب التى تحتويها المكتبة لا تحتوى على شئ غير المسطور فى القرآن فهى كعدمها ,و إذا كانت تناقض مت جاء بالقرآن فهى ضارة و مؤذية ولا يجب حفظها, مما يعنى انه يجب التخلص منها فى الحالتين وأمر إبن العاص بإستعمال هذه الكتب القيمة كوقود فى حمامات الإسكندرية (6) كما أن إبن الخطاب أوصى سعد ابن أبى وقاص بطرح كتب الفرس فى الماء بعد ان هزمتها جيوش المسلمين قائلاّ : " لو كان ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالاَ فقد كفانا الله (7) . والجدير بالذكر انه لم يشب أى عالم أو فيلسوف من الذين أثروا الثقافة الإسلامية فيما بعد فى جزيرة العرب المرعوبة من المعرفة و المؤمنة بأن الجهل هو الحل.

المراجع :
1. الشرح الكبير لشمس الدين المقدسى – على هامش المغنى – المجلد السادس صفحة 313
2. مسند أحمد بن حنبل
3. حياة الصحابة للكندهلوى الجزء الثالث صفحة 124
4. الإمام مالك : الموطأ
5. مقدمة ابن خلدون صفحة 194
6. المواعظ و الأعتبار فى ذكر الخطط و الأثار للمقريزى جزء اول صفحة 159
7. مقدمة ابن خلدون ( فصل العلوم العقلية و أصنافها )

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية