يا أهلا بالمعارك

خليل قانصوه
2021 / 7 / 5

نسمع بين آونة و أخرى ، آراء و اجتهادات حول تراتبية المراحل الواجب أخذها بالحسبان في سيرورة التحرير الوطني . أغلب الظن أن بعض الطروحات في هذا المجال تغفل في مقاربة هذه المسألة ، تمييز النضال التحريري تحت الاحتلال المباشر من النضال التحريري في ظل شبه الدولة أو الدولة تحت الوصاية حيث يكون التحرير غير مكتمل أو قل شكليا .
ما أود قوله في هدا الموضوع هو أن حركة التحرير الوطني ترتكب خطأ كبيرا ، قاتلا في أكثر الأحيان ، عندما تدعو إلى تأجيل المواجهة ضد الدولة " الوطنية " الخاضعة للوصاية الإستعمارية ، بحجة التفرغ أولا لإفشال محاولات المستعمر احتلال البلاد من جديد عن طريق تجنب الحرب الأهلية .
توصلنا مداورة هذا الموضوع في الذهن إلى خلاصة مفادها أن الذود عن البلاد و ترك المفسدين يعبثون فيها و المتعاونين يمرحون و يسرحون في أنحائها ، هما أمران لا يستويان. أما الإدعاء بعكس ذلك فمرده في أغلب الظن إلى مفهومية غامضة لمصطلح شبة الدولة أو للدولة تحت الوصاية أو للدولة ذات السيادة المنقوصة .
لا نجازف بالقول أن تسمية شبه الدولة تنطبق في معظم الدول العربية . من كان لديه شك في ذلك فإن الحملة الإستعمارية الغربية تحت عنوان " الربيع العربي "بددته .من المعلوم في هذا السياق أن شبه الدولة في لبنان هي النموذج الأكثر دلالة ، لجهة تركيب السلطة الحاكمة من ناحية ولجهة انعدام اندماج الناس في مجتمع وطني واحد من ناحية ثانية ، فلم تنشأ بالتالي أمة وطنية . ينبني عليه أنه يحق للمراقب أن يتساءل عما إذا كان المستعمر موجودا في داخل البلاد أو أنه انسحب منها في ظاهر الأمر ، بعد أن وضع وكلائه في المراكز المناسبة .أما إذا كان حاضرا ، بشكل من الأشكال ، فما هي مبررات التلويح بعودته إليها و احتلالها مباشرة من جديد ؟ الإجابة باقتضاب ، إن غاية المستعمر هي تدعيم شبه الدولة أو ترميمها و إصلاحها لكي تكون أكثر قدرة و كفاءة على القيام بما يوكل إليها من مهام . هذا لا يعني أن المستعمر لا يضطر أحيانا إلى إنزال قواته مؤقتا من أجل إعادة التأهيل و معالجة نقاط ضعف .
يحق لنا إذن أن نسأل عما يميز السلطة في شبه الدولة من المستعمر الذي يحشد قواته العسكرية عند تخوم البلاد استعدادا لإنزالها من أجل حماية هذه السلطة ؟ لا أظن موضوعيا ، أن بالإمكان الفصل بين السلطة في شبه الدولة من جهة و بين رعاتها في الخارج من جهة ثانية . خذ مثلا على ذلك في لبنان حيث رافق الإسرائيليون الحرب الأهلية ، ثم رافقت قوات حلف الأطلسي الغزو الإسرائيلي منذ اليوم الاول في 1982 ، إلى تاريخ اندحاره في سنة 2000 عندما تموضعت قوات حلف الأطلسي جنوب نهر الليطاني . لا يخفي بالمناسبة أن المزاوجة بين الغزو و الحرب الأهلية ،كانت معاينة بوضوح خلال الإعصار المدمر الذي ضرب شبه الدولة العربية في الجزائر و العراق و ليبيا و سورية ، وهو من و جهة نظري لا يختلف جوهريا عن الإعصار الذي يتعرض له لبنان منذ ينوات 1970، على عدة مراحل متفاوتة الشدة .
أصل بعد هذا كله إلى التفكر في الأسباب التي تجعل بعض الأفرقاء على الساحة الوطنية ، الذين يطلبون من الناس ، طوعا أو كرها ، أن يأخذوا منهم موقفا إيجابيا مطلقا ، كونهم يتصدرون حركة التحرير الوطنية ، يعلنون صراحة أن واجب الدفاع عن البلاد يتطلب امتلاك وسائل قمينة بردع المستعمر عن العدوان و الغزو من جهة و بذل كل الجهود من جهة ثانية سعيا إلى الحيلولة دون تـفاقم الخلافات على الصعيد الداخلي و الإنزلاق إلى حرب أهلية . يبدو هذا النهج غير منطقي استنادا إلى المعطيات المثبتة و الكثيرة عن وجود تنسيق في أغلب الأحيان بين العدو الخارجي و وكلائه في السلطة ،ما يجعل هذا العدو قادرا على إشعال الحرب الأهلية متى شاء . فلا مناورات سنوات السبعين في لبنان من أجل إطفاء الحرب الأهلية حالت دون احتلاله ، و لا التوجه غربا صان العراق و سورية من الحرب الأهلية و من الغزو .
مجمل القول أن التجارب تدل على ان التهدئة تكون على الصعيدين الداخلي و الخارجي معا أو لا تكون . لذا يتساءل المرء إلى متى يبقى الناس خاضعين لسلطة تعمل لخدمة مصالحها و مصالح الأعداء ، وتضعف تدريجيا قدراتهم المادية و ثقتهم بأنفسهم .










عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي