تآلف

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 4

عند ما كانت هوايتي القتلَ.. كنتُ أحبّها.. وحين غدتْ حرفةً.. بِتُّ أمقُتُها.. ومع ذلك تحولتْ إلى عادةٍ لا أستطيعُ الفَكاكَ منها.
صيادٌ أنا.. تحوَّلتْ هوايتي إلى طبعٍ في سُلوكي.. أَمْتَهِنُ القتلَ.. لم يبقَ سِوى الطيورِ الصغيرةِ والعصافير.. هجَرَتْ الكبيرةُ المكانَ.. فضّلتْ الغربةَ بحثاً عن مرعىً وافرٍ.. وعشٍّ آمنٍ.. فهل ابتعدتْ خوفاً من بندقيتي؟.. أظنّها تهاجرُ لأسبابٍ أخرى.. الهجرةُ طبعٌ في سُلوكِها أيضاً.. فالسنونو طائرٌ صغيرٌ ويهاجرُ.. ليس لطيورِ الماءِ والحقولِ والعصافيرِ قدرةً على الابتعاد.. السفرُ قد يكون مشقةً وغربةً وضياعاً.. والبلادُ عزيزةٌ عليها وإنْ جارتْ.. والأهلُ في نظرِها يظلُّون كِراماً.. ولن ينقطعَ الحَبُّ والثمارُ من السهل والجبلِ.. فالخيرُ للجميع حتى وإن كان لها الفُتاتُ.
صيادٌ أنا.. علّقت بندقيتي بكتفي.. خرجتُ أبحث عن صيد في أي مكان.. في الفضاء.. على الشجر.. في الجبال والوديان.. أو على أطراف البحيرات والجداول.. أصطاد العصافيرَ حتى لو اختبأت في شقوق الجدرانِ.
أرى الطبيعةَ اليومَ حُلُماً صيفياً.. تستدعي النفسَ للحظاتِ وئامٍ.. أُحِسُّها مساحةً تعانق راحة أعصابي.. كأن انطلاقي بعضُ فِتْنَتِها.. تمدَّدْتُ مستلقيا وإلى جانبي وضعتُ بندقيتي.. أكتشفُ فجأة سحرَ الطبيعةِ وجمالَها المدهش.. حين يقعد المرء متأملا ينشد الرضى.. كأن للطبيعة دوراً تقدِّمه لي غيرَ الصيد والقتل.
على سفحٍ أخضرَ.. تحت شجرة تين متنوعةَ الألوان والطعم.. أراقب نهوضَ الشمسِ البطيء.. تُلقي بسلامها على الكون فتستقبلُها الطبيعةُ بابتسام ومرح.. يمرُّ بجانبي جدولٌ نقي.. يتأوَّه تحت الشجرة ويعزف لحناً ممتعاً.. يشترك معه عيدانُ قصبٍ تداعبُها النسائم.. وتهلِّلُ أغصانُ وأوراق الشجر سروراً.. فتزغرد روحي.
رقودي يبعثُ الأمان.. أَمُدُّ بصري نحو الأفق.. الألوان المتناغمة ديكورُ المعزوفة الرومانسية للطبيعة.. أُحِسُّ بأُلفةِ ما حولي.. يملؤني بهجةً هذا الهدوءُ المتدفقُ منذ مدةٍ.
فجأة يجرحُ سلامةَ انسيابِ السكونِ.. جُرعةٌ من الضَّجة فوقَ رأسي.. تحُطُّ مجموعةٌ عصافيرَ
تغَرِّدُ وتزغْرِدُ.. ترفعُ من جمال وروعة المشهد.. فيسمو بي تآلف النغم الفريد.. نغم الطبيعة والحياة.
بحذرٍ أمُدُّ يدي إلى بندقيتي.. لأن طبعي يغلبني.. يدفعني لأمارس غوايتي.. يسقط فرخ صغير على صدري منهكا وتعبا.. ضعيفا يحاول التحليق فيفشل.. كأنه فرحٌ بما علمته أمه.. يطير قليلا ثم يقع.. أَترُك البندقية.. ينُطُّ مرفرفا ويبتعد.. أمدُّ يدي إلى البندقية.. يقفز عائدا إلى صدري.. مازال قليلً الخبرةِ بأعدائه.. وخاصة البشر.. إنه يلعب معي ويداعبني.. أُبْعِدُ يدي عن البندقية.
زقزقاتُهُ المتقطعة بجهد شاق.. تنُمُّ عن إعياء وجوع.. يقفز إلى الأرض مرات ويعود.. يقْسُرُني على الابتسام.. بعد أن هيَّأْتُ نفسي للمواجهة قبل أن يبتعد هاربا مني.. قررتُ القبض عليه.. لكنه رجع نحوي بقفزات واهنة.. يقفز ويقع.. كأنه يقول لي لا تُتْعِب نفسك.. أنا جئت إليك.. فافعل بي ما تشاء.
وقف على ذراعي.. ينظر في وجهي ويزقزق.. خِلتُه يحدِّثُني.. يتَّهمني أو يعاتبني.. يرجوني ويتوسل إليَّ لأساعدَه وأطْعِمَه وأسقيه.. مدَدْتُ يدي نحوه.. لم يتحرك.. وبسرعة خاطفة غادرة قبضتُ عليه.. صار في كفي.. توهمتُ أنه ضحك مني ساخرا.. كأنه يقول لي تبدو سعيدا بانتصارك عليّ وفوزِك بجسمي النحيل.. ألا تراني لم أتحرك أبدا.
آه يا صغيري.. أنت الآن في يدي دون أن أخسر طلقة واحدة.. آ آ آه لكنك صغيرٌ جدا أيها الفرخ.. ماذا أفعل بك؟.. أنت لاتسمن ولا تغني من جوع.. أطوِّقُك الآن بكفي.. وباستسلام تقبع في قبضتي.. سخونتُك لسعتْ يدي.. حرارتُك مرتفعة.. أنت مُتْعَبٌ ومريض.. أستطيع فصل رأسك عن جسدك بإصبعي.. وأنتف ريشك الطري.. ثم أشويك وأبتلعَك.. فماذا أنت ترى؟.. ثق يا صغيري أني ألتَهِمُ عشرين مثلك.. وربما أكثر في وجبة واحدة.. فماذا ترى؟.
نظرتُ فوقي.. إني أستمتع بفيء هذه الشجرة.. ونغم الجدول النقي.. لكن ينقصني تلك العصافير العشرة.. التي تتحداني فوق الشجرة.. سأضيفها إليك لتكونوا وجبة معقولة.
أنظر.. أصدقاؤك على الأغصان يغنون نشوةَ حريتهم.. ويأكلون ما طاب من حبات تين ناضجة.
اسمع أيها المسكين.. سأحاول صيد العشرة جميعَها.. ابْقَ أنت هنا على صدري وراقب كيف تتساقط بالتتالي.. هه.. هذه بندقيتي فيها عشر طلقات تماما.. سأبدأ من اليمين .. هه.. طاخ
آآآآآآآ ه خيبتي كبيرة.. لم يسقط منها واحدٌ.. طارت جميعها.. ولم أعد أسمع غناءها.. كانت تؤانسُنا معاً.. ألا ترى أنها كانت تسلينا؟.
وأنت ماذا أفعل بك الآن؟.. أراك ضعيفا.. ليس فيك مضغةُ لحمٍ.. وألامس فيك عظاما وريشا فقط.. كأنك لم تأكل شيئا منذ أيام.. وقد لا تعرف كيف تحصل على حبة غذاء.
انتظر قليلا.. سأطعمك من تين الشجرة.. وأسقيك من ماء الجدول.. وسآكل معك حتى نشبع.. واقفز حولي وغني وارقص.. فأنت لم تغادرني.. ولم تفر هاربا مني.. لأنك أَلِفْتَني وأنا أيضا أَلِفْتُك.
تبدو لي كأنك شبعتَ.. اشرب قليلا من الماء ثم اقفز كما تحب.
آآآه ما أجمل صحبته.. كيف لم أكتشف هذه المتعةَ من قبلُ؟.. ها هو يستعيد قواه.. يمدُّ رقَبَتَه وينظر حوله.. هل هو ضجِرٌ من صحبتي لأني طيَّرتُ جماعتَه ببندقيتي؟.. أم هو سعيد معي؟.
هه.. صار يتنقَّل .. يدرُجُ حولي ولا يفارقني .. يقفزُ ويرفرف.. ينطُّ من حافة الجدول إلى الثانية.. يمد منقاره إلى الماء.. يغرُفُ قليلا ويطير إلي.. يكْرُج حولي.. أتمدَّدُ من جديد.. أراقب استمتاعه بحريته.. بعد أن شبع وتعافى.. إنه الآن آمِنٌ.. يثِبُ إلى صدري.. يزقزق.. يمدُّ منقارَه إلى شفتي.. خلته يقبِّلُني حُبَّاً.. يلتقط بقايا تين عالق بها.. يرفع صوتَه.. ينادي.. تمتلئ الشجرةُ بالعصافير.. تشاهدُهُ واقفا فوق صدري.. ويلاعبَني فرِحاً بي.. يهبُطُ عصفورٌ ويقف عنده.. يقفز آخرُ إلى جانبِهما.. تطمئِنُّ العصافيرُ كلُّها.. تقفز وتصير حولي.. صارت جميعُها بمتناول بندقيتي.. لكنه مشهد كالحلم.. لم أصِّدق ما يجري حولي.. كأني في عالم غير عالمي وحياة غير حياتي.. أنا الذي أسعى لقتل الطيور.. أشعر معها بأُلْفَةٍ ومحبة تفيض بها نفسي الآن.. لو كنت أعيش في اليابان لاعتقلوني مثلما اعتقلوا غراباً اعتدى على الأطفال.. ولأني أخرُق قوانينَ الطبيعة.. أحمد الله لأني لم أُخْلَقُ في اليابان.. قفزتْ جميع العصافير نحو الجدول.. شربتْ وغنَّتْ ودارت حولي.. بعضها يصعد الشجرة ويعود إلي.. تسري في نفسي وجسدي رعشةُ محبة.. ودفقاتٌ من الراحة وصفاء النفس.. تتسامى روحي.. أنسى أني صياد.. وأنسى بندقيتي.. بل أكرهها.. صرت أراها عصا منخورة بالديدان.. أذوب في جو خيالي لا يصدق.. أستسلمت لحالة من الأمان والرضى.. أُغْمِضُ عينيّ.. أتنهَّد .. أبتسم.. أغفو.. ثم أغوص في حلم عذب.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب