الحكم بإسم الله

سعود سالم
2021 / 7 / 4

أركيولوجيا العدم
53 - ظل الله على الأرض

عبرت الحضارة أو الثقافة السومرية مجازيا عن ثورة العبيد الإجتماعية بواسطة قصة ثورة الإيجيجي والتي أدت إلى خلق طبقة جديدة من العمال وهي طبقة البشر. وهناك مفارقة غريبة بخصوص ديالكتيك السيد والعبد، مفادها أن الإنسان، وهنا نقصد الإنسان الكاهن ورئيس المعبد، تصور علاقته بالآلهة على غرار علاقة البشر أو "الشعب" بالسلطة الحاكمة، وبالذات بالسيد الحاكم، علاقة ولاء وخوف ورهبة، تجاه الإله الأكبر. فهو يخضع لهذه القوة العظمى الإلهية، وفي نفس الوقت يخضع لقوة الحاكم الذي يجسد هذه السلطة الإلهية. فالإله خلق أولا على صورة الحاكم كنموذج واقعي في المجتمع، ثم أصبح هذا الإله مبررا لكينونة الحاكم وضرورته، أي أن أحدهما يبرر الآخر ولا نعرف من هو الأصل ومن هو الصورة أو النسخة. وفي مصر القديمة، تتجلى هذه المفارقة بشكل أقوى، فعلى سبيل المثال، ومنذ قيام الحضارة المصرية في وادي النيل منذ حوالي أكثر من خمسة آلاف عام كان الإنسان المصري القديم ينظر إلي حاكم البلاد علي أنه من سلالة الآلهة ذلك إن بناء هذه الحضارة كان قائما على بعض الأساطير و المعتقدات الدينية مثل أسطورة إيزيس وأوزيريس. و قد ذكرت الأسطورة أن ابن إيزيس و أوزيريس، الإله حورس هو الحاكم الفعلي لبر مصر، ومن ثم فإن كل ملك أو فرعون تولي حكم مصر وجلس علي عرشها لم يكن إلا نائبا عن الإله حورس علي الأرض ويحكم في ملكه وبإسمه، فإذا مات تحول الملك إلي شهاب ينطلق إلي السماء لكي يندمج مع الإله أوزيريس إله الموتي و الحاكم الفعلي للعالم السفلي والقاضي الذي يقوم بمحاكمة البشر علي أفعالهم علي الارض.
تقول نوال السعداوي : "كان الإله رمسيس هو فرعون مصر، يحكم سياسيا، ودينيا، فى آن واحد، يرتدى ملابس الحكم فى الأعمال الخاصة بالسياسة والاقتصاد والدولة، ثم يتنكر داخل الثوب الدينى، ليحكم باسم السلطة الإلهية. وكان الكهنة، ورجال الدين، من حوله، يخدعون الشعب باسم الإله، يفرضون الضرائب، على هيئة قرابين تٌقدم فى المعبد، ويستولون عليها. ولم يكن للكهنة أى عمل منتج. فقط يتمتمون بالآيات المقدسة، وأيديهم بدماء الشعب ملوثة. كانوا يوهمون الشعب أن الإله يملك حياتهم، ورزقهم، وأعناق أولادهم، ويملك أيضا موتهم. فى البداية، كانت القرابين تقدم للإله، بشرية، حيث يذبح الأب ابنه البكر، ويقدم بناته العذراوات، كل شهر، حينما يكتمل القمر، ليتم اغتصابهن من قبل الكهنة، ويشتغلن خادمات فى المعبد. وهناك قبائل، ومناطق مختلفة فى العالم، يقدم رجال الدين، للحاكم فتاة عذراء كل شهر، يغتصبها، ليرضى عن العبيد المحكومين بسلطته، ويمنع عنهم الكوارث الطبيعية مثل الزلازل، والبراكين، والفيضانات، وكذلك يحميهم من الإصابة بالأمراض. وكان المصريون القدماء، يعبدون النيل، إلها، يقدمون له عذراء، هى عروس النيل، ليمنع عنهم غضبه، وفيضانه المدمر."
وثورة الإنسان على الآلهة نجدها بوضوح أكثر في الميثولوجيا المصرية، حيث ثار البشر ضد خالقهم "رع" وذلك كما يبدو للإستيلاء على السلطة، والذي يقرر محوهم من على الارض بعد إجتماعه بمجمع الآلهة ونصيحة الإله نون Noun فيرسل إليهم الإلهة "حتحور Hathor" سيدة الطرب والنشوة في صورة وحش هائل لمعاقبتهم، وفي يوم واحد إفترست وقتلت جزء كبير من البشر وعبرت عن لذتها بالقيام بهذه المهمة، لكن "رع" يشفق على مخلوقاته الضعيفة ويقرر أن يوقف المجزرة، فيسكب الجعة خلال الليل على الارض التي أختلطت بماء النيل ويتغير لونها لتصبح حمراء كالدماء. أخذت "حتحور" تلعق هذا الشراب حتى ثملت و نامت، بذلك نجت البشرية من الإنقراض، لكن بعد أن خاب ظن "رع" في هذه المخلوقات الغير وفية، حيث قرر الانسحاب إلى السماء فاستقر فوق بقرته السماوية التي يرفعها الأله "شو"، و سلم إدارة الأرض للأله "تحوت Thot" و الرموز الملكية إلى الأله "جب"، وتم الفصل نهائيا بين البشر والألهة، و بدأ من هنا حكم الفراعنة الذين تختارهم الألهة ممثلين عنها في الأرض و شركاء لها في السماء.
ثورة الإنسان على الآلهة، هي بطبيعة الحال ثورة رمزية وفكرية يقصها الكهنة لتخويف الشعب وإرضاءه في نفس الوقت لمواصلة جلب الهدايا والعذارى والنذور للمعبد. وهذه الثورة الفكرية لم تصل إلى جذور الوعي الإنساني ذاته، نظرا لحاجة الإنسان إلى الآلهة إجتماعيا، أما على المستوى الفردي فربما كان هناك من لم يصدق خرافات الكهنة، وربما تكون ثورة البعض منهم تصل إلى حد الإنكار المطلق أو النسبي والتشكك في مصداقية وجود الآلهة وسلطتهم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى التشكك في ضرورة الحياة ذاتها.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار