كبرياء الراعية ( شولمين)

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 3

بعض الأفراد ,صورة للوطن.
...........................................
حاشية: (شُولمين)هي الفتاة الجميلة التي يختارها الشعب الفينيقي في لبنان , لتكون راعية للكروم , أرادها الملك سليمان ( النبي ) زوجة له فرفضته.
..........................................................

وراحت تتنقل من سهل إلى سفح, ومن واد إلى قمة جبل, وتنحدر إلى شاطئ لتلامس الموج , وتجوس البلدان والبساتين, مثل نسمة ترطب الزهر والثمر, فتزداد العناقيد نضوجاً, لتدور معاصر النبيذ, وتغرّد الصبايا حول العيون , مثل شلح نحل يؤم الرحيق.
كأن أهل البلاد يعتقدون أن كرومهم تحتاج أجمل الفتيات , وأطيب القلوب؟
كأنهم يؤمنون بأن حارسة الكروم تبارك حقولهم وكرومهم.
كأن آلهة تمنحها عصا البركة والعطاء.
كانت صبية تغفو بظل دالية تعرش على أشجار التفاح والتوت, وتتنفس عبق الليمون والبرتقال, فتحرسها السناجب والسنانير, والفراش والسنونو, حتى الأفاعي والثعالب والأرانب تقف جوار بعضها لتشكل مانعاً يحميها من أي أذى.
كان ملك البلاد المجاورة قد سمع بما تملكه (الراعية شولمين) من رضى الناس والآلهة, تلك الفتاة الغضة, تشع ألقاً ونضارةً وندى, يباركها الناس والآلهة.
استشاط الملك غضباً وحسداً, يعتقد أنه الوحيد, مقدر ومحبوب من الآلهة, لتخصه وحده بموهبة المعرفة الخالصة, وروح الحقيقة بين يديه, وتشمله البركة ومحبة الإنس وإطاعة الجن.
فكر في ضمها إلى ملكه وجواريه وإمائه, فأرسل جنوده يبحثون عنها بين العناقيد وزهر البرتقال, أو قرب جدول تتأوه على حوافه عيدان قصب.
توددوا لها بلسان ملكهم المبجل عندهم, أظهروا مزيداً من الخضوع والمحبة والليونة التي تختبئ في ثناياها نوايا سامة.
فخرجت كلماتها تنثر كبرياء وعزة, وتضوعت حروفها عبيراً من شفتيها كنفثات قارورة طيب.
قالت: ملككم متجبر وظالم.. لا ينشر المحبة.. ولا تحبه الطبيعة.. ومن لا يحتكم إلى المحبة.. لا تباركه الآلهة.. لينزع أوهامه من نفسه.. وليؤمن بأن الملوك خدام شعوبهم.. أبلغوه عني ..أنه يوماً لن يسود.
قالوا: بل ملكنا لطيف ورحيم.. يحبه شعبه وجنده ..وهو يسوس البلاد ويخدمها بإلهام الآلهة...وهو دوماً سيسود.
قالت: أنتم مدّعون مثل ملككم ..إنكم تتمسكنون حتى تتمكنوا.
قالوا: ظلمتِ ملكنا ملك الملوك.. وتاج العروش.
قالت: هو ظالم .. يميز نفسه وحاشيته عن شعبه... وما أكثر الذين يبزّونه رقة وعاطفة ومعرفة وحلماً وحكمة.. لكنه يغيّبهم في زنازين السجون الرطبة, لا يرون أحداً ولا يراهم أحد.
قالوا: ملكنا يختال على ملوك الأرض رحمةً .. وهو اختيار الآلهة ونعمتها.. أوحي إليه أنه يمتلكُكِ زوجةً وعروس العرائس وملكة العرش.. فلماذا تتمردين على اختيار الآلهة والملك.. وأنت راعية كروم؟
قالت: ما قلتم فيّ حقيقة.. إني راعية كروم في أرض بلادي .. فكيف أهجر الطبيعة مملكتي وأنزع حريتي وسعادتي بيدي؟.. إن ملكَكُم يحكم شعباً يتحطم وهو يتطلع إلى خلاصه وحريته.
قالوا: ملكنا يريدك أماً لأبنائه.. ليوحد الشعبين تحت راية ملكه.
قالت: ملككم عبدُ شهوتِه .. وغرورِه وجبروته.
قالوا: لن ترفضي عزّه وملكه وتقواه.
قالت: أرفض ادّعائه .. وعبوديتَه لي ولغيري.. أرفض سجني في قصوره الرخامية.. وقبابه الزجاجية .. ومراسيمه القاتلة لروحي.
قالوا: طاعت له أميرات الزمان.. ملكات الدنيا من جن وإنس.
قالت: هؤلاء معجبات به وحسب .. كما هو معجب بنفسه .. أما أنا فأمتلك قلباً محباً .. وأهيئ نفسي لشاب من بلادي .. فإن شباب بلادي لهم قلوب لا تفارقها المحبة.
يئس الجند فغادروا مخذولين, ولما أبلغوا ملكهم رفضَها له, غضب فانتقم. زجّهم خلف قضبان السجون, مدّعياً أنهم أساؤوا نقل مشاعره ورغبته فيها.
ولم يتأخر كثيراً, جهز جيشاً من الجند العتاة, مدججين بالسلاح الحارق, وأرسلهم يبحثون عنها بين الغدران والينابيع.
كانت البلاد ترتع بالأمان, تعزف ألحان البهجة والحياة, وتتباهى السماء بنجومها, والأرض بعناقيدها وكرومها, وناسها المخلصين الطيبين.
اكتسبوا المعرفة, وتزينوا بالوعي, وذاقوا طعم الحرية فاعتادوها, أدمنوها وقدسوها.
أحست السناجب والسنانير والفراش والسنونو والأفاعي والثعالب والأرانب والحجل والترغل, والسمان واليمان والحمام, أحست بالخطر القادم, فأسرعت تحذر الراعية (شولمين) من هجوم عسكر الملك المجاور, هتفوا قائلين:
(يبحثون عنك ليغتصبوك زوجةً لملكهم).
فأرسلت لملك البلاد المجاورة المتغطرس, رسالةً على جناح غراب, أطلق صوت نعيبه حتى وصل إليه. ففض الرسالة وقرأ قولها:
أرعبتَني .. أشهرتَ قولاً كالنجيع
وأنا ابتسامة برعم أوجَ الربيع
جرّب لسانك.. درّبه
وانثر على أطرافه نسغ النماء
واطلق حمامات الحياة .. كي تنشر الألوان
في أفق السماء
واجعل سلاحك في القلوب محبةً
وارسم على الشفتين ورداً ..أو ضياء
وافتح على درب النفوس
بيارق الأمل البديع.
نفر الغضب من عيني الملك, وأزبد مرتعداً ألماً .. وقطّع الرسالة بصلف.
عاد الغراب دامعاً, يحمل رد الرسالة على جناحه, فضّتها وقرأت:
أنا ملك الملوك
لا أشتري ممن يبيع
أنت الآن محارتي .. وأنا صيادها
أخطف سوسن الملكات.
قبل أن يرتد طرفك
فمهندي برق سريع.
طارت مسرعة على جناح الفينيق , فأخبرت أهلها بما يجري بين الكروم, وأن ملك البلاد المجاورة يغير على بلادنا ليغتصبني, زوجةً له, فهبّ جميع من في البلاد للذود عن حدودها, وعن راعية كرومها, وكرامتها, انتفضوا نساءً ورجالاً, وكانت خبطات أقدامهم تهز عرش ملك البلاد المجاورة.
طوقوا الجند, واحتجزوهم في قلعة نائية على قمم الجبال الثلجية. سلبوهم عتادهم, ثم تقدموا ليجتازوا حدود المملكة المجاورة, قاصدين الملك المغتصب الجبار.
أجهزوا عليه, وخلصوا العبيد من أغلالهم, وحرروا الحرائر والجواري والإماء والقينات, من لؤم القهر والظلم, في ظل حكم الطاغية, وراحت الجواري تميس مع النسيم, والقينات تصدح بالغناء المبارك, والحرائر تتزين بالحناء والعنبر.
هلل الشعب بأكمله فرحاً بانتصار الحرية والخلاص.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب