-اللون الأحمر في مربع روبيك- رواية الكاتب المغربي حميد الببكاري. -التجلية- على رهان -التخلية-.

نورالدين علاك الاسفي
2021 / 7 / 2

لم تكن قناعة الاحتفاء قمينة بالضرورة؛ لتجعلنا في مسيس الحاجة إلى تبني مشروعية؛ سترفق سعينا؛ و كلنا عزم على اجتياز عتبات هلت متسربة من رواية "اللون الأحمر في مربع روبيك"(1 ) للكاتب المغربي المقيم بالديار البلجيكية حميد الببكاري.
الوصل بالرواية هو بالكاد يحيل على متن حقيق بالإخبار عن أوالياتها. فالمعالم من الحدة مختارة؛ و منتقاة عن سابق تصميم. جعلها تداعب مخيلتنا بحرقة الرصد. فغدا معها الإقدام جديرا بأن يرعى سعينا بأناة. و منه نتغيا "الكشف" على قول الصوفية و لو بعد حين. لما بدا لنا أن إعرابه يخوض في أكناف توزعته "التحلية" بيانا. و "التجلية" برهانا. و"تخلية"؛ قد تصادر المطلوب؛ نتعشمها رهانا.

" الكتابة في درجة الصفر" من "التحلية" .

” تتحرك بركة ذاكرته، وتستيقظ من مائها الراكد أحداث عاشها بعنفوان وبكآبة اللحظة، تناقضات عاشها بمرها وحلوها، ولكن ميضار بإقليم الدريوش تبقى كما ظلت في ذهنه، المدينة التي عشقها وربط معها علاقة روحية تتعدى الأبعاد الواقعية الملموسة. ميضار لوحة فنية أندلسية مُقتطعة من التاريخ، ميضار لوحة تبهج النظر ببساتينها وأشجارها وورودها، امرأة فاتنة فُتن بها الخائن الشريف عبد المالك، قبل أن تأخذ عقل الجنرال فاريلا. لكنها تمردت وقاومت الخائن الذي دخلها راكبا جواده، فأُخرج منها ميتا محمولاً في تابوت. كما أنها سحبت البساط من تحت أرجل الإسبان، وهزت عروشهم بفضل رجالها الأشاوس. رحل الإسبان وهم يجرون أذيال هزيمة نكراء، تاركين وراءهم عتادهم وثكناتهم وحاناتهم التي ظلت مهجورة تبكي الليالي الطويلة والكؤوس المملوءة بالويسكي لغوميس وأليخاندرو وخوان، كؤوس ليالٍ استمرت عناكب الهجر والنسيان تعبث بها. أراد الإسبان شق ميضار والمنطقة بقطار ينهب ثرواتها وشحنها إلى مليلية. لكن القطار تعطل، ولم يعد يقرقع بعرباته الفارغة بعد توالي الهزائم في معركة أنوال ومعركة تفرسيت وألما و الكبداني، والاندحار الأخير بالعروي. مما جعل الإسبان يعجلون بعودتهم إلى جحورهم، لقد تبخرت الأحلام، فتعطلت عجلة التاريخ، فاختفى معهم أثر الخونة، وانسحبوا تباعاً وهم يتجرعون كؤوس الذل والهوان".

النص الآنف؛ يتصدر الصفحة الخلفية من ظهر غلاف الرواية؛ بانسياب تهل علينا كلماته، فارضة نفسها لتؤسس تواطؤا كان منتظرا. يأتي عابرا لتخوم الرواية؛رافق أوراقها مسودة، و اللحظة غدا ممهورا بعنوانها؛ مشكلا ضفتها الخلفية. و بات لها وسما؛يحيل إضمارا على رجع صدى؛ يعتمل في غور المتن؛ مبتغاه الرهان على تداول مأمول و في البال قارئ نموذجي منتظر.
لا نخفي عميق ما انتابنا من شعور بالغ؛ و قد تسرب إلى أحاسيسنا عبق الزمن القصي. و قد آل ذكرى ثاوية بين منعرجاته؛ تنضح بالحكاية العابرة لدروب التاريخ العصي؛ و كم كانت رغبتنا أنيسة؛ و نحن لا نجد في قرارة أنفسنا ما يردع إصرارا عنيدا. ناورته أعيننا فتركناها تلقط على سجيتها ما رقم على النافذة المواربة للغلاف.
و هذا ما ستتكفل به صفحة حميد بوبكاري على منصة التواصل الاجتماعي؛ فسارعت بالأخذ بيدنا، و رأسا أحالتنا على الدرب الواصل. فالمولود الذي رعاه الروائي جنينا زمنا؛ هو اللحظة في متناول مريديه. فليأخذوا عدتهم للسفر مع جرأة حكايته. و هي تنبش في الذاكرة العصية، سيتوزع مذاقها المر؛ الممزوج بطعم الحلاوة رهان أحداثها المشهودة.

 "تحلية" أولى.
• قطعة سكر من روايتي .. حميد البوبكري. ( 2)

"حلق الخيال بيوسف إلى الماضي البعيد، و فجأة وجد ذاكرته المتخمة بالنوستالجيا تعود إلى فاس بعد كل هذه السنوات الطويلة، وجال بخياله في الملاح، وعرج على باب الفتوح،ثم محطة سيارات الأجرة التي تفضي في كل الاتجاهات، وطاف بذاكرته على محطة حافلات مولاي يعقوب ببوجلود، وحي السعادة وزازا، وكل الأزقة التي تحمل أسماء رومانسية دافئة، ربما لا تعكس حقيقة واقعها، على غرار زنقة الورود وزنقة الأزهار، وأنواع مختلفة من الأشجار الجميلة.
حام بخياله إلى مقهى كلوريا، ومقر نجوم المغرب الفاسي في الثمانينات، أسوان والصباح وفلورنس، محطات المواعيد وكؤوس المحبة والعشق، ثم حانة الواف مقر محبي نادي الوداد الرياضي الفاسي، حيث كان يوسف وزملاءه يشربون نخب النجاح.....
أطلق زفرة نابعة من حنين جارف إلى ماض لن يعود أبدا، لقد كان يعاين فقط تدفقا سريعا لسنوات العمر وهي تندفع بجنون إلى الأمام، تدفقا لأيام عمر مضى سريعا كما لو أنه مجرد حلم عابر في منام قديم.
وكما كان يجب أن يحدث، وكما هي طبيعة الحياة ونواميسها،توقف يوسف في محطات كثيرة ليتأمل ذاته من الداخل، وليعيد قراءتها من جديد، إنه يشعر بشوق وحنين إلى تلك المرحلة، التي لن تتكرر بحلوها ومرها على كل حال، لذلك يحاول طيها ونسيانها ونسيان المآسي والأفراح التي عاش في خضمها.
استيقظ من تخيلاته على رنات الهاتف، وردد في نفسه"إنه العربي لا يمكن أن يخلف الموعد"...

هل تعاودنا الذكرى بحجم حمولة وازنة؛ ترغمنا على تجرع وطأتها الثقيلة؟ إن التاريخ لا يرعوي في تأثيث حياتنا. كل أنفاسنا تتناغم على وتيرته الرتيبة. فتجبرنا على الخوض في عوالمه العالقة. لم يكن الحنين ليزكي طرحا ماضويا ما يزال ماثلا و شاهدا عيانا عما جرى. و حديث الذكرى مثخن بشجون ثاوية. لا تركن إلى الاستكانة. تصهرها طيات الحياة في بوتقة الواقع المعيش؛ فتكرهها عنوة على التلاشي. الكل يحمل جينوم التصدع؛ يأتيها الحدثان عيانا ليبدد أركان الكيان. فتبقى أوراق العمر المبعثرة شاهدة. حروفها مشمعة بتلك المحطات التي غادرتنا؛ و لم نستنكف عن العودة إليها نجر الخيبة بعناد الغبن؛ يحدونا أمل معقود على أن نعفيها من تلك السقطات المدوية. حتى لا تعيد نفسها بحلوها؛تارة على هيئة مهزلة أو طورا بمرها في شكل مأساة.

 "تحلية" ثانية فارقة.
• قطعة سكر ثانية من الرواية. حميد البوبكاري (3 )

"عبر الممر المؤدي إلى المكتبة التي ورثها عن والده، فتح عينيه ومسح نظارته، ووضعها على أنفه، رأى المجلدات التي تعنى بالأدب الإسباني واللاتيني، وكتبا كثيرة مكدسة على الرفوف، كتب تعود لسنوات خلت تؤرخ لحضارات الأمم ونمط عيشها والأحداث التي جرت في زمانها۰
سحب كتاب "المورسكيون قبل وبعد " للمؤرخ الإسباني مكيل دي إيلاسا فيرير، وفكر في محاكم التفتيش، وفي الإبعاد المهين الذي يعد وصمة عار في تاريخ إسبانيا۰ هؤلاء المهجرون الذين قطعوا البحر هربا من التنكيل الذي تعرضوا له من قبل محاكم التفتيش الجائرة، التي عدتهم في تقاريرها"بذورا عفنة" أو "الطائفة الخبيثة"، رغم أن جلهم إسبان أسلموا على مر قرون أو عقود من الزمن۰ قتل الكثير منهم، ولكن الذين نجوا، وهم خليط من المسلمين واليهود، استقروا في بلدان مختلفة، وكثير منهم استقر في بلاد المغرب بحكم القرب الجغرافي۰
ظل بابلو فيرنانديز يعتبر الأندلس المسلمة مستمرة الوجود في الضفة الأخرى۰ وفكر في بلدة أو منطقة في شمال المغرب تحمل نفس بلدته نفسه،طالما فكر في زيارة هذه البلدة، بلدة "الحمة" لكنه الآن يفكر فعلا في زيارتها في أقرب وقت، بل إنه جهز نفسه لهذه الزيارة بمجرد عودته من أمريكا اللاتينية، يتذكر النقاشات الطويلة التي جمعته بوالده فيرنانديز مياس، الذي حدثه عن زياراته إلى شمال المغرب يوم كان في صحة جيدة، أو كما يسميه بابلو بالامتداد التاريخي والجغرافي للأندلس المسلمة، وحدثه والده عن قبائل أنجرة التي توجد في ضواحي تطوان۰ لقد أدرك بابلو فيرنانديز، بعد دراسة للتاريخ، أن المورسكيين الذين هجروا مرغمين من طرف محاكم التفتيش، استقر كثير منهم في قبائل أنجرة۰ وفي مدينة وزان، بل وأسسوا المدينة الزرقاء شفشاون المعلقة بين الجبال والغابات.."

و الحديث عن "الأنا" المتشظية. العابرة لثخوم الأمكنة و المنداحة عبر التاريخ المثخن بجراح ضاربة في غور زمن الحكي؛ و المنفلت من ذاكرة لا تني في رفع حرج واقع. تواترت حبكاته بين طيات الكتب المنيعة. تناورها رغبة حرون؛ لا تستنكف لحظة في إرجاع ما تلاشى من الحكي المقصي الى مجراه المنسي؛ عساه يجد له ملاذا آمنا بين دفتي رواية طموحة تحايث الزمن و تتعاقد مع هذا السعي الوجودي للتخفيف من شدة وطأة الذكريات المهزوزة. لكن "الانا" و هي تعاود الحفر في تاريخها المنسي تعمل على جعل "عالم الحياة" تحت إنارة مستمرة، و على حمايتنا ضد "نسيان الكائن". إنها تعكف في صيرورتها التاريخية و في كل زمان على لغز "الانا" إذ ما أن تبتكر كائنا خياليا، شخصية قصصية، حتى تواجه آليا السؤال التالي: ما هي الانا؟ و بم يمكن إدراك الانا؟( 4)
فالذكريات المريرة تتيه بحاملها؛ فبعد أن تعدم مسوغ استمرارها؛ تهل الحاجة لإيقاف دفقها؛ و إيداع طلاوة مستساغة المذاق بدلها؛ مما يحرض الحكاية المروية على العمل عليه بكل جرأة. ألا يكفي كل ذلك ليصنع نصًا شديد العذوبة، يذيب القلب من فرط الحلاوة؟ و إن بدا مبتورا من سياق يحتفي بقبسات من نص روائي استقام عوده. أذاقنا منه الأديب حميد بوبكاري على السريع وفق ما يسمح له به المتن؛ و باله من الرغبة أكيد في إطعامنا تحلية تناور التجلية تبقي أصابع أيدينا على مكعب روبيك تتحسس مربعات روايته الماتعة. لنأخذها في "تخلية" تنتصر للحجر الاحترازي حرصا على إنسانيتنا من التبدد إلى حين.

قراءة استباقية.. مجازفة.. تجرأنا عليها. و ما كنا لننفيها؛ أو نخلي ذمتنا منها. الصراح البراح. أقدمنا على هذا حين لم نقو على دفع الإغراء المتاح؛ فكان إعلانا منا لعناد مشروع تطاولت من جرائه اليد لتلقف تحلية هنية. و كل الخاطر معلق على الإمساك بجناحي الوليد و هو ما انفك طي قماطه، و العمل على إسماعه شوقنا احتفاء بمقدمه. فذائقتنا لم تكن لتشي بتحرّير التخييل من أفق التوقّع الذي لا يكون بريئاً أبداً. فالنصوص الحقيقية هي ما يبلورها القارئ نفسه؛ لا ما خطته يد الكاتب. وينتج عن هذا أنّ معنى النّص حدث ديناميّ يتولّد بمساهمة القارئ عبر فعل القراءة.( 5)
و ذائقتنا مع "التحلية" تعاند نهما؛ و تناور رقابة متواطئة بحذر. فإن رواية "اللون الأحمر في مربع روبيك" حطت الرحال بموطنها. و الجميع راح يحتفي بإصدارها، و يمني الخاطر بلحظة تفرد/ تجل لوصلها؛ و استساغة مذاق الحلاوة الثاوية بين فصولها. يحضرنا هنا ما قاله "هانتا" بطل رواية "في عزلة صاخبة جدًا:".. إنني عندما أقرأ، أنا لا أقرأ حقًا، بل أرمي جملة جميلة في فمي، وأمصها كالسكاكر.. (ف)تتغلغل في العقل والقلب، ثم تتدفق عبر الأوردة إلى جذر كل وعاء دموي"( 6)
رواية "اللون الأحمر في مربع روبيك" أضحت بين ظهرانينا. فلا مناص من وصلها. فبعد أن تكرم مؤلفها بإشراكنا تذوق وصلات من متنها، و نحن لم نمسك بعد بتلابيبها. فحالنا من الاحتفاء نال منا كل مأخذ. و من الابتهاج حاز منا كل منفذ.

---------------

1- حميد الببكاري."اللون الأحمر في مربع روبيك". دار أكورا. طنجة. المغرب. 2021.
2- https://web.facebook.com/hamid.elboubkari.1
صفحة الكاتب حميد البوبكاري/ Hamid El Boubkari‎‏. على الفيسبوك.
3- الصفحة أعلاه.
4 - أمبرتو إيكو، القارئ في الحكاية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1996، ص172.
5- ميلان كونديرا، فن الرواية؛ الأهالي للنشر و التوزيع، سوريا، 1999، ص29.
6- بوهوميل هرابال، عزلة صاخبة جدًا، منشورات المتوسط. ايطاليا، 2017، ص 11.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر