30 يونيه 2013

رفعت عوض الله
2021 / 7 / 1

30 يونيو 2013

في 25 يناير 2011 خرج المصريون وبأعداد كبيرة احتجاجا علي ممارسات الشرطة المصرية القمعية ، وتطور الامر ليصير انتفاضة شعبية عارمة ضد الرئيس مبارك ،الذي ظل حاكما مستبدا متسلطا لثلاث عقود كئيبة مملة .
رفع المتظاهرون شعارات " عيش ،حرية ،كرامة ،عدالة اجتماعية . "
ظل المصريون بالشوارع والميادين ليس في القاهرة وحدها ، بل ايضا في الاسكندرية والسويس ، وبورسعيد ، ومدن الدلتا ، والصعيد .
إلي ان اجبرت قيادات الجيش المصري مبارك علي ا لتنحي ، وتسليم السلطة ليس لقيادة مدنية مؤقتة ، بل لقيادات الجيش "المجلس العسكري ".
وكان هذا الإجراء مناورة بارعة من مبارك ، ومن الجيش المصري الوطني الذي يحكم مصر منذ يوليو 1952........ بعد سقوط المشروع الناصري عقب هزيمة يونيو1967 المهينة ، وتولي السادات الحكم في سنة 1970 . عقب وفاة عبد الناصر ورث الاسلاميون المشروع القومي الوحدوي العروبي الذي نادي به الزعيم جمال عبد الناصر ، وبالتالي اصبح علي الساحة بعد خروج الاسلاميين من السجون والمعتقلات ، والسماح لهم بالهيمنة علي الشارع والمسجد ، والمدرسة ، والجامعة ، والنقابات المهنية ، وايضا الإعلام . فعملوا بحماس ودأب ونظام وذكاء علي اسلمة المجال العام المصري .
وكما ان للجيش علي سبيل المثال هيئة خارجية ، ولباس مميز ، علي الجنود والضباط ارتدائه كعلامة دالة علي الانتماء للجيش ، كذلك عمد الاسلاميون ان يكون لهم ما يميزهم ، ويجعلهم مختلفين عن الجميع . وهكذا علي مستوي المرأة والفتاه كان لابد من فرض الحجاب كعلامة عامة تميز المسلمات المنضويات تحت لواء الاسلمة ، بدعوي ان كشف المرأة لشعرها يتناقض مع نصوص قرآنية صريحة . وتباري الشيوخ والدعاة في حض المسلمات علي الحجاب ، وكان للداعية الخطير الشيخ الشعراوي دور كبير للغاية في نشر الحجاب .
المحصلة نجح الاسلاميون في مسعاهم واصبحت المراة المسلمة في الغالبية العظمي محجبة اومنتقبة . واصبح الرجال ، إما بلحية خفيفة ، وإما بلحية كثيفة مع حف الشارب ، مع علامة علي الجبهة تفيد بمداومة الصلاة .
بعد اغتيال السادات في 6اكتوبر 1981 وتولي حسني مبارك مقاليد الحكم ، امعن الرجل في ترك الساحة للاسلاميين ليعمقوا ، ويوسعوا من وجودهم ، وسيطرتهم علي المجال العام المصري . وهذه هي خطيئة مبارك الكبري ، ومن قبله السادات .. الذي كان يهم مبارك هو البقاء في السلطة ، وعدم تكرار تجربة اغتيال السادات عليه .
المجلس العسكري الذي جاء بديلا لمبارك وعي وادرك قوة الاسلاميين سواء اكانوا اخوانا ام سلفيين ، فتفاهم معهم ، وافسح لهم الساحة ليكونوا احزابا سياسية "الحرية والعدالة" ، و"النور" السلفي وغيرهما من الاحزاب الاسلاموية .
بل انهم {اي الاخوان والسلفيين} سيطرواعلي البرلمان حين اٌجريت انتخابات نيابية في سنة 2012 ، وصاغوا دستورا اسلامويا في مضمونه .
استكمالا للمخطط جرت انتخابات رئاسية بين مرشح الاخوان محمد مرسي ، والمرشح المدني احمد شفيق في منتصف سنة 2012 ، وظهرت تسريبات تفيد بفوز شفيق ، فخرج تهديد ووعيد من مكتب الا رشا د لجماعة الاخوان المسلمين ، وتم اعلان النتيجة بفوز مرشح الاخوان بفارق ضئيل .
اصبح محمد مرسي رئيسا منتخبا لمصر . بيد ان امور إدارة مصر لم تكن بيد الرجل ، فما هو إلا واجهة ، من خلفها يحكم المرشد العام ومجلسه ...الخطيئة الكبري او قل المصيدة التي وقع فيها الاخوان انهم لم يتمهلوا ، ولم يسيروا في طريق الاسلمة والاخونة الهويني ، بل سارعوا وبحماس شديد ، وداب علي صبغ ا لجهاز الحاكم والمرافق ، واحهزة الدولة المختلفة بصبغتهم . هنا افاق المصريون ، وتململوا ، وتمردوا ، وتظاهروا ، بل ان اجهزة الدولة المختلفة رفضت تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية ، وندد الاعلام وانتقد توجهات الرئيس الاخواني .
كانت قيادات الجيش تراقب ، تنظر بارتياح لسلوك الرئيس الاخواني المرفوض شعبيا . استغلت قيادة الجيش هذا الرفض الشعبي الواسع ، فاعلنت تلك القيادة عن مساندتها ودعمها لمطالب الناس ، بل وضعت الجيش تحت امر الجماهير الغاضبة . لذا في 3 يوليو 2013 عزل وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، ووضعه رهن الاقامة الجبرية في مكان غير معلوم ، واعلن عن خارطة الطريق بحضور شيخ الازهر ، وبطريرك الكنيسة القبطية والسلفيين . وهنا علامة الاستفهام ونصبوا رئيسا مؤقتا "المستشار عدلي منصور" ، وأٌعلن عن انتخابات رئاسية في سنة 2014 خاضها وزير الدفاع بعد استقالته ، وكان الامر محسوما بفوزه .
نعم الجيش الوطني المصري انقذ مصر والمصريين من حكم الاخوان الاصولي المعادي للانسانية والحضارة ، وغير الأبه بمصر الوطن ، وحين اقدم وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي علي عزل الرئيس محمد مرسي ، كان الامر مغامرة ومخاطرة ، لو فشلت لكان معني ذلك توجيه تهمة الخيانة العظمي لعبد الفتاح السيسي وصحبه ، ومن ثم اعدامهم ، فالاقبال علي تلك المغامرة الخطرة كانت شجاعة تحسب لم اقدم عليها .
ولكني اظن ان الجيش المصري الذي يحكم مصر منذ يوليو 52 في عقيدته ان يظل حاكما لمصر الي ما شاء الله ، ولا يقبل ان يكون رئيس مصر مدنيا اي ليس خارجا من صفوف الجيش الوطني المصري . ولعل رفض قيادات الجيش لتوريث جمال مبارك الحكم بعد ابيه ، ليس
رفضا لمبدأ التوريث بقدر الرفض لحاكم مدني ، بحكم ان جمال مبارك رجل مدني وليس عسكريا .
وفقا لهذه النظرة فإن المجلس العسكري الذي تولي إدارة مصر بعد عزل مبارك ، ادرك عمق وجود الاسلاميين في المجال المصري العام ، وفي عقول وقلوب المصريين المستجيبين للدعوة والحض الاسلامويين .
وفكر اولئك القادة العسكريون كيف نتخلص من هذا الميل والتوجه الذي يصب في مصلحة الاسلامويين ، فنصبوا الفخ ...فسمحوا بوجود الاخوان والسلفيين في الحياة السياسية ، وسمحوا بوجود احزاب دينية ، بل سمحوا بهيمنة الاسلامويين علي البرلمان المنتخب ...وكان من الامور التي لها دلالة خطيرة عدم وقوف السلفيين اعضاء مجلس النواب اثناء عزف السلام المصري الوطني . وفي الانتخابات الرئاسية سمحوا بمنافس اخواني لاخرمدني، ولماهدد وتوعد مكتب الارشاد العام للاخوان المسلمين ، والذي كان له انذاك قوة ونفوذ وسطوة ، تحسب المجلس العسكري من مغبة الامور . وقد يكون صحيحا انهم اعلنوا فوز محمد مرسي علي غير واقع حساب الاصوات ، وتركوا الرئيس الجديد ومن خلفه مكتب الارشاد يمعنوا في الاخونة والاسلمة حتي يحصدوا نفور وتمرد الناس . وهذا ما حدث ، وحين ينفر الناس ويتظاهروا ويحتشدوا بالملايين في ميادين مصر ، تكون الفرصة مواتية لعزل الرئيس الاخواني ، والتمهيد لعودة الجيش ليحكم من جديد ليستمر خروج حكام مصرمن صفوف الجيش .
في25 يناير 2011 خرج المصريون ليطالبوا بالعيش والحرية والكرامة والعدالة ، ولكن في ظل استمرار ان يكون حكامنا من الجيش ، تظل هذه المطالب النبيلة احلام بعيدة المنال .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير