ديالكتيك السيد والعبد

سعود سالم
2021 / 7 / 1

أركيولوجيا العدم
٥٢ - ديالكتيك السيد والعبد

من المهم أن نذكر أن القصة السومرية لثورة الآلهة الممثلة للطبقة العاملة الإلهية "الإيجيجي" على الآلهة الكبرى "الأنوناكي" الممثلة للآلهة البرجوازية أو النبيلة إن صح القول، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مجرد أسطورة أو قصة خيالية تكونت بالصدفة وتناولتها المجتمعات المتعاقبة على مرالعصور، إنها تعكس بالضرورة أحداثا حقيقية، وتمردا لطبقة من العبيد على الطبقة التي تستغل قوة عملها وتمتص عرقها ودماءها، أو على الأقل تتنبأ وتنذر الطبقة الغنية الحاكمة بما يمكن أن يحدث لو دام الإستغلال أو كثر الشقاء والعذاب الناتج عن العمل، أو أزداد قهر الطبقة التي تبني السدود وتشيد المعابد وتحفر مجاري الأنهار وتحرث وتزرع الحقول. الأسطورة تستند في الكثير من الأحوال على حوادث سياسية وإجتماعية وظواهر طبيعية حقيقة. وتتركز في هذه الأسطورة كل مكونات ديالكتيك السيد والعبد، والذي يعتبر مفتاحا لقراءة تاريخ البشرية وفهم محتوياته المعقدة. ومن هذا المنظور، ودون مبالغة غير ضرورية، يمكن إعتبار "الإيجيجي" وتمردهم ضد ظروف عملهم القاسية، أول حركة عدمية فكرية، تعكس ولا شك ثورة إجتماعية حقيقية في بلاد الرافدين قبل أربعة آلاف سنة من الحركات السياسية المتتالية التي أدت إلى إلغاء ظاهرة العبودية وتجارة الرقيق في أوروبا وأمريكا وظهور العدمية الثورية في روسيا في القرن التاسع عشر. ويجب أن نذكر أيضا أن إشكالية "العمل" تعتبر مركز هذه الأسطورة والأساس الذي بني عليه صرح ميثولوجيا بداية الخلق السومرية. ذلك أن الحل الذي تفتق عن عقل الآلهة العظام، هو بطبيعة الحال حل من وجهة نظر الآلهة العظام، ولكنه سرعان ما ظهر بأن هذا الحل ليس حلا، ليس فقط من وجهة نظر الإنسان الذي عليه أن يعمل ويتعذب محل الإيجيجي، ولكن من وجهة نظر الآلهة نفسها. حيث بدأت هذه الكائنات البشرية في التكاثر وأصبحت مصدرا دائما للصخب والإزعاج المستمر للآلهة التي لم تعد قادرة على النوم بهدوء في قصورها السماوية، نظرا لمهمتهم الأساسية التي خلقوا من أجلها وهي العمل والإنتاج الدائم والمستمر، مما يسبب في حركات التمرد والثورة مثلهم مثل الإيجيجي على الآلهة الكسولة، مما اضطر هذه الآلهة في لحظة من لحظات الإحباط الكبرى إلى التخلص من هذه المخلوقات الصاخبة عن طريق إغراقها بطوفان مدمر.. وثورة البشر على الآلهة لم تكتمل بعد، ولن تنتهي، فهي تندلع من وقت لآخر، والآلهة العظام يلفقون في كل مرة حلولا مؤقتة لتهدئتهم لفترة قصيرة .. لقد صدرت القوانين لعتق العبيد وتحريم الرق وإعلان المساواة بين كل البشر، غير أن ذلك كان نظريا ومجرد حبر على ورق، فالعبد الذي فقد سلاسله قانونيا وأصبح حرا، عليه الآن أن يشتري سلاسل جديدة ويتضرع لسيده ليقبله كعبد وكعامل.
وقد عبرت نوال السعداوي في مقال لها قبل رحيلها بقليل عن هذه العلاقة الوطيدة بين الآلهة والحكام : "ومثلما يغيب العدل فى الصراع المحلى، الدائر حول حقوق النساء داخل الأسرة، يغيب أيضا العدل فى الصراع الدولى العالمى، حول حق الشعوب فى الاستقلال، والنهضة والتحرر. صراع لم يخمد طوال التار يخ، والذى بدأه العبيد والنساء، ضد نظام الرق أو العبودية. وأدى التراكم المتتالى من هذا الصراع، إلى انتهاء عصور العبودية. لكن مازالت العلاقات فى الأسرة، على المستوى الشخصى، والعلاقات بين الدول على المستوى العام، علاقات بين طرف أدنى، وطرف أعلى، علاقات غير متكافئة، فى جذورها علاقة بين «أسياد»، و«عبيد». ولا بد من الإضافة هنا بأن علاقة العمل، أي العلاقة بين العامل وسيد العمل ما تزال علاقة بين السيد والعبد، ولم تتطور هذه العلاقة حتى في المجتمعات التي تدعي اليموقراطية والعدالة.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار