أمنية لن تضيع

أحمد جدعان الشايب
2021 / 6 / 30

فرق بين من يقتل المشاعر و الفرح ,وبين من يقتل قاتلها. مع أن القتل مرفوض في كل حالاته.
..................................................................................................................

لم يبق لها وليّ أمر شرعي يرعى شؤونها سوى (دعبوس) .
سأحدّثكم عن ( دعبوس) في البداية ، لتتعرفوا على شخصيته ، وكيف صار له شأن مهم ، يستطيع أن يمنع الأحلام لو أراد ،عن أخصّ الناس وأقربهم إليه ويقدر أن يمنح الأمل في بناء مستقبل شخص ما ، ينتمي إليه من الناحية الاجتماعية والإدارية .
بقي في الصف السادس سنتين ، لم يستطع تجاوزه لينتقل إلى الإعدادية ، لأنها مستوى يتفق مع بوادر خطوط سوداء ، بدأت تظهر في ذقنه وتحت أنفه ، شُعيرات ما تزال طرية ومبعثرة ، يحلُقها في اليوم مرتين ، صباحا وقبل النوم ، لتقسو ، وليسرّع في انتشارها ، لتضفي عليه هالة تشبه هيئة الرجال ، يحدُث كل هذا الاهتمام لشعر وجهه ، وخاصة شاربيه ، كردة فعل لما جرى له وهو في الصف الخامس ، إذ التقاه في المدرسة صبي أكبر منه ، فصاحبه واعتاد على وجوده ومرافقته ، في المدرسة والبيت والشارع ، واقترف معه لعبة ، أحس فيها بلذة ومتعة ، فاعتادها وأدمنها ، وكانت المدرسة بالنسبة إليه مكانا للقائهما ، فهو لم يعد يطيق الاستغناء عنه .
ولأن صاحبه يحلق ذقنه ويفتل شاربيه ، وهو مثاله وقدوته ، صار يقلده في شكله وسلوكه ، ويوم غاب صاحبه عن المدرسة ، واختفى في أزقة المدينة وساحاتها ، هرب هو أيضا ، وراح يتجول في الأزقة والأسواق بلا هدف ، وبلا رقيب ، بعد أن توفي أبوه ، وكأنه ينتظر بفارغ الصبر التخلص من مراقبته ، وضبط سلوكه بما يقدر عليه ، على الأقل استمراره في المدرسة .
يحاول إنبات الشعر في ذقنه وشاربيه ، إلا أنه لم يتخلّ عن مرافقة صديقه والتعلق به، كما يتعلق به هو أيضا ، كانا يعيشان في فراغ ، وفي كثير من الأوقات ، يتحيّنان وقت خروج الطالبات من المدرسة الابتدائية والإعدادية وحتى الثانوية ، يسرعان من مدرسة إلى أخرى ، لمعاكسة البنات وإيذائهن باللسان واليد ، يفعل مايفعله صديقه ، ويتظاهر بالفحولة والرجولة ، يمشي باعتداد فارغ ، وما أن يخلو بِصديقه في مكان منعزل عن أعين الناس ، حتى يستسلم لرغبة تجتاحه وتجتاح صاحبه
وافق على كل ما يقرره له ، لأنه يفوقه خبرة وتجربة ، يقوده إلى مقهى ليدخن النارجيلة ، ويشرب القهوة ، ويلعب النرد والورق ، يبيع التبغ المهرب ، والخردة في البازار ، وفي وقت الحاجة ، يقومان بنشل جيوب الناس في الزحام .
تعرّفا على دجال مشعوذ ، حين لجآ إليه ليكتب لهما سحرا لحبيبتيهما ، أغراهما بالمال ، وجنّدهما في بعض الأعمال الخاصة به ، ولما اكتشف سرّ علاقتهما ، هددهما حتى صارا لعبة بين يديه ، وكثيراً ما أبقى دعبوس عنده ، وكلّف صديقه بعمل ما لبعض الوقت .
الآن ، تصوروا هذا الدعبوس ، يحق له أن يكون مسؤولا عن مصير عائلتين من النساء .
ستصابون بدهشة ، إذا حدثتكم عن الأسرتين اللتين تقعان تحت سلطته الذكورية ، كون الأعراف والتقاليد ، وحتى بعض القوانين في مجتمعاتنا المعروفة بذكورية القرار والمسؤولية تتيح له ذلك .
لدعبوس أخت أكبر منه ، عافت المدرسة ، والتحقت بمحل لتجميل السيدات ، (كوافيرة ) . وما تزال أمه بصحة جيدة ، لكنها لا تقدر أن تثنيه عما تراه خطأ فيه .
أما عائلة عمه ، فهي مؤلفة من الأم وثلاث بنات فقط ، متعلمات تعليما جيدا ، الكبيرة عمرها ستة وعشرون عاما ، وهي مقبلة على الزواج ، بعد أن صارت معلمة واستقرت .
أختها الثانية ، أنهت دراستها الجامعية ، وتسلّمت عملها في مؤسسة المالية ، وتنتظر الخطّاب أيضا ، أما البنت الثالثة ، فهي بطلة قصتنا ، والتي سأوضح لكم معاناتها مع دعبوس ومن وراءَه .
اسمها أُمنية ، وهذه الأُمنية ، ذكية ، مجدّة ، درست اللغة الفرنسية وآدابها وتفوقت ، شجعها أحد أساتذتها في الجامعة لتكمل دراساتها العليا ، فأقدمت على دراسة رسالة الماجستير ، وحصلت على درجة ممتاز خلال المدة المقررة ، فعزمت على إنهاء الدكتوراة في النقد المقارن .
أرسلت بأوراقها إلى جامعة السوربون ، جاءها الرد بالقبول على نفقة الجامعة ، فوجدتها فرصة لا يمكن تعويضها إن فقدتها . حددت الجامعة لها مهلة ، وبدأت باستخراج الوثائق اللازمة للسفر إلى فرنسا .
كان صهيلها يعزف ألحان الفرح ، ولسانها يزغرد الكلمات بسعادة ، تتنقل على أدراج الدوائر ، والمؤسسات، مثل بلبل يتباهى بألوانه ، وهي غافلة عن جدران القفص الذي يغلق بابه في النهاية ، ولا مخرج أمامها إلا الركون للأمر الواقع ، والاستسلام للعسف المقيم . قال لها الموظف :
- أحضري معك وليَّ أمرك غدا .. ليوقّع على الموافقة بالمغادرة والسفر .
قالت له :
- ليس لي إلا أمي وأخواتي .. وعمي توفي أيضا .. لي فقط ابن عم .. صبي قاصر ..
قال مبتسما :
- لابد من موافقة ولي الأمر .. أحضري ابن عمك غدا
شكرته ، خرجت تنشر حولها ابتسامة أمل ، كأ نها تقول لنفسها( هذا شأن بسيط لا يأخذ من وقتي نصف ساعة). لكنها لا تعلم أن دعبوس ، لا يستطيع التصرف بشي ء إلا بعد أن يرجع لمعلمه الدجال ليستشيره .
ذهبت الى بيت عمها ، لم تجده ، أبلغتها أمُّه أنها لم تره منذ أسبوع ، ولم يبق وقت أمامها لتنتظر ، بدأت تتناقص أيام المهلة المحددة ، وهي تتحرق على جمر الانتظار ، فراشها شوك يحرمها النوم لساعة ، تتقلب على جنبيها ، عيناها تبحلقان في السقف لا ترِف ، ولا سلوى لها سوى السهد والأرق، تنتظر حضور دعبوس، كل يوم تسأل عنه ، لتفوز بموافقته الغالية ،
اقتربت المهلة المحددة من نهايتها ، بقي فقط ثلاثة أيام ، حين حضر دعبوس ، في هيئة جديدة ، أمه لم تكد تتعرف عليه ، لكنها سُرّت لرؤيته في حلة ملأت نفسها وعينيها وقارا .
يرتدي قفطانا ، ويغطي رأسه بطاقية وشّحها بشملة بيضاء ، وأطلق شاربيه وذقنه ، فبدت مبعثرة مثل حقل شعير عاثت فيه السوائم . رجته أمنية بلهفة ، كأنها عثرت على مفتقد ثمين ،
وانتعش أملها إذ رأته في شكل رجل ، اعتاد أهل الحي على معاملته بطريقة مختلفة ، ورمى سرواله الجينز وقميصَه المليء بالدعاية الأجنبية .
قالت له:
- يا بن عمي .. أحتاجك غدا لتوافق على سفري إلى باريس .. فقط لتوقع على ورقة .
بيده سبحة يعبث بها ببرود ، اصطنع التباطؤ في الجواب ، قال :
- إذا كان سفرك .. خيراً ..لك .. ولنا .. ... فلا مانع .. عندي .
قالت بلهفة الفرح ، تكاد تقفز :
- نعم هو خير .. طبعا خير .. سأكمل دراستي هناك .. ولم يبق لدي وقت .. أرجوك يابن عمي .. لا تؤخرني.
أدار ظهره، ومضى إلى صديقيه ،أبلغهما بما سمع ، فاكتشف الدجال كنزاً، قهقه ساخراً، قال:
- وهل توقّع هكذا.. بلا مقابل ؟ ..أطلب مقابل توقيعك وموافقتك خمسين ألفاً.
صدّقه، كلامه عنده لا يحتمل المعارضة أو المناقشة ، يسحره ، يثبّته ، فهو منحه مستقراً ينتشله من ضياعه ، يعتقد أنه مخزن تطلعاته ، زرع في نفسه صورة إنسان يحتاجه الآخرون ، له أهمية خاصة ، أعطاه هيئة ذات أبعاد اجتماعية ، تبعث في النفس الرهبة والتسليم.
ساومها ، مقابل إمضائه على ورقة ، تدفع له خمسين ألفاُ ، دُهشت ، حارت كيف تؤمّن له المبلغ ، استدانت من أختيها ، وباعت أمُها قطعةُ ذهبية .
بعد أن صار المبلغ المطلوب بيد معلمه ، قال له:
- كيف تقبل بسفر واحدة من نسائكم إلى بلد أجنبي.. فيها ما فيها من الفسق والفجور.. لا تنسى أنها عرضُك وشرفُك.. أنت مسؤول عنها.. ستقع المسؤولية في عنقك.. أنا نصحتك وكفى.
قال له:
- ولكني وافقت وأخذت المبلغ.. وغداً تنتظرني.. فماذا أفعل ؟
قهقه الرجل ، وضرب كفّاً بكفّ ، قال :
- لا تذهب إليها.. دعها تنتظرك حتى تنتهي المدة المحددة. . تحفظ عرضًك وشرفًك .. لتبقى هنا تحت نظرك.. عند أهلها .. ما الفائدة من دراستها في بلاد أجنبية ؟ .. لا يجوز لها أن تدرس هنا .. فكيف ببلاد غريبة يتوه فيها الرجال ؟
ضاعت فرصتها ، انقضت الفترة الزمنية المحددة ، وتبدد طموحها وحلمها الجميل ، أحست بمرجل يتدفق في أحشائها ، لا يطفئه الانتقام ، ولا يعوض ما فاتها ، فهل تطابق فكرُ المجتمع الذي تعيشه مع واقع الحياة ؟ وهل الخلاص من سكون البحيرة وهوامها ، بالرضى بمجاورتها ، والقبول بروائحها الكريهة؟. الآن .. ماذا تشيرون عليها أن تفعل ؟. وما هي ردة الفعل اللازمة ؟
قررت التخلص من هذا الماضي وذكرياته المتعفنة ، كأنها سُفعت على عينيها ، فدوشها الغبش ، وغدت أوقاتها موحشة ، وأقفر خيالُها إلا من فكرة تراودها ، تُعشّش في طيات ذهنها ، تحفر في صدرها ، تزيّن لها الدنيا مزهوة ناصعة ، يوم تخلو من ثبات الماء الراكد ، ومن أشواك الدروب الصاعدة نحو الشمس ، ومن حشرات تسعى نحوها بسمومها القاتلة .
تناست ما أعدم حلمها لوقت، ولتبدو منسجمة مع الواقع، بافتعال ضحكة ، أو مشاركة في سهرة ، أو تلبية لطلب ما ، كانت تضغط على مشاعرها ، ونسي الجميع ما جرى ، وعادت العلاقات طبيعية مع ابن عمها وأهله .
يوم التقت أمنية بابن عمها دعبوس حين كانت تزورهم ، لم تُشعره بأنها غاضبة من تصرفه السابق معها ، وقد مر عليه عام كامل .
كانوا يتندّرون ويضحكون ، ما شجّع دعبوس ليطلب منها أن تصنع له طبقاُ كبيراً من حلوى"المدلوقة" ، فهي تتقنها جيداُ ، وعَدتْه به غداً مساءاً ، أتقنته ، أضافت إليه قليلاُ من الألم الذي فتّت كبدها ولم يشف ، أو قليلاً من الصدأ الذي سمم أمعاءها وأعصابها .
أمضت ليلتها ملتهبة الأنفاس ، تنتظر شروق شمس لا تبرح روحها ، تتطلع إلى طقس ربيعي دائم ، لا يعكره رقيب ولا تثقله الأغلال .
زعق بوق سيارة الإسعاف، وتلتها سيارات الشرطة ، تجمَّع الناس أمام بيت الدجال ، ليشهدوا نهاية كانت برداً وسلاماً ، انسكب فوق لهيب أمنية.
في اليوم التالي، تمت الموافقة على سفرها إلى باريس ، بعد أن وافقت جامعة السوربون على استقبالها من جديد، ولأنها غدت مسؤولة عن نفسها ولم يعد لها وليُّ أمر ذكَر ، وبينما كانت الشرطة تبحث عن سبب الوفاة ، ويوارى دعبوس وصديقاه الثرى ، كانت أمنية تستمتع بمشهد البلاد الجميلة ، من نافذة الطائرة وهي تقلع ، على أمل أن تعود بشهادة الدكتوراه ، لتقدمها هدية لوطنها الغالي، وقد أضحى نظيفا، لا تعكره المستنقعات الآسنة .

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب