وهم المُسبب والمُحدث والمُحرك وصانع الجمال العاقل

سامى لبيب
2021 / 6 / 29

- نحو فهم الإنسان والحياة والوجود ( 107 )..
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (98) .

- أنا عاشق ومفتون بجمال الطبيعة ومن هذا الإفتنان جاء إيماني بوجود إله فى طفولتي وصباي كما جاء إلحادي من الفهم العميق لماهية الجمال .
نعم كان لى إيمان بالإله فى مرحلة الطفولة والصبا ولكن لم يكن إيمان تلقينى ولا معتنى بقصة الخالق الرحيم العادل ولا بقصة المسيح الإله المخلص , فقصة الفداء والخلاص لم تقنعنى منذ البدء , ولا قصص الأديان الإبرهيمية المتهافتة والساذجة , لكن من منطلق أن لكل سَبب من مُسبب ولكل حادث من مُحدث ولكل حركة من مُحرك لأصل لنتيجة أن لكل جمال من صانع هو الله ليكون إستبدال لكل سبب من مُسبب , بكل جمال من فنان لأؤمن بالإله كفنان رائع أبدع فى رسم لوحاته .
كانت هذه الرؤية منسجمة مع واقعى المُدِرِك حينما أقوم برسم رسوماتي الجميلة فلابد من وجود فنان قام برسم جماليات الطبيعة لأكتشف بعد ذلك أن الجمال عشوائي بلا مصمم عاقل بل أن رسوماتي الفنية لا تعود لوجود عقل صارم أو وحىّ يتملكني بل مراكز عصبية متقدمة فحسب , ويمكن تناول هذه الرؤية فى بحث مستقل .

- أى أن إيمانى بفكرة الله فى البدء هو إعجابي الشديد وإمتناني العظيم لصنعه كرسام ماهر مع تصوري الخاطئ حينها أن الجمال شئ مستقل بذاته ومن إنتاج ذات فاعلة عاقلة , وأن الخلق شبيه بعمل رسام لتتمحور أفكارى فى هذا الإطار فها هو إله ينتج أعمال جميلة , فهكذا كان حالى عندما كنت أكحل عيونى برؤية وردة جميلة وفراشة رائعة الأجنحة وزهرة وظهر سمكة ملونة وطبيعة خلابة بل غيوم رائعة تتخللها أشعة الشمس , وإن كان موج البحر هو الأكثر إثارة ومتعة لأنبهر بجماليات حركته وتدافع أمواجه طوال ساعات اليوم فى الفجر والغروب بل حتى فى المساء متأملا ضوء الشمس والقمر على صفحة الماء والأمواج لأعيش هكذا مفتوناً بالطبيعة ممتناً لإله أنتج هذا الجمال .

-أنفقت الكثير من وقتي فى تأمل البحر فى أجازاتي الصيفية السنوية ليصل إعتناني حد الهوس , فأنظر للبحر من ساعة الغروب حتى الساعات الأولي من الفجر , فلا يصيبني الملل بل أعيش لحظات سعادة غامرة من هذا المشهد الجميل المتدفق بالحيوية لأغوص فى تأملات فكرية عميقة تغيرت وتطورت مع الزمن .

- كانت تأملاتي فى البحر ذات منحنيين , منحي تأملي فلسفي ومنحي يخوض فى ماهية الجمال .

* المنحي التأملي :
جاء إيماني بإله من منطلق أن لكل سَبب من مُسبب ولكل حَركة من مُحرك ولكل حَادث من مُحدث مع وضع فرضية الإله فى المقدمة كمُسبب وحادث ومُحرك , ولكن إنتابني شعور بالدهشة العظيمة فلم أستطع تقبل أن الله أنتج تريليونات التريليونات التريليونات من أمواج البحر ليعرف نشأة كل موجة وإنتهائها فكيف تكون هكذا معرفة وما جداوها وأهميتها لتكون فى معرفة الله وذاكرته .
لقد تغافلت عما درسناه فى المدرسة أن حركة الأمواج ترجع لظاهرة المد والجزر , فهل ترك الإله حركة الأمواج لظاهرة طبيعية ؟ فهذا إنتقاص ونزع مشاهد من معرفته وعلمه المطلق وهذا لا يجوز إيمانياً , فالإله يعلم القوي المادية التى أنتجت كل موجة من تريليونات التريليونات من الأموج ومتى تتشكل ومتى تتبدد ولكن هذا غير معقول ولا مقبول ذهنيا علاوة على أنها مشاهد تافهة لا تستحق فعل وإعتناء الإله !
إذن حيرني بشدة إنتاج الإله لتريليونات التريليونات من الأمواج فلم أستطع قبول ذلك بالرغم أن هناك نصوص تؤكد هذا الفعل والإنتاج فشعور رؤوسكم محصاة وفق الكتاب المقدس ولا تسقط حبة تمر إلا بعلمه وفق القرآن .
لأحافظ على فكرة وجود إله توصلت لفكرة من إبداعي , لأقول أن الله خلق قوانين الطبيعة ودعها تعمل دون أن يرصد ويتدخل فهذا يحرر الإله من العبثية والإعتناء بتوافه الأمور , ولكن هذه الفكرة تكون بمثابة هدم لفكرة الإله , فالأشياء تحكمها الطبيعة دون تدخل إرادة ومشيئة الإله ومن هنا تولدت بوادر فكر الإلحاد , فالطبيعة هى الحادثة والمُسببة والمُحركة فما الداعي لحشر فرضية أخري ليست منها وفق نصل أُوكام .

*وهم الجمال وعودة الوعي .
بداية أعتذر عن دسامة المحتوي فهكذا تولدت الأفكار والتأملات ليشفع لى أننى أقدم رؤية فلسفية جديدة أتفرد بها فلم يعالجها أحد من قبل وهذا مبعث فخري كمفكر .

- أخوص فى وهم الجمال الذي كان يعتريني لأتصور فى حداثتي أن ما أشهده من جمال هو من إنتاج إله ولكن فى وقت لاحق جاء مشهد تأملات البحر لتُفند فكرة المُسبب والمُحدث والمُحرك .
- بداية أنا لا أنفي المُسبب والمُحدث والمُحرك كفعل فى المطلق ولكن أنفي وجود مُسبب ومُحدث ومُحرك عاقل يدير الأشياء وينتجها , فالامور تعود للطبيعة الغير واعية ولا المريدة ولا المخططة .
دعوني أستحضر أفكاري وتأملاتي وفلسفتي للجمال من بحث قديم نشرته سابقا بعنوان : وهم الجمال ضمن سلسلتي : أوهامنا البشرية .
- البدايات كانت من ميلي لفن الرسم لأحظى بمتعة كبيرة فى رسم الخطوط والألون فأنتج رسومات تنال إستحسان الأهل والرفاق .. وتتطور الموهبة وأحس بالألوان فأمزجها وأدمجها لتنساب على صفحة اللوحة مُنتجة تشكيل لونى أستحسنه .. بدأت أحس بالألوان وأتأملها وأحاول البحث فى مغزاها وهل هى جميلة أم أننى أصنع منها الجمال لتظل الأمور على مستوى الأسئلة والحيرة ولأبدأ فى مرحلة متطورة من النضوج الفكرى محاولة فهم مغزى الجمال لأصل لنتيجة بعدم وجود شئ جميل فى ذاته وكينونته بل نحن من نصنع ونتوهم الجمال لتتفاوت قدرتنا فى تجميع أحاسيسنا وخبراتنا عن الطبيعة والتعبير عنها , فنمنح الأشياء الجمال أو القبح هو وفق حالة مزاجية إنطباعية تعتمد على حاجة نفسية عميقة لا ندركها ولا نتحسسها ولا نعيها بشكل واعي ملموس ولكن من المؤكد أنها مختبأة فى مشاهدما الأولى للطبيعة التى أسست المفاهيم الجمالية .

- رؤية الجمال التى قادتنى للإيمان بالإله هى نفس الرؤية التى قادتنى للإلحاد لأتأمل كثيرا وأفكر فى هذا الجمال لأجد أنه تشكيل عشوائي وليس بريشة وأداء إله فنان , فحركة الأمواج نتيجة ظاهرة المد والجزر لتمارس الأمواج فعلها من قديم الأزل فى صيرورة وحتمية قبل وجود الإنسان بمئات الملايين من السنين , وليتشكل جمال من تساقط الضوء على الأمواج والغيوم لذا من السخافة القول أنه صانع مُرتب فالضوء يسقط على أى شئ .

- النقطة الحاسمة لبداية الوعى بماهية الجمال هو البحر كما ذكرت فأنا أعشق البحر بشكل جنونى بالرغم أننى لست من بيئة ساحلية ولكن أحس أن البحر أجمل شئ فى الوجود ليُمكنى أن أحدق فيه ليوم كامل مستمتعاً بجماله فلا يصيبنى لحظة ملل , فلا أعلم سر هذه الفتنة بالبحر فقد يكون الحنين الرومانسى للبدء حيث إبتدأت الحياة من البحر , ولكن هناك جمال فى البحر لا يستطيع أحد أن ينكره أعزيه لفعل الحركة والحراك الرائع الدائم , فسر الحياة وجمالها فى الحركة , ولكن ما معنى هذه الحركة الفيزيائية الدائبة التى لا تنتهى بوجودنا أو بغير وجودنا .

- إنها حراك المادة فحسب , لتتحرك الأمواج على الدوام بصورة عشوائية لتنتج مشاهد رائعة من حركتها مع ضوء الشمس أو القمر عندما ينعكس على الأمواج ليعطى مشهد ساحر , وفى خضم هذه الروعة بدأت أفهم مفهوم العشوائية والنظام , فحركة الأمواج تخضع لقوانين مادية صارمة ولكن تتم بشكل عشوائي عفوي غير منظم ولا هادف .
كذلك أدركت ماهية الجمال , فالأشياء ليست جميلة فى ذاتها بل عيونى هى التى تراها جميلة أو قل أحاسيسى ومشاعرى وإنطباعاتى تسقط على الأشياء لتمنحها الجمال من خلفيات نفسية إرتبطت بالحاجة واللذة لتشكل الوعى والإحساس , فالطبيعة هى التى تشكلنا وتمنحنا مفردات الوعى بالجمال وما نحن إلا إنعكاسات لما تهبه لنا وحظوظ من فيض إنتاجها وما نستقبله من صور وما نسقطه عليها من أحاسيس وانطباعات .

- إكتشف من رؤيتى وتأملاتي للطبيعة مع إزدياد الوعى ومحاولاتى أن أقلدها فى رسوماتى أن هناك أمور نغفل عنها ونتوهمها خطأ أو بالأحرى لم نتعمق فى مشهدها لأجد أننا كلما حدقنا فى الطبيعة سنتعلم أشياء كثيرة تقربنا من فهم الوجود شريطة أن نطلق معها تأملاتنا وفكرنا الحر ولا نكتفي بمتعة المشاهدة كصور فوتوغرافية ذات خطوط وألوان .

- يفتنى منظر الغيوم فى السماء وأتصور أن الكثيرين يشاركونى ذلك عندما تتشكل لوحات تشكيلية رائعة للسحاب بدرجات مختلفة من اللون الرمادى والأبيض يتخللها ضوء الشمس وإسقاطاته لتمنح المشهد روعة وجمال , فهل نحن أمام عمل فني تشكيلي لفنان إستخدم ألوانه وفرشاته أم هناك من أسقط الضوء على جزيئات الماء فى السحاب بطريقة محددة لتمنح عيوننا مشهد جميل أم أننا أمام فعل طبيعي عشوائي غير هادف بلا غاية تشكل هكذا تحت تأثير عوامل فيزيائية بحتة .

- مشهد أخر يعجبنى وهو تساقط قطرات المطر على بركة مياة ساكنة لتنتج دوائر كثيرة متقاطعة ليفتح هذا المشهد عقلي على الجمال والعشوائية , فأنا أرى المنظر جميل ولكنه عشوائى تحكمه قوانين الطبيعة , فمن السخافة القول أنه مُنظم بالرغم أنه ينتج دوائر منتظمة ومن هنا أدركت أن الوجود عشوائي وأعنى بالعشوائية هنا اللاغائية , أى لا يوجد أحد وراء المشهد يتدخل فيه . (( من الأهمية بمكان إدراك مفهوم العشوائية حتى لا ندخل فى لغط كثير , فالعشوائية هى فعل مادى لا غائى )) .

- يعجبنى التشكيل اللونى على جلد الثعبان وأرى فيه تشكيل لونى جميل ولكن سيخالفني الكثيرين فى هذا التقييم , لماذا؟ لأن تقييم الجمال نسبى فلا نستطيع أن نجمع على شئ بأنه جميل علاوة على أن هذا التقييم المتباين للجمال يفتح مدراكنا على فلسفة ومغزى الجمال التى سيأتى شرحها , فالجمال مفهوم يرتبط إرتباطاً وثيقاً بفكرة الألم واللذة فما نستحسنه ويجلب علينا نفع وفائدة نطلق عليه حسن أو جميل , وما يجلب علينا الألم والمآسى سيكون قبيح لننزع عنه الجمال , أما من يسأل عن إعجابي بجلد الثعبان فنتيجة أننى لم أعانى من رؤية ولدغ الثعبان لأتعاطى مع رؤيتى التجريدية التشكيلية .

- انظر إلى الجبال والغيوم ستجد فى مشاهدها رسوم تقترب وتتشابه مع مخزوننا المعرفي لبعض الأشياء لتمنحنا صورا جميلة تأتى جمالها من غرابتها فقد تجد بروفيل لوجه رجل أو منظر لفيل أو جمل منحوتاً فى الصخر , ولنا أن نتأمل ونسأل كيف وُجدت هكذا , فهل هناك كيان عاقل قام بنحت الجبال بأزميله وشاكوشه أم هى جاءت من عوامل طبيعية كالرياح والنحر والتعرية .. أتصور أن من يمتلك ذرة عقل وعلم سيعزيها إلى عوامل النحر والتعرية تمت على مدار ملايين السنين , وهذا مثال يعنى أن الجمال والمصنوعات الطبيعية لا تأتى من مصمم عاقل فنان نحت بشاكوشه وأزميله .

- كان من الصعب فى فترة الصحوة التأملية هذه تصور أن هناك من يرص ويدفع جزيئات ماء البحر لتتدافع فى أمواج خلابة أو يضع صخور لتتصادم بها منتجة مشاهد رائعة .

- تتناسل صحوة التأملات لتتكون رؤية أن الأمور ليست بذات ترتيب فهى فعل الطبيعة العشوائي , فلا يوجد تعمد فى تنسيق الألوان فى ريش عصفور كناريا أو ظهر سمكة زينة أو فى أوراق وردة جميلة أو فى تشكل جبل .

- المشاهد التى نراها جميلة أو قبيحة لا تخرج عن فعل الطبيعة اللاواعي , فمن الحماقة القول بأن هناك من يرسم الجمال , فالأمور تقتصر حصراً وبتفرد على فيزياء وكيمياء لتنتج مشاهد عشوائية , ومن الحماقة توهم ان هناك من يلون ويعزف معزوفة فى الطبيعة .

* ماهية الجمال .
- فى رؤيتى لا يوجد شئ إسمه جمال أو قبح فى ذاته أى أن الأشياء لا تحتوى على جزيئات فى تكوينها الوجودي والبنائي إسمها جمال أو قبح , فجمال الشيء يتوقف على تقدير الإنسان وإنطباعاته بما يشعر به تجاه الشيء ، أي أنه لا يوجد شيء جميل في ذاته كما يعتقد كثير من البشر أنه جميل , بل الأشياء تُعد جميلة أو غير جميلة طبقًا لتقدير كل إنسان لمدى تأثيرها في عقليته ونفسيته .

- الجمال ليس خاصية مباشرة باطنة في الأشياء , بل بالضرورة إحالة الشئ إلى الذهن البشري الذي يدركه ويمنحه إنطباع وبهذا تنتقل حقيقة الجمال من كونها صفة للشيء إلى طريقة إدراك وأثر فى النفس الإنسانية , فالجمال معنى عقلى مجرد لا تنتجه الطبيعه الغير عاقله , فهو إنطباع وإحساس وإنفعال ذاتى إنسانى مع الأشياء المانح الموجودات صفة الجمال أو القبح وهذا حجر الزاوية فى رؤيتى الفلسفية والتى منها نستطيع فهم الوجود والحياة وماهية الإنسان .

- لتأكيد هذه الرؤية فنحن نقول أن الجمال نسبى أى تقييم الأشياء نسبى وليس ثابتاً مطلقاً فما أراه رائع الجمال قد يراه آخرون جميلاً أو عادياً لا يثيره جمالها بل قد نجد من يعتبره قبيحاً وهذا يعنى أن الجمال تقييمات إنسانية نسبية خالصة , ولكن قد يقول قائل إننا نجتمع على الجمال , فالزهرة جميلة فلن نجد من يقول عنها قبيحة وهذا صحيح ولكن هذا لا يجعل الزهرة جميلة في ذاتها بل لتقارب الخبرات والإنطباعات والأحاسيس والمعارف والثقافات الإنسانية التى رسخت فى الوعى أن الزهرة جميلة وسنتطرق لهذه النقطة فى السياق .

- الجمال إنطباع إنساني حسى يستحسن الأشياء وهذا الإستحسان ليس شيئا ميتافزيقياً بل ذو علاقة وثيقة بما يُجلبه هذا الشئ من نفع وإيفاء حاجة بل يمكن القول أن الجمال هو تقييمنا الحسى للأشياء يما تجلبه من راحة وإشباع , كما نستمد رؤيتنا الجمالية من ثقافة وبيئة صَدرت لنا مفردات جمالية فتقبلناها كقبولنا للمعتقدات الإيمانية , ولكن ليس معنى أننا إكتسبنا التذوق الجمالي من ثقافة فقط أو هي ثقافة في حد ذاتها , بل هى رؤى الإنسان القديم للطبيعة وإنطباعه عنها بما تجلبه من نفع وضرر ليكون النافع هو الجمال بينما يتمثل القبح فى الضرر وليتم توريث هذا المفهوم لأجيال لاحقة فى ثقافة حسية .

- الإنسان يمتلك الوعى , والوعى هو إنعكاس لصور مادية فى الوجود وكلما كانت الطبيعة ثرية فى عطاءها كلما إمتلك الوعى مساحة أكبر لصور ومشاهد من الطبيعة ليختزنها فى أرشيف كبير من الصور عن الطبيعة ليكون منها وعيه وإحساسه فنحن لسنا بجهاز كمبيوتر يحتوى على ملفات مصمته بل نختزن المشاهد مصحوبة بإسقاط إنطبعاتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا عليها .

- لا توجد جزيئات فى الأشياء إسمها جزيئات جميلة وقبيحة كما ذكرنا , فالجمال والقبح مفهوم ومعنى ورؤية وإحساس وإنطباع أى لا يخرج عن حالة إنطباعية إنسانية ليسأل سائل : ما تفسيرك على إتفاق البشر على مشاهد ليصفونها بالجمال وأخرى بالقبح ؟.
أقول بداية أن تقييم الجمال والقبح نسبى وأن ما نراه من إجماع كثير من البشر على تقييم الأشياء بأنها جميلة هو نتاج تقارب وتشابه الحالة الإنسانية البيولوجية والعقلية والنفسية والتطورية .

- هناك مشهد طريف يثبت النسبية فى الجمال فهناك شعوب آسيوية تَستطعم وتَستعذب أكل الديدان والصراصير لتقدمها فى مطاعمها كشيش طاووق , كما يكون الطبق الأشهر هو لحوم القطط والكلاب والضفادع بينما شعوب أخرى ترى كل هذا قبح وقرف ومدعاة للتقيؤ .

- كما لا ننسى أن مفاهيم الجمال تتشكل من ثقافة مجتمعية ليتم تصديرها وتوريثها لأجيال ومن هنا سيبرز سؤال متشكك آخر يطلب تفسير المشهد الجمالي عند الإنسان البدائي أو لدى المعاصرين الذين يطلقون إعجابهم بالجمال عند التجربة الأولى وليس عن طريق تصدير ثقافة فنية لهم ؟. سنأتى على هذا الفهم ولكن من الأهمية بمكان إدراك أن الجمال مفهوم إنطباعي وليس وجود مادى أى أن الجمال يتخلق وفق إنطباعاتنا وتقديرنا وتفاعلنا مع الأشياء وتقييمنا لها وليس وجود حقيقى يفرض ذاته علينا .

* رؤيتى الفلسفية لماهية الجمال . .الجمال إسقاط إنطباع من فعل حاجة .
- الإنسان يكون مفاهيمه وإنطباعاته الجمالية على الاشياء التى تجلب له الخير واللذة والسعادة ويمنح القبح للأشياء التى تجلب الألم والشقاء , فالأشياء التى تمنحه الغذاء والفائدة هى أشياء جميلة , فاللبن غذاء رائع له ولأطفاله فيكون اللبن جميل وليتم إعتبار اللون الأبيض شئ جميل ومن هذا التجريد يتكون مفهوم جمالى فى أرشيف الدماغ أن الأبيض شئ جميل.

- لا يتشكل الإحساس بالجمال أو القبح بعيداً عن مفهوم الحاجة كإنطباع حسى يختزن فى الوعى بإرتباط المادة باللذة أو الألم ليتكون مفهوم حسى فى الداخل يتم إختزانه فى الذاكرة لتخلق مفاهيم لدينا على شكل إنطباعات يمكن أن نستدعيها ونَتوارثها ونَورِثها لتتشكل ثقافة وذوق جمالى ولكن كل جذورها البدئية هى ردود فعل وانطباعات عن حاجات ورغبات .

- الجمال جاء من مراقبتنا للأشياء وإسقاط رؤية برجماتية لمدى نفعها وفائدتها لدينا لنستحسنها ونصفها بالجمال , فجسد المرأة ليس جميلاً ولا قبيحاً فهو جسد فى النهاية من جلد ولحم وعظام ولكن بقدر ما يلبى إحتياج نمنحه الجمال .. فالجسد الغض القادر على الإشباع الجنسى وإنتاج الأطفال نراه جميلاً , بينما الجسد الضعيف الواهن المُجدب نراه قبيحاً لأنه غير قادر على إنتاج نسل يكون دعم لنا فى عالمنا .

- حين تنظر إلى فتاة ذات صدر مكور مستدير نطلق عليها جميلة , ليأتى هذا التوصيف من تجاربنا وخبراتنا كونها تستطيع أن تنتج ما يكفي من الحليب لترضع الطفل فوهبنا هذا النهد الجمال والإستحسان ..فهكذا يكون الوعى بديلاً عن فكرة أن الطبيعة أو الإله وهب المرأة نهد ووضعت فيه الجمال وجعلته إثارة للرجل !
لقد اسقطنا تقييمنا للنهد على مايؤديه من حاجة , فالنهد الشاب قادر على الإرضاع ووهب الحياة للوليد بينما النهد العجوز فقد القدرة على هذا فأصبح النهد الشاب بخطوطه شئ جميل واكتسب نهد العجوز بترهله القبح , لتسير الأمور معنا إلى التجريد فنتعامل مع الخط وننسى أن الحاجة هى التى قيمت الخط .
نحن منحنا النهد الشاب الجمال ونزعناه عن العجوز من مدى فائدة النهد بالرغم أنه ذات النهد ليرتبط فى ذهننا علاقة بين تشكيل خطوط النهد بالحاجة ولكننا فى معظم الأحيان ننسى الحاجة أو أصول الإنطباع البدئى الذى جعل النهد جميل أو قبيح فقد تحول لدينا إلى مفهوم إستقناه من رؤية قديمة بدئية أو من تصدير ثقافة الأجداد وخبراتهم وإنطباعاتهم وتم نسيان السبب ليتبقى الحكم كقيمة ورؤية

- لماذا مؤخرة المرأة المنحنية نراها جميلة عن المؤخرة المفتقدة للإنحناء .. ولماذا أصبح خط الإنحناء هنا جميلاً وعدم الإنحناء قبيحاً .. هل نقول شهوتنا ؟..ولكن كيف جاءت وتولدت الشهوة هنا وإفتقدناها هناك .؟! ..لا تكون الأمور وفق شهوة , فالشهوة نحن من نخلقها وكل شئ فى الوجود يرجع لسبب مادى يتحرك فى دائرة الحاجة والغاية لينتج الشهوة , فنحن لاحظنا أن المرأة ذات المؤخرة المنحنية سيكون مفيداً لحملها وولادتها , فتجويف الحوض جيد ومرن لأداء المهمة بيسر فتكون قدرتها على إنتاج الأطفال أكثر يسراً لإتساع الحوض , كما تعطى متعة أكثر فى الممارسة , فمن هذه الملاحظة المتكررة إستحسنا المؤخرة المنحنية لفائدتها ووصفناها بالجمال ليتم تلقين هذه المفردة للأجيال اللاحقة لتتكون ثقافة وذوق جمالى فى التعاطى مع المؤخرات الأنثوية المنحنية.

- عندما نستحسن بشرة المرأة وجسد المرأة الناعم ونعتبره جميلاً لأننا ادركنا من العلم أن هذا يعنى أن لديها ما يكفي من الدهن لمدها بسعرات حرارية تسعفها عند الحمل والولادة , وعندما تفتنا المرأة ذات الأنوثة والدلال لنمحنها الجمال كونها تنتج هرمون الإستروجين بوفرة وهذا يعنى أنها ستنتج بويضات , كذا سر فتنتنا بالمرأة التى تمشى بدلال من إنطباع ان تلك النسوة أصحاب مفاصل حوض مرنة تسمح بولادة ناجحة .

- منظر غروب الشمس قد يستهوى الكثيرون ويرونه منظر خلاب ورائع الجمال , فهل الجمال كامن فى هذا المشهد ؟ أم أننا منحنا الجمال لهذا المشهد نتيجة إرتباطه بحاجة نفسية إرتبطت بمشهد الغروب , فالإنسان ظل لعقود طويلة يعمل للبحث عن طعامه وكان الغروب ميقات الإنتهاء من رحلة الشقاء والتوسم فى الراحة والإشباع والأمان والإسترخاء , فيرتبط مشهد الغروب مع الحاجة إلى الراحة ويصبح هناك إرتباط شرطى , فالغروب يرتبط بالراحة والسكينة فهو شئ حسن فلنجعل مشهده جميلاً ليتوالد فى الداخل الإنسانى إستحسان لهذا المشهد ليورثه لأولاده وهذا شبيه بإستحسان الأطفال لسماع صوت جرس الفسحة فى المدرسة للإنطلاق للهو , كذلك منظر شروق الشمس نراه جميلاً رائعا ًبعد أن تكون لدينا إنطباع دائم يرافق مشهد الشروق بالأمل والتفاؤل بيوم جديد يحمل معه رزق وفير وحاجات مأمولة .

- الغيوم التى نراها ونستحسن صورتها لا تكون لوحة فنية صنعها الإله بل مجموعة من جزئيات بخار الماء العشوائية سقط عليها الضوء بشكل عشوائى وعندما نصفها بالجميلة لأننا ربطنا الغيوم بالمطر الذى يجلب الخير والنماء والحياة , لذا لو حاولنا أن ندقق فى السر الذى يجعلنا نستمتع بمنظر طبيعى نصفه بالإبداع والجمال سنجد أن له إحساس بدئى جاء من تولد إنطباع طيب تجاهه كونه مانحاً الحاجة والراحة واللذة فإستحسناه ووصفناه بالجمال .

-الإنسان كائن قادر على إختزان المُركب والمُعقد لذلك نجد أننا من الممكن أن نكون أحاسيس وإنطباعات عن الأشياء وهى فى حالتها التركيبية فيكون لنا إنطباع حسن عن الزرع ونراه جميلا كوننا نعيش ونحيا عليه , فمن خلال إحتياجنا للنبات ورغبتنا فيه منحناه إحساس طيب ووصفناه بالجمال ليترسخ فى داخلنا إرتباط النبات والزرع بالجمال ويصبح لدينا مفهوم للجمال بإعتبار النباتات جميلة لننسى السبب الأول الذى من خلاله منحنا النبات الجمال .

- هكذا بالنسبة لكل الأشياء فى الطبيعة , فالنهر يكون جميلاً لأنه واهب الحياة والخير والنماء فيلتصق فى ذهننا مفرداته اللونية والحركية بأنه جميل , كذلك يمكن أن تكون الصحراء جميلة عند أهل البادية كونها المحتوى الحاضن بما تحمله من إنتماء وهوية وذكريات لذا نجد المغتربين يرون أن قريتهم البائسة رائعة أو باديتهم جميلة بالرغم أنهم يعيشون فى باريس , فالجمال يرتبط بحالة شعورية روحية مختزنة وليس بالضرورة بكينونات ومعايير مادية مثالية .

- التمساح ووحيد القرن كائنات قبيحة لأننا ببساطة لم نحظى منهما إلا على كل ألم وشر لذا ننزع عنهما أى صفة طيبة للجمال ونصنفهما فى القبح فيتولد فى داخلنا هذا الشعور ويصبح كل تمساح قبيحاً مخاصماً للجمال .

- السماء عندما تكون مزدحمة بالسحب تفتنا أكثر من السماء الصافية لنعتبر هذا المشهد جميلاً فمن أين جاء جماله ؟هل من تكاثف جزيئات الماء ؟ فبالطبع هى منها , ولكن هذا لا يعنى أى شئ , إنما الأمور تتضح من إرتباط الغيوم بقدوم الأمطار اللازم لحياتنا وزرعنا فأصبح هذا المشهد رائعاً , ولكن هناك من يرى مشهد الغيوم الملبدة غير جميل حينها ستجد حياته غير مرتبطة بالأمطار فلديه النهر ويرى المطر معيق لحركته وعمله فمن هنا يتضايق عندما يرى السماء ملبدة بالغيوم ومن هنا نستطيع تأكيد نسبية الجمال نتاج رؤيتنا وحاجاتنا المتغيرة .

- الأمور لا تكون صارمة , فالإنسان كائن ذو وعي وتجارب ذاتية ويستقبل الوجود بأحاسيسه ومشاعره ليختلف بها عن الآخرين .. كما لا يوجد تماثل وتناسخ بين البشر فى المشاعر والأحاسيس بل يمكن أن تتقارب بحكم تقارب الإحتياجات والآلام والتجارب البشرية , وحتى الإنسان ذاته لا يوجد لديه أحاسيس متقولبة ومكررة على الدوام , فالماء لا يجرى فى النهر مرتين .

- يكون تفاعلنا مع الطبيعة بإعطاء الألوان والخطوط معنى وقيمة جمالية .. فعندما أسألك عن رأيك فى اللون الأحمر فقد تجاوبنى أنك تستحسنه وتعتبره لوناً جميلاً بالرغم أنه مساحة لونية لا تختلف عن أى مساحة لونية أخرى فلا هو متوهج ولا مضئ مثلا , فلماذا إذن يكون اللون الأحمر جميلاً فى عيونك وعيون الكثيرين .
ثمة عوامل كثيرة تجعله جميلاً فى عيوننا , فعندما نذكر اللون الأحمر يتراءى فى وعينا ثمرة التفاح , ويكمن سر الجمال بأنها أشبعت حاجة غذائية مصحوبة بمتعة فى التذوق فإستحسنا منظر التفاحة بلونها الأحمر ومنحناها صفة الجمال , فالتفاحة أوفت حاجة فجعلنا تميزها بخطوطها ولونها الأحمر يبدو جميلاً رائعاً ليبتعد مشهد التفاحة وتبقى معلومة اللون الأحمر كلون جميل فى الوعى الظاهر , أو قد يكون اللون الأحمر مداعباً خيالنا البكرى فى رؤية جارتنا الحسناء وهى مرتدية قميص نوم أحمر حرك فى داخلنا حاجة وشهوة , وقد يكون الأحمر لون فانلة النادى الذى نعشقه .. إذن اللون يستمد جمالياته من رؤيتنا نحن والذى هو إحساس راودنا ليدخل فى علاقة مع اللون .. إحساس ناتج عن ذكريات مشاعر طيبة تكون مصاحبة للون ومن هنا يكون لنا عشق وإعجاب بلون محدد .

- فطرة الإنسان ومنهج تفكيره لاتنحو نحو القوالب الفكرية بالرغم أن هناك أيدلوجيات تريده كذلك .. فيمكن أن نكون مفاهيم مزدوجة عن الاشياء مابين الجمال والقبح بحكم تباين اللحظات الشعورية فنرى الألوان بأحاسيس متباينة ونسبية .. فبعضنا يفتنه لون ويراه جميلاً ورائعاً والبعض الآخر لا يفتنه هذا اللون وقد يراه قبيحاً , بل أن اللون الواحد يمكن أن نراه جميلا وقبيحا وفقا للحالة النفسية وإرتباطه بحاجات ورغبات وأحاسيس متباينة , فالأحاسيس ليست قطبية حادة مقولبة , فكما ذكرت فى التأمل السابق أسباب الإنطباع الحسن باللون الأحمر ولكن نفس اللون الأحمر الذى أمتعنا نراه سيئاً عندما نشاهده فى الدم النازف .. فنحن عرفنا أن نزيف الدم سيخلق لنا متاعب تؤدى للموت فلا نقبل مشهد اللون الأحمر فى الدم المسفوك بينما قبلناه فى التفاحة .. لتتباين المشاعر من إنسان لآخر وللإنسان ذاته وفقا لعملية الإنطباع والتجريد التى يمارسها .

- قد نجد تباين فى الحكم على اللون الأسود كما فى أى لون لأننا كما قلنا أن الجمال نسبى أو قل أننا نحمل رؤية إزدواجية فى تقييم اللون , فبعض الناس يكرهون اللون الأسود وقد تجد منهم من يستطيع أن يعلل سبب إستقباحه لهذا اللون , فهو يستدعى صورة الموت والحزن والأمهات الثكالى أو يستدعى قصص أسطورية عن الشيطان والعفاريت والجن .. بينما عند آخرين أو عند نفس الأشخاص يجدون فيه سحراً وجمالاً لأنه يستدعى من الأعماق الشهوة الأولى والخيال الجنسى الجميل لنساء بيضاء ترتدى ألبسة سوداء .

- اللون الأبيض نراه جميلاً لإرتباطه باللبن الصادر عن الأم أو البقرة فيرتبط فائدة اللبن باللون فنستحسنه ونجعله جميلاً ونعتبره لوناً هادئاً صافياً .. ولكن نفس اللون الأبيض قد نستقبحه عندما نجده حاضراً فى شعور رؤوسنا فيصيبنا بالإنزعاج وقد نسارع للبحث عن اللون الأسود لنصبغ به شعر رؤوسنا .. إستقباح اللون الأبيض فى هذه الحالة لأننا ربطنا الشعيرات البيضاء بالعجز والوهن فإستقبحنا العجز والوهن وما يصاحبه من لون أبيض .. من هذه الرؤية نحن قادرون على تجميع مجموعة من الصور فى مشهد نستحسنه عندما يفى بحاجات ورغبات ولذة فنهبه صفة الجمال .. وقد نستاء منه لما يصيبنا منه ألم وسوء فنصفه بالقبح .

- إمتلاكنا القدرة على التجريد و الإختزال جعلنا نمنح الأشياء التى تمنحنا المتعة توصيف الجمال وننزعها عما يصيبنا بالألم والعناء والمشقة , وتتباين المشاعر بالنسبة للمشهد الواحد حسب ما يؤثر فينا ليتولد فى داخلنا القدرة على الفصل الشعورى فليس كل أحمر أو أبيض جميل دائماً كما ذكرت بل يمكن أن نستقبحهما فى حالات أخرى لتتكون قدرة رائعة وديناميكية وثرية فى التعاطى والتفاعل مع المادة .

- فى نفس السياق لماذا نرى معابدنا المقدسة جميلة ولا نراها فى معابد الآخرين .. لأننا ببساطة أسقطنا عواطف وإنتماءات وهوية إجتماعية وإرتباط بالمجموع كمشروع إنتماء على المكان المقدس كرمز يمنحنا الدفء وأمان العائلة والجماعة , ومن هنا يمكن أيضا تفسير إستحسان الإيمان من هذا المنحى .

- قد يتخلى الوعى المُدرك عن السبب المُنتج لمعنى الجمال فيصبح قيمة فى حد ذاته ولكن لا يوجد شئ جميل ولا قبيح فى ذاته كما ذكرنا فنحن من نهب الأشياء جمالها وقبحها , فالذهب معدن نراه جميلاً .. فما سر جماله هل لكونه ذو لون أصفر أصبح جميلاً فلدينا عشرات الأشياء ذات اللون الأصفر و نراها عادية .
نحن وهبنا معدن الذهب الجمال لأنه حقق لنا غاية أن نكون متميزون بإقتنائه وذلك بخلق حالة من التمايز الفوقى على الآخر والشعور بلذة التمايز والإقتناء والسطوة لذا إستحسنا الذهب ووهبناه صفة الجمال ولنصدر لأولادنا معلومة وثقافة أن الذهب جميل فيرونه جميلاً , ويزداد جماله فى عيونهم من فتنة الآخرين به ليتكون مناخ وثقافة تمنح الجمال للذهب , ولكن لو تصورنا قدرة كل البشر على إقتناء الذهب فلن يكون هنا معدن جميل , فسيبحث من يريدون التمايز البحث عن معدن آخر يمنحونه صفة الجمال .

- العلاقة الجنسية بين رجل وإمرأة فى ظل مؤسسة الزواج نراها جميلة ورائعة ونحتفى بها إحتفاءاً شديداً , بينما نفس هذه العلاقة عندما تكون حرة نراها قبيحة مذمومة ننفر منها ونستهجنها بالرغم أن الأداء والفعل والممارسة والشهوة الجنسية والميكانزم واحد , فلماذا هذه الصورة جميلة والأخرى قبيحة بالرغم من تشابههما ؟ هذا يؤكد أننا من نسقط الجمال والقبح على الأشياء والعلاقات والسلوك وفق ثقافتنا ورؤيتنا ومصالحنا وإنطباعاتنا .

- يمكن تعليم وتوريث مفردات الجمال للآخرين وخلق ثقافة جمالية تتكون ملامحها بما نصدره لهم من تجاربنا الشخصية والتى تتوافق معهم كونهم يعيشون نفس مظاهر الطبيعة , لتتشكل ثقافة جمالية لدى الإنسان يتم تصديرها للآخرين كخبرات يتم إستقبالها وتدوينها فى الدماغ فيردد أن البحر جميل كونه مصدر رزق ليتولد فى الوعى أن مشاهد البحر جميلة وأن الغروب رائع إيذاناً بالراحة فتتوارث أجيال مفردة أن البحر والغروب رائع دون أن تحمل نفس الرؤية التفسيرية الأولى .

- كثيراً ما ننسى المشاعر المصاحبة للون التى جعلته جميلاً أو قبيحاً فى عيوننا لنصفه بالجميل أو القبيح بناء على إحاسيسنا القديمة التى نسيناها ولكنها تركت إنطباعاً بقى , ومن هنا نصل إلى نتيجة أن اللون فى الطبيعة ليس جميلاً ولا قبيحاً فى ذاته ليتحدد جماله أو قبحه من مخزون مشاعرنا المصاحبة له سواء أدركناها أو لم ندرك مغزاها والتى فى معظم الأحيان نكون قد نسيناها ليبقى حكمنا على اللون وفق ماهو باطنى معبراً عن احتياجاتنا وغرائزنا وسلامنا أو وفق ثقافة إكتسبناها , فكما ذكرت أننا نكون علاقة عاطفية مع اللون وفقا لإحتياجاتنا ورغباتنا النفسية .

-عندما نحكم على مشهد بالجمال يتعاطى العقل مع كل مخزونه الفكرى ومفرداته الثقافية التى تم توارثها وما تم إكتسابه من تجارب حياتية ليتشكل قرار بالحكم على الأشياء بالجمال , ولكن لن تخرج كل المفردات الخالقة للقرار من جذور حاجات ورغبات عميقة مُستحسنة سواء أدركناها أم لم ندركها .
يمكن تشبيه التعامل مع الجَمال ببرنامج حاسوب من حيث أن تقريرنا للجمال يتم فى لحظة بينما مر بمعالجات ومخزونات ومفردات كثيرة تمت فى عمق الفكرى الإنسانى لتتشابه مع الحاسوب فى سرعة انجازه لخطوات كثيرة فى لحظة واعلان التقييم والنتيجة.

- لن يكون هناك لون جميل لو وُجد وحيداً منفرداً بل لن توجد حياة إلا من تنوع الألوان , فيستحيل أن تتواجد حياة من لون واحد , فنحن نصدر حكمنا اللحظى على الجمال وفق حاجات ورغبات وتضاد الأشياء والألوان وصراعها , ومن هنا نكون لحظة نظامية وسط وجود عشوائى فلا يتصور أحد أننا فى تواجد نظامى فنحن من نخلق لحظة ووجود نظام حتى نستطيع التعاطى مع الوجود وقد تطرقت لهذا فى مبحث سابق .

- الإنسان القديم عندما مارس الموسيقى فقد مارسها بشكل عشوائى ثم خرج منها بالنظام والجمال , فمثلا عندما عرف الطرق على الطبلة كأول آلة موسيقية .. كان يطرق دقات مختلفة معبرة عن حالته العصبية والمزاجية ليلاحظ بعض الأذكياء منهم أن هناك دقات معينة تثير الإستحسان والقبول لدى الجماعة فتعلم أن يكررها وينتقيها فى كل مرة يدق على طبلته .. ومن هنا جاءت نغمة منتظمة نالت القبول وسط الآلاف من محاولات الطرق .. ليقوم الإنسان فى العصر الحديث بإيجاد لغة ذات شفرة مثل أى لغة مكتوبة يتم التعامل بها يسميها النوتة الموسيقية .
لاتتم إستساغة الموسيقى بشكل غامض بل لوجود أعصاب فى الأذن ترتخى وتتمايل مع النغمات الحلوة لتكون تلك الموسيقى بمثابة المساج لتنال التقدير والجمال , بينما الدقات والنغمات الصاخبة الشديدة والرتيبة تصيب هذه الأعصاب بالإنزعاج كمثل سماع دقات المطرقة على السندان لتكون النغمات الموسيقية التى نسمعها ونطرب لها حالة إستثنائية تولدت من مليارات النغمات فى الوجود لتكون حالة جمالية نظامية أو قل نحن من أطلقنا عليها الجمال وسط عالم ملئ بالفوضوية والعشوائية .

- كل موسيقى الدنيا من سبع نغمات وكل لوحات العالم من 6 ألوان .. يكون التنوع والغزارة فى الإنتاج من عملية مصفوفات وتشكيلات وتوافيق لهذه الأنغام والألوان فهل فهمنا ما هى الحياة ؟. هى تشكيلات وتنوعات عشوائية أنتجت اشياء متباينة أوجدنا لها معنى بينما مفرداتها ليست بذات معنى ثم نقنن هذه المشاهد كمعايير , ولنضيف بإستحالة أن تتطابق نغمة مع نغمة فى الكون .!
نعم الوجود عشوائى ومهما تحايلنا عليه فلن تتطابق نغمتين أو لونين أبدا لأن كل نغمة ولون تواجد فى وسط مادى زمكانى يستحيل معه التطابق .

- يتجمع لدينا مخزون هائل من الصور والأشكال التى صنفناها بالجمال أو القبح لتتولد ثقافة سواء تكونت من إبداعنا أو إكتسبناها من المجتمع فكلما رأينا فى واقعنا المعاش صورة جديدة نبدأ فى تقييمها وفقا للرصيد الإنطباعى الذى نمتلكه , ومن هنا ينشأ ما نسميه بالذوق الفنى أو الجمالى أى قدرتك على الإحساس بالإشياء وتقييمك لها وفقا لمخزونك من الأحاسيس والخبرات القديمة التى هى إنطباعات وإستحسانات للطبيعة وعلاقتك بها .

* الجمال والحركة .
هناك علاقة وثيقة وجدلية بين الجمال والحركة , فنحن نستحسن الاشياء عندما تكون مُفعمة بالحركة لتتكون شفرة خاصة بين الجمال والحركة , كون الحركة هو وعينا وإحساسنا وإدراكنا الحقيقى للوجود , فكلما كانت الصور غزيرة الحركة كلما إستحسنا شكلها , فالحركة هى الحياة وسرها وشفرتها ولا نقصد بقولنا الحركة تلك الحركة الميكانيكية بل فى عمومها من التغيرات الشكلية والكيميائية والفيزيائية والتطورية لنجد أن عيوننا وآذاننا ونفوسنا تُفتن من تلك الأشياء السخية الفياضة من الحركة لنستحسن الموسيقى والرسم ووالبحر زالمشاهد الطبيعية المُفعمة بالحركة لنطلق عليها جميلة , فلا يوجد أى جمال من خلال لون واحد او نغمة واحدة أو السكون فهو الموت والموات بعينه ليكون سر الجمال فى هذا الثراء الشديد من الحركة .

- يمكن تأكيد فكرة أن الجمال إنطباع إنسانى على الأشياء من فكرة أن المادة سابقة على الوعى ولا تكتفى بأسبقيتها بل بتشكيل الوعى وفق الصور التى تطلقها لتسقط على مرآة الوعى لتشكل الفكرة والمفهوم والإحساس , فكل إنطباعاتنا وأفكارنا وأحاسيسنا نتاج سقوط المادة بأشكالها المختلفة على مرآة الوعى ليأتى الجمال من هذا السياق فهو إنطباع وإحساس تكون من التفاعل مع الوجود المادى .

دمتم بخير .
فلنستفيق قلا وجود لعاقل مُسبب ومُحدث ومُحرك وصَانع للجمال , فالأمور تعود لطبيعة عشوائية غير مريدة .

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين