جرحك الأكبر من كَلي زاخو

مراد سليمان علو
2021 / 6 / 29

(1)
أشجار البلوط ترسل أشباحها إلى مقبرتك الهاربة من قسوة الآلهة.
المرايا الخضراء تبكي دموعا من ذهب على رقصتك الأخيرة عندما ذبحت بسكينة الجيران.
أخطأت العدّ ثانية، فكم تظنين هي عدد القصائد التي ألصقتها على الجدران قبل رحيلكِ.
في فراغات البيادر التي تتوسط منظر القرية من بعيد بانت نقوش ملابسك الداخلية، وأصبحت حجاً للعناكب الشاردة.
لا تزال الكلمات المبتذلة في أبجديتك المائعة تحرسها الحروف الصامتة في ليل اللغة المبهم.
كل اللهجات الجارحة تعصر هلاوسها في فمك الكبير ذي الابتسامة المطاطية عندما تحاصر الغجر في وادي الملوك.
كلما قدمت نصائحي في أوقات التزاوج المقدسة تغرقينني في السوائل المخاطية، وتشحذين أقرب الحروف إليك.
ما الذي دعاك إلى فتح الجرح ثانية؟
جرحك الأكبر من كلي زاخو.
ألم يكن الجرح كافيا ليرافقك لونه إلى بلاد الغربة؟
يا بالوعة الألوان.
أكان لا بد من الأحلام؟
ليسكر العقرب ثانية
ويعود للعزف في الفرقة الماسية
وتستمر النجوم بذرف الدموع.

(2)
آه، يا سيباى! يجب أن نسترد الجبل؛ ليكون شاهد قبرنا في مدينة النمل. النازح هنا شبح إنسان يغرف من غدير الحنين. الصخور داجنة في المدينة المزدحمة؛ لذا تلتحف الأحلام بحجارة السكينية حال خروج المارد من قمقمه. من منكم رأى خيري الشيخ خدر وهو يزرع الأحلام ـ كنت أظلله بروحي وهو يزرعها ـ في دروب شنكال. لزوجة الطين يمنع اليتيم من السير على الطرقات للاستجداء، فيسخر الإله من تقاعسه.
هل أتاك خبر زمن الثعالب الراقصة على جثث الأسود الغارقة في الحبّ؟
لا يزال المساء يبعث بأريج عطر ضيوفه وتتبادل الحشرات المواقع لنقل رسائل الغرام.
أيا ذو العيون الزرقاء، كيف ترى بالأزرق؟
ألست أيزيديا؟
أنظر إلى القرية أذن وقل لي ماذا ترى؟
هل من أثر لقصّة حبّ تبعثرت حروفها؟
هل لا تزال أميرتها تعانق القصائد؟
أم أن سمك القرش الغبي خطفها تحت أنظار القمر؟
ألهذا القمر يبكي؟
أكره القمر الذي لا يدافع عن محبوبته، ويلقي بنفسه في المحيط ليلتحق بها. الدقائق تبدو مملة بانتظار الحبّ والموت.
الملائكة الأقزام بانتظار الأوامر لفتح صفحة جديدة مع الفصول بشهادة سادة من الأراضي الوسطى لتلاوة مقاطع من الحبّ في الغربة.

(3)
حياتي، قصّة قصيرة جدا تهرب من بين أصابعك.
الضربات القوية من فرشاتك موسيقى تصمّ آذان صديق النزوح بيتهوفن. العطور المستخرجة من التينة اليتيمة في أوّل الطريق إلى مصيف كرسى عوّد العاشق على سرقة حروف الأبجدية القديمة لكيوبيد.
هل سيمّر أنكيدو في شارعكم هذا المساء أيضا؟
أي نوع من الجنس سيمارسه هذه المرة مع عنزتكم الشوهاء؟
متى سيتوقف كلكامش عن التصفيق لصديقه الشبق؟
أية دعارة يديرها الملك بغياب الشاعر؟
أحلمُ بموتٍ ذي رغوة، وناعم الملمس كلسانك الذي ينسل من بين شفّتيّ.
احملي جثتي في قارب ملوكي مضرب عن الإبحار؛ لأغني على مهلي أنشودة الحورية العاشقة.
الدلافين القادمة من صحراء عينيك نسيّت الرقص.
تحسست جسدك المسجى بشهوتي على ضريح التقدمات عندما غطّت رغوة الموت صدرك النابض.
أين مشطها العاجي؟
خصلة من شعرها لا تزال عالقة بين أسنانه!
لماذا الموت ـ ذلك الشره ـ فقط له الحق في أن يغطي صدرك من الثدي إلى الثدي؟
أيتها الزبدة الكريمة التي تطفو على فرات صو، ومراد صو، متى موعد ذوبانك؟
أيتها النخلة دعيني أتمدد في تجاويف جذعك، وليسقط عليّ حفنات من ثمارك لرحلتي القادمة.
***

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي