الإنفجار العظيم ٤ ( رؤية اجتماعية ٢ ) أسطورة عين شمس

ماجد الحداد
2021 / 6 / 29

تكملة للمقارنة المعقودة بين اسطورتي سومر الرافدية واسطورة عين شمس المصرية من منطلق اجتماعي ونفسي .. لنزداد وعيا وفهما لمجتعاتنا الشرق اوسطية من خلال ترميز عمادي حضارة المنطقة الذي اسقطته تلك الشعوب على الإنفجار العظيم من واقعها ..
قلنا أن آتوم النتر الخالق والذي خرج من نون الماء الأزلي العظيم ... خلق تفنوت الرطوبة وشو الهواء والأثير . وقد أشرنا على بصقة السماء وصوت العطسة اتشووو التي عطسها آدم عندما نفخت فيه الروح في موروثنا ...ولما تزوج شو من تفنوت انجبا چب الأرض ونوت السماء ... وكانا ملتصقين ... فلم يعجب هذا المنظر شو الهواء ، فدخل بينهما ورفع نوت بكلتا يديه ووقف على چب ... ثم انجبا رباعي ابناء آدم ... اوزير وست وايزة ونفتيس ...
نلاحظ هنا في الأسطورة انها تختلف عن سومر في ان الهواء والأثير هو الأب وليس ابن كإنليل ... بالمناسبة كلمة هواء عليل في اللغة العربية جائت من انليل ...
نجد سلطة الأب هنا تتجلى في ايجاد ابنائه بل والفصل بينهما....ليس بسبب ان زواج الأخوة مرذول لانهم تزوجوا وانجبوا الرباعي المذكورين ... بل ليتم ذلك تحت اشرافه المباشر ... وهذا منبعه طبيعة وادي النيل الممتدة طولا من الجنوب إلى الشمال مما يؤدي لسهولة الإتصال بين شقي نصر السفلى والعليا ... وهو ماساهم في وقت مبكر جدا في التاريخ لتوحيد القطرين على يد الملك "ميني" اي المخصِّب وهو ما ندعوه خطأ مينا بسبب ان المصريون يخلطون املائيا بين حرف ي وحرف ى الألف اللينة ويسمونها ياء البطة أو "نعر_مر" النخلة الجميلة كأحد أسمائه ...
وظلت مصر منذ بداية التاريخ المكتوب حتى عصرنا الحالي ترزح تحت حكم مركزي على يد ملك واحد في امرته مهما تنوعت الأسر والحكومات وتوافد المحتلون عليها ... الا في عصر حكام الاقاليم ابان الدولة الوسطى ... وعصر المماليك .
وهذا الحكم المركزي انشأ بيروقراطية صارمة عتيدة لا تتزحزح سواء على المستوى الإداري او الديني وهو السبب ايضا في ثراء المعابد وصعوبة الطقوس الكهنوتية عن نظيرتها الرافدية ... ويظهر عذا في الاسطورة ان هناك ثنائي ابوي وقبله اب واحد قبل انشاء السماء والأرض ... وتلك البروتوكولات تخبرنا عن البيروقراطية عند المصري .. بعكس نظيره الرافدي ....
لكن ألا تلاحظون أن هناك تبديلا بين جنس الأرض والسماء في كل منهما ؟
فسرنا سبب انثوية الأرض وذكورية السماء عند الرافدين في المقال السابق ... ولكن في مصر الوضع مختلف .. فالأرض مذكرة والسماء مؤنثة .. لكن لماذا ؟
طبيعة جغرافية مصر تساعد على الإستقرار ... فضلا على حدودها الطبيعية من الشرق والغرب ... جعل الرجل المصري لا يغادر ارضه للصيد اووللحرب او للرعي ... وهو ما جعله يتفرغ للزراعة ويكتشفها بدلا من المرأة وظلت المرأة هي اليد المساعدة له في ذلك واهتمت اكثر بتربية الدواجن .. وتركت له الحرث والحصاد بسبب ما يحتاجه ذلك من قوة عضلية ويؤكد ذلك أيضا النقوش في المقابر والمعابد ونحن نرى النساء تعجن وتخبز وتحمل الطيور ... والرجل في الحقل .. وهذا يحدث إلى الآن ...
وبسبب سيطرة الرجل على الأرض جعلهم يرون أن الأرض تمثله هو بخصبها وانتاجها ... حتى أنه عندما قامت ثورة لاهوتية اجتماعية بعد عصر بناة الأهرامات ... ظهر اوزير كمخلص .. وبعد خداعه من قبل اخيه ست الشرير وقتله .. قرر ان يظل في العالم السفلي عالم آمنتي الغربي .. ويخرج كل سنة بالخصب والنماء في عيد شم النسيم نفس موعد قيامة المسيح ..لكن هذا الإحياء لن يتم إلا بمساعدة زوجته إيزة ... لذلك هي تحايلت على رع بمساعدة چحوتي إله الحكمة لتحصل على اسمه الأعظم الذي يحي به الموتى ... فقرأت على اوزير التعويذة بعدما جمعت اشلائه من ربوع مصر كلها ليحيا من جديد وتشكلت على عيئة طائر لتجامعه وتنجب حورس خليفة ابيه ...
وللمرة الثانية يكون اوزير ملقى على الأرض كچب وايزة تهبط عليه كأنها السماء لتتزاوج السماء بالارض ... اي ان ايضا الارض مذكرة والسماء مؤنثة ...
لكن على الرغم من طبيعة المصريين المسالمة والتي توحي بأنوثة طبعهم ... إلا أننا نجد تناقضا بل ازدواجية لم اشهدها في امة قط ... وهو ان اول رمز للخصب كان ذكرا وهو النتر مين وهو من اقدم النترو ... وهو ذلك لل الذي يقف وعضوه الذكري منتصب ويمسك له باحدى يديه قبل ظهور تاورت فرس النهر نترة الإنجاب...
ونجد اشارة اخرى لازدوجية النتر "حعبي" إله النيل ... فهو رجل وله ثديا امرأة ... ثم نجد تماصيل ونقوش لملوك عديدة يجلسون على العرش هم وزوجاتهم ... وهي مكانة للمرأة متميزة ...خوصا عندما نقرأ الحكم التي يقولها امنوبي مثلا للاهتمام بالزوجة والمرأة .. وكلمة اختك تقال للزوجة كنوع من الحميمية واحد ورة لزواج الاخوة في الوعي ... وان كانت اختفت بين عامة الشعب الا انها ظل يعمل بها ملكيا ...
وتلك المكانة اعطت سلطة للمرأة داخل بيتها وبالنالي على زوجها .. مما جعلها متسلطة نوعا ما على الرجل ... وعدم ترحاله ومكوثه بجابنب ارضه جعل من الصعب عليه تعدد الزوجات ... مما أدى لبرود جنسي للمرأة بسبب عدم الإشتياق
وعدم التنافس بينها وبين مثيلاتها للاستحواذ على الرجل بعكس ما راينا مع عشتارت الرافدية ... وإلى الآن ان يتزوج الرجل المصري بأخرى اكثر جرما من ان يتخذ عشيقة ...
وبحكم عملي كنت اجد كثير من الرجال يشتكون لي برود زوجاتهم ويبحثون عن علاج ... بعكس زملائي العاملين في دول الخليج .. يأتيهم النساء ليشتكوا من فرط شهوتهن ... وبشكل عام المرأة المصرية الأصيلة قد لا تملك اغرائا انثويا كنظيرتها الرافدية والرسوم والتماثيل تؤيد ذلك ...كما أن عملية الختان تشارك في هذا ... خصوصا بانتشارها في افريقيا ...
بقي لنا تنويه بسيط عن دور ايزة والأم المصرية الرائعة في تربية البطل في احراش الدلتا كما فعلت مه حورس ليأخذ بثأر ابيه من ست ويسترد ملكه المغتصب ... الى الآن في صعيد مصر كل أرملة تتحول الست _ ايزيس _ .. وابنها يتحول لحور ...ليستمر الثأر ...

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير