الإسلام السّياسي وُلِدَ لِوقف تحديث الدّولة

عزالدين بوغانمي
2021 / 6 / 28

عندما نتحدث عن جذور التيار الإسلامي السياسي، غالبا ما يعود الدّارسون إلى العشرينيات من القرن الماضي حيث ظهرت جمعيّتيْ "الشبان المسلمين" و"الإخوان المسلمين" في مصر. وبعضهم يستدعي الأثر الذي تركه المثقفون الإصلاحيون، مثل الأفغاني وعبده ورشيد رضا وغيرهم. والحقيقة أن هنالك بداية أبعد قليلاً، يجري عادة تجاهلها، رغم أنه من الصّعب تتبّع مسار مأزق الإسلام السياسي وغربته على العصر دون أخذها في الاعتبار.
من المعلوم أنّ التراجعات العسكرية المؤلمة، التي شهدتها السلطنة العثمانية خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، أنتجت صخَبًا فكريا وسياسيا شديدا وسط النخبة العثمانية انتهت بانطلاق عهد التنظيمات، وهو برنامج واسع النطاق لتحديث الدولة ونمط الاجتماع، وبناء علاقة من نوع جديد بين الدولة والمجتمع، قاده رجال حكم كبار، مثل رشيد باشا، فؤاد باشا، وعلي باشا سعوا إلى استبدال مؤسسة الدولة التقليدية محدودة السلطات بنموذج دولة حديثة مركزية لها سيطرة مطلقة على أرضها وشعبها. وهكذا تمّ إلغاء الأنظمة الوسيطة الضرائبية، وتأسست علاقة ضرائبية مباشرة بين الدولة وموطنيها. وتم تنظيم الجيش ليصبح مؤسسة محترفة على ذمّة وزارة الحربية. كما سيطرت الدولة على مجال التعليم، فأنشأت وزارة مركزية لنشر التعليم الحديث والتحكم في المناهج، وأُلغي نظام القضاء التقليدي ومرجعيته الفقهية التي ظلت بيد "العلماء" منذ بزوغ الإسلام، وهنا تكمن مسألة الاشتباك الكبرى بين الدولة الحديثة والقوى الماضوية الرافضة للتحديث، حيث وُلِدت وزارة عدل بنظام عدلي حديث وقوانين تُشرّعها الدولة. ثم وبالتّدريج وضعت هذه الدولة الناشئة يدها على قطاع كبير من الأوقاف لتعزيز مصادر دخلها، وتوفير الأموال الضرورية لتلبية حاجات مؤسسة الحكم والإدارة المتسعة بصورة غير مسبوقة في تاريخ الاجتماع الإسلامي.
في تونس، وفي مصر إلى حدّ أقلّ قليلا، سار المشروع التحديثي في موازاة المركز باسطنبول، يسبقه أحياناً، ويسير على خطاه في أحيان أخرى، أما المناطق التي وقعت مبكراً تحت السيطرة الأجنبية، مثل الجزائر والهند، فلقد تكفلت الإدارات الاستعمارية بعملية تحديث سريعة وبالغة القسوة والتّشويه.
هذا المشروع التحديثي الجديد الذي انطلق في أواسط أربعينات القرن التاسع عشر ولّد عددا من التطورات، أبرزها:
• انهيار وحدة الإطار المرجعي في المجتمع الإسلامي، إذ استبطن المشروع التحديثي قوانين وتشريعات ومؤسسات وأنماط اجتماع وتصورات صادمة وجديدة عن الميراث الإسلامي من حيث وضعه لجزء من المدركات الشرعية للأمّة على طاولة المساءلة والمراجعة. وبذلك، فقد المجتمع الإسلامي للمرة الأولى في تاريخه وحدة ثقافته ووحدة معاييره التشريعية والضميريّة.
• أما التطور الثاني، فلقد ارتبط بالتضخم الهائل لجسم البيروقرطية الإدارية وتوسّع سلطاتها بشكل غير مسبوق. وهنا أفتح قوسين لأشير إلى مسألة بالغة الأهمية لها علاقة بعنف الإسلام السياسي. حين كان القضاء وأمور الزواج والطلاق والتربية والتعليم والفتوى متروكة لطبقة العلماء، كان الإصلاح ممكنا من خلال النّصح والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومن خلال أهل الحل والعقد. ولكن مع ولادة الدولة الحديثة وسيطرتها المطلقة على كل مناحي حياة الجماعة المسلمة من حماية حدود الامبراطورية، إلى التجارة والأمن والمؤونة والتعليم والتشريع والضرائب، أصبح الإصلاح مستحيلا دون افتكاك مؤسسة الحكم بالعنف.

عودٌ على بدْء، ما كان لهذه التطورات الكبرى بكل ما لها من تأثيرات حادّة على الاجتماع الاسلامي أن تمرّ دون ردّ فعل. فهذه التغييرات طالت المكانة الأخلاقية لطبقة العلماء ووجهاء السلطنة الذين هُمّشوا وضُرِبت مصالحهم المادية بسبب سيطرة الدولة على الأوقاف، وضُرِبت مكانتهم المعنوية حين سُحبت منهم مهام القضاء والتعليم. فلكل هذه الأمور شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر عدداً من الثورات المناهضة لما يعرف ب"عهد التنظيمات" قادها ما عُرفوا ب"العثمانيين الشبان"، مثل شيناسي ونامق كمال، ومدحت باشا... وغيرهم من الذين اعتبروا الدولة الجديدة مؤسسة استبدادية تدمر قيم الاسلام بهدف توكيد احتكارها للسلطة والحياة. والحل عند "العثمانيين الشبان"، هو العودة إلى النظام التقليدي ما قبل التنظيمات. ولأول مرة في تاريخ المسلمين تولد معارصة تطالب ب"العودة إلى الشريعة"، واضعين بذلك أسس التماهي بين الدولة المركزية الحديثة والظلم، وبين عدل الشريعة ونظام الحكم التقليدي، نظام ما قبل الدولة والإدارة. ذلك أن الشريعة في الموروث الإسلامي مثلت "خطاب المجتمع" وليس مؤسسة قانونية علوية ومفروضة. بمعنى أن الشريعة كانت الفضاء الذي يتشكل فيه السلوك العام للناس، ومعايير العلاقات، فهي ثقافة الجماعة، لغتها، عاداتها وتقاليدها، مقاييس المعروف والمنكر في حياتها، وليست فقط جملة التشريعات والحدود الخاصة بعدد من الجرائم. ولذلك كانت دعوة "العودة إلى الشريعة" في خطاب العثمانيين الجدد تصور الشريعة باعتبارها كياناً منفصلاً، أو وضعاً جرى "التخلي عنه" ويجب "العودة إليه".
في العقود التالية، تردد صدى خطاب العثمانيين الجدد، ليؤدي في النهاية إلى ولادة التيار الإسلامي السياسي.
اصطدمت الدولة الحديثة في المجال الإسلامي منذ ولادتها العسيرة بالانقسام الداخلي في المجتمعات وبتشظي المرجعية الإجماعية. وهذا أدى إلى أزمة شرعيتها المُزمنة، مما جعلها دولة عنيفة بالضرورة.
ولعل تشظّي المرجعية نلاحظه حتى في صفوف التيار الإسلامي السياسي نفسه. فنحن اليوم لا يمكننا التوافق على هذا الحزب أو تلك الجماعة يمكنها أن تدعي الحديث باسم التيار الإسلامي. وبانفجار العنف الإسلامي في مصر السبعينات، وفي سوريا الثمانينات، وجزائر التسعينات.. وبعد ذلك، أو بسببه ولدت الجماعات الإسلامية المسلحة العابرة للحدود والقارات، حتى وصل تشظي التعبيرات الإسلامية مستوى غير مسبوق في تاريخ الإسلام كله. ولذاك فإن هذا التشظي وفقدان اليقين إنّما يعكسان بعضاً من أزمة الحداثة والتّحديث، وليست أبدا إعادة إنتاج للموروث.

خلاصة القول، والحقيقة المركزية التي يجب الانتباه إليها وزيادة النظر فيها وتفكيكها وإعطائها من الجهد البحثي لفهمها على نحو أكثر وُضوحًا، هي أن جماعات الإسلام السّياسي وُلِدت في أصلها وجذورها ضدّ قيام الدولة الحديثة. وهي بهذا المعنى قوى طُفيليّة مُعطّلة لمسار التاريخ الكوني الإنساني، ومن المؤسف أنّ بناء الديمقراطية في ظل وجود هذه الجماعات هو ضرب من الوهم. وهذا بالضبط ما يُفسّرُ الخراب الذي تُخلّفه هذه القوى كُلّما عثر التاريخ ومكّنها من الحكم في أي بلد من البلدان.

في نفس السياق وبنفس المنهجية، وبعد أن أصبحت الجماعات الإسلامية المسلحة وشبه المسلحة مصدر تهديد لأمن العديد من المجتمعات الإسلامية، ولأمن العالم ككل، يجب دحض الآراء العنصرية، التي تجد قبولا متزايدا في دوائر رسمية وأكاديمية غربية، وحتى عربية ويسارية مبتورة، تقول أن المشكلة هي أصلاً في الدين الإسلامي نفسه باعتباره دين عنف وكراهية وتطرّف، وهو دين مختلف عن الدين المسيحي مثلا. والحقيقة، أن الإسلام ككل موروث ديني هو بالضرورة مختلف، غير أنّ اختلافه وفرادته لا تفسر صعوبة استجابة المجتمعات المسلمة للحداثة، وليست كافية لتفسير هذا التشظي في تعبيرات الإسلام السياسي، وهذا الصعود غير المسبوق للعنف العشوائي باسم الإسلام. إنّما المشكلة، على الارجح، تقع في السياق التاريخي للحداثة في مجتمعاتنا، أكثر منها في الموروث الديني.

يبدو أنّ الأسباب العميقة لظاهرة التطرف والعنف والإرهاب ورفض الانسجام مع قيم العصر ومع منظومة حقوق الإنسان الكونية، تكمن في انهيار الاجماع وغياب المرجعيات الوطنية الجامعة، وتأخر ولادة كتلة تاريخية قادرة على عقلنة السياسة وقيادة هذه المجتمعات إلى الأمام ... كل ذلك أدّى إلى العجز عن حسم الإجماع حول دور الإسلام وموقعه في المجال العام. وما لم يحصل ذلك على نحو يجعل من قضايا الإجماع الداخلي ثقافة اجتماعية راسخة، ستظل هذه المجتمعات تُصارع أسئلة الديمقراطية والحريات والهوية والمواطنة ودور الدولة وعلاقاتها بالعالم، وأيضا أسئلة الفقر والتنمية. فشعوب ونخب لا تستطيع التوافق الأدنى حول المسائل الكبرى التي تُبنى عليها الأوطان والأمم، ستبقى عُرضة للتمزق والحروب الداخلية والفساد والعنف والتطرّف بشتّى أنواعه.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا