مخرجات برلين .. كلمات حق يشوبها الباطل

فتحي سالم أبوزخار
2021 / 6 / 27

ستناقش المقالة أولاً لماذا عقد الملتقى بألمانيا؟ ثم نتعرف على أهم النتائج وما قد يشوبها من دوافع يراها الكاتب غير مطمئنه وخاصةً أن الوضع لم يتغير كثيراً من برلين (1) بتاريخ 19 يناير 2020 م إلى اليوم .. سيحاول الكاتب أن يكون موضوعياً بالرغم من أن النتائج غير واضحة وسيتجاوز الدبلوماسية هذه المرة ويقول النفاق السياسي شوه معظم الكلمات التي قد نطرب، للوهلة الأولى، لسماعها.

لماذا برلين؟
برلين "محلك راوح" لا جديد ولكن برلين مستمرة فهي تعني الاتحاد الأوروبي الذي يهمه أن تتحقق مصالحه من خلال طبيعة الوضع في ليبيا! ومصلحة الاتحاد الأوروبي غير معزولة عن مصلحة روسيا والصين والراعي للشأن العالمي الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفق 70% على الناتو! إذن فجر الاجتماع مرة أخرى لبرلين هو لتحقيق أكبر مكاسب لألمانيا أولاً وباقي دول الاتحاد الأوروبي حسب درجة القوى الاقتصادية والمشاركة في الحلف الأطلسي، والمصلحة الكبرى لراعي الحلف أمريكا.
ستسعى ألمانيا لصياغة وضع سياسي في ليبيا بما تضمن من خلاله مصالحها ولا ننسى هناك دولتين تعتبر ليبيا امتداد جيوسياسي لمصالحهما كما هو الحال بالنسبة لإيطاليا بحكم التاريخ الاستيطاني، ومحاولاتها تجاوز المجلس الرئاسي بالسماح لعقد ملتقى مصالحة لوفد من الجنوب على أرضها بدون علمه، وفرنسا لحدود ليبيا مع دول فرنكوفونية، وبروز اليونان بقصة المياه الإقليمية والدولية ودخول تركيا على الخط لرسم الحدود البحرية مع ليبيا وانزعاج إسرائيل قبل مصر من الوجود التركي. وبريطانيا والتفكير في استمرار 12 مليار من الأصول المجمدة وتحريك الشارع من خلال المتحدث باسم ضحايا الجيش الإبراء كيني دونالدستون لتعويض أسر ضحايا الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي تلقى الدعم من الدكتاتور معمر القذافي وتحميل الشعب الليبي مسؤولية جرائم القذافي.

كلام مبهم عن إخراج المرتزق:
القصة الحزينة الكل يتحجج بأن استقرار ليبيا يحتاج لإخراج المرتزقة وهذا لا غبار عليه ولكن بدون الوقوف على تعريف واضح للمرتزقة! بل تجد أحيانا إضافة مصطلح و "القوات الأجنبية"، فالسعودية والأمارات ومصر وإسرائيل وروسيا تحرص على وجود قوات داعمة لحفتر وبشكل غير رسمي ولا تعترف بها إلا بصيغة مبهمة. فبدون اعترافهم نجد بليبيا: فاغنر، وجنجاويد، والتكفيرين "المداخلة برعاية سعودية"، وقوات فرنسية ومصرية. والدول مجتمعة تصرح بأنها مع استقرار ليبيا، وترفض الوجود العسكري التركي والذي تحكمه اتفاقية بين الدولتين، وتضعه بنفس الدرجة التي تتكلم فيها عن خروج المرتزقة! هذا التحايل غير المسؤول الذي تمارسه الدولة المدعية أنه يهمها الاستقرار في ليبيا! نسمعه أيضاً من السيد هايكو ماس وزير الخارجية الألماني: مع تفاؤله عن "أمكانية نجاح الانسحاب المنشود لجميع المقاتلين الأجانب في ليبيا" فصيغة "الأجانب" تحايل واضح! كل الشعب الليبي مع رفض أي عسكري أجنبي ولكن عندما تحدد وجوده اتفاقية دولية فالأمر يختلف ومع هذا لنقبل هذا!
فنجد أن غياب الجدية يعبر عنه بقوله أيضاً: "الطريق إلى السلام ليس عدوا سريعاً، بل إنه سباق ماراثون". نسمع أيضاً نفس الصيغة المبهمة من ناحية روسيا فنائب وزير الخارجية السيد سيرغي فرشينين شدد على ضرورة "تقليص الوجود الأجنبي والحد من الوجود المسلح بشكل مدروس" وأكد أيضاً وزير الخارجية الأمريكي السيد أنتوني بلينكن "ضرورة التطبيق الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر الماضي بما في ذلك انسحاب القوات الأجنبية" .. لا ندري لماذا توجد بالكثير من دول العالم معاهدات واتفاقيات عسكرية مقبولة بل وقواعد عسكرية فهل هذا يقلل من سيادة تلك الدول؟ عندما تكون موثقة وبرضى الطرفين!!!

تحرك الداعشي حفتر للجنوب وأمريكا تسدل غشاوتها الدبلوماسية:
بات تحرك أمريكا عموماً غير واضح لضمان الشكل الناعم "الدبلوماسية" وخاصة مع صعود الديمقراطيين إلى سدة الحكم، بعدما فشلت في استخدام القوة الصلبة في أفغانستان والعراق ولبنان، ومن قريب التصريحات النارية للسيد ترامب ومن بعيد تنبيه الدكتاتور معمر لأمريكا وهو يخطب في طلبة جامعة أوكسفورد بأن الصين دخلت لأفريقيا بالتنمية وامريكا دخلت بالجيوش والقواعد العسكرية، وهي تعرف، أي أمريكا، بأن المعركة اقتصادية بالدرجة الأولى والتنافس لأجل وضع اليد على المواد الخام واكتساح أسواق العالم، لذلك نجدها توظف علاقاتها مع الأطراف التي قد تبدو متناقضة، بشكل زئبقي لا يهمها فيه إلا مصالح أمريكا التي أتهمتها الصين بتشوية تنميتها السلمية والتي سياستها العسكرية حسب ما تقوله الصين دفاعية أكثر منها هجومية.. فتصريحات السيد جوي هود مساعد وزير الخارجية بالإنانة لشؤون الشرق الأدنى على قناة الجزيرة: " أن السيد بادين أوضح بأن: "أولوياتنا هي مساعدة الشعب الليبي في الانتخابات في ديسمبر" هدف الولايات المتحدة هو أن تكون مستقرة وموحدة، بعيدة عن الإرهاب والتدخلات الخارجية، وإن بلاده ترفض أي أعمال مسلحة وأي تدخلات في ليبيا مهما كان شكلها، وتدين وجود الجماعات المسلحة" كلام جيد ولكن ليبيا ليس لديها مصانع للسلاح لذلك فهي لا تسلح أي مجموعة! فالسلاح يتم تتبعه من لحظة خروجه من المصنع إلى أخر نقطة استلام فلا الشعب ولا الحكومة سلح أحد في العالم!
ويذكر السيد هود في سياق حديثه: "طالما يلتزم حفتر بوقف إطلاق النار فلديه مكان على الطاولة .. والقرار لليبين ليروا كيف يبدو ذلك" وبعد أن علق السيد هود على ضرورة أن تكون للحكومة قوة لتكون قادرة على السيطرة على المليشيات في محاربة الإرهاب ذكر بأن: "حفتر ممكن أن يكون مفيداً في محاربة الإرهاب أينما ظهر سنقوم بالضغط عليه بالتأكيد وعلى لاعبين أخرين بالتأكيد مع شركاؤنا الدوليين"
المجرم الداعشي الذي تعاون مع داعش وسمح لها أن تغادر درنة وبنغازي لتستقر في سرت وهو يسيطر بشكل كامل على المنطقة الشرقية، وهجم على العاصمة وأمطرها بوابل من صواريخ القراد والهاوزر وساعدته الإمارات بقصف الطيران فتموت النساء والأطفال وتهدم البيوت والمستشفيات ومراكز إيواء المهاجرين وتهجر عشرات الأف من العائلات الليبية..فعوضا أن يقدم لمحكمة الجنايات الدولية لارتكابه جرائم حرب وضد الإنسانية بل ومحاولته الإبادة الجماعية لأهلنا التبو في مرزق. كل هذه الجرائم والسيد هود لا يرى مانع من جلوس المجرم والضحية على نفس الطاولة! عقولنا لا تبتلع كلام سيد مسؤول بمستوى هود بقبول المجرم حفتر ليكون على طاولة مع شرفاء ليبيا!

ما المحظور من فتح الطريق الساحلي؟ بعد السيطرة على الجنوب!
ما يراه الكاتب بأن تخوف أمريكا من العملاق الصيني المتمدد في أفريقيا قد يدفعها لقبول التمدد الروسي بدرجة على مضض وخاصة مع وجود اللاعب التركي الذي حصل على الضوء الأخضر من الوقوف في وجه التمدد الروسي. وتركيا قادرة أيضاً على الوصول إلى مفاهمات مع الروس لوجود العديد من المصالح المشتركة بينهما، وهذا قد يعمي أمريكا عن عبث الداعشي حفتر هذه الأيام ووصوله إلى الجنوب وقفل الحدود الليبية الجزائرية بالحجة التافهة التي لا تستند إلى أي قرائن حقيقية "الإرهاب" المدغدغة لعواطف الجهلة، والسلاح الفتاك المستخدم من قبل كل العابثين باستقرار العالم!
جرأة الداعشي حفتر على الوصول إلى الجنوب وقفل الحدود، إضافة نقاط للعبث في ليبيا وغياب الاستقرار، وهذا واضح من الدبلوماسية المفخخة التي تصرح بها أمريكا! وفي هذا الصدد كانت لرئيس الجزائر كلمة أقوى من الموقف الأمريكي حيث صرح السيد عبدالمجيد تبون بأن "بلاده كانت ستتدخل لمنع سقوط العاصمة الليبية طرابلس في يد المرتزقة" يأتي هذا التصريح بعد تعديل الدستور في 1 نوفمبر 2020 م الذي يسمح للجيش الجزائري بالتحرك خارج حدوده.

فلا قبول للكلام عن فتح الطريق الساحلي إلا بشرط إخراج المرتزقة المتمركزين في قواعد عسكرية حول سرت. لا يستغرب الكاتب في مراوغة الداعشي حفتر بشكل خبيث يمكنه من المباغثة ومحاولة التقدم لكسب أراضي ومحاصرة حكومة الوحدة الوطنية في أضيق مجال ليضمن نتائج الانتخابات لو حصلت لا قدر الله وهذا يعزى لعدة أسباب:
• الداعشي حفتر يستمد استمراريته من نقض العهود، والكذب، فليس له أي ميثاق شرف بأي صيغة كانت عسكرية، أو اجتماعية، أو أخلاقية.
• بحكم أن دويلة الأمارات واجه لدولة "اسرائيل" والداعشي حفتر يستمد قوة عبثه بحرصها على زرع الفتنة بالمنطقة ودعمها للدكتاتوريات بمختلف أطيافها والتدعوش بمختلف مستوياته.
• بعد تحول المنطقة الشرقية مرتع لاستخبارات العالم ترى في تمدد الداعشي حفتر على أرض ليبيا مكسب لها ومن هنا يتلقى الدعم غير المرئي.
• بسيطرة الداعشي حفتر على أكبر رقعة جغرافية يعني توسيع الدوائر الانتخابية تحت حذائه العسكري "عديم الشرف" وهذا قد يرقع من رصيد أصوات الناخبين تحت سيطرته، بالانتخابات في ديسمبر 2021م.
• إقلاق الشعب الليبي بعدم جدية البرلمان ومجلس الدول في لعب أي دور إيجابي يخدم الشعب، ليفسح المجال بشكل أفضل لمنتدى الحوار الليبي ليصيغ مستقبل ليبيا وهو لا يملك أي شرعية أو حتى أرادة حقيقة لاستقرار ليبيا بل قد يسمح للداعشي حفتر ، أو بقايا زريبة الجماهيرية، بالعبث والتسلل من خلال هذا المنتدى.

اتاحة الانتخابات أم تهيئة الظروف لها؟
بكلمته المسجلة ذكر السيد أنطونيو قوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة: "إتاحة الفرصة لكل الليبيين للمشاركة في الانتخابات بنزاهة وحرية" ربما تكلف الولايات المتحدة الأمريكية صانعة منتدى الحوار السياسي الليبي، ومعها الأمم المتحدة، من تجاوز البرلمان بوضع قاعدة دستورية وقانون للانتخابات وهذا سيمح لمن كسبوا الأموال والأراضي والشركات بتطبيق فكر زريبة الجماهيرية الظالم بالمشاركة والعمل على ترشيح سيدهم المجرم سيف الإسلام.
ذكرت هيومن رايتس ووتش وبشكل مبهم ضرورة: "ضمان تسجيل أكبر عدد من الناخبين المؤهلين داخل وخارج البلاد، بما في ذلك عشرات الآلاف من النازحين داخلياً، والآلاف المحتجزين تعسفياً، ومئات الآلاف الموجودين في الخارج" هذا التصريح يساوي بين الغث والسمين والوطني المنحاز للديمقراطية والدولة المدنية ومن يسعى لعودة الدكتاتورية فكيف يستقيم أمر ليبيا واستقرارها والانتخابات باتت غاية، تفتح الباب على مصرعيه لكل من هب ودب، عوضا أن تكون وسيلة للارتقاء بالحالة الليبية والوصول إلى الاستقرار إلى الدولة الديمقراطية حيث يتم التبادل السلمي على السلطة، وبدون انقلابات عسكرية، والفصل بين السلطات لينعم الشعب الليبي بالعدل والقانون.. فشتان ما بين اتاحة الانتخابات والحرص على تهيأة ظروف مناسبة للانتخابات وأهمها قانون انتخابي يضمن دخول الوطنيين الشرفاء فقط لدخول ساحة المنافسة الشريفة وحلبة الانتخابات الجادة.


الخاتمة:
الواضح أن اختتام مؤتمر برلين (2) بعدد 57 بنداً لا يختلف عن تعدد وتبعثر مصالح عدة دول على أرض ليبيا ومشاركة 17 دولة في المؤتمر فباستثناء عدد البنود ممكن أن يكون ذلك عاملاً مساعداً في الوصول إلى حل أو تأزيم للأزمة وطول انتظار للشعب الليبي ليطعم الاستقرار والسلام. وللوصول إلى أكبر عدد من نقاط التماس مع الاستقرار والسلام في ليبيا يتطلب منا كشعب ليبي وحكومة وطنية مراعاة الأتي:
• المطلوب تهيأة الظروف المواتية للانتخابات وليس إتاحة الانتخابات بأي شكل كان فالمتربصون أصحاب الأموال المسروقة، قبل وبعد، 2011 م قد يفسدون النتائج المتوقعة والغاية المرجوة من الانتخابات.. وهنا على المجتمع المدني والإعلام الوطني الحر التركيز على قانون الانتخابات من حيث مواصفات المترشحين وبرامجهم البرلمانية والرئاسية لو اعتمدت القاعدة الدستورية النظام الرئاسي. والتركيز على وجوه جديدة بشروط ألا تسمح لعودة الدكتاتورية من جديد كفكر أو ولاء أعمى للنظام السابق أو تمجيد بأي شكل لمجرم الحرب حفتر.
• مع أن سياسة الدولة مسؤولة مسؤولية تامة عن توريط الشعب الليبي في حروب خلفت من ورائها المهجرين بالداخل والخارج وغرس الإعلام الحكومي الكراهية بين مختلف أطياف المجتمع الليبي السياسية والاجتماعية والمناطقية لذلك يقع على عاتق الحكومة مسؤولية مصالحة الشعب الليبي ورأب ما خلفته من تصدعات وتجميل ما تركته من تشوهات!
• من المفيد توقيع ميثاق شرف تسعى لصياغته مفوضية الانتخابات لكل متشرح وناخب بحيث يتنصل ويتعفف من القبيلة والمناطقية ويدافع عن الدولة المدنية الديموقراطية في ليبيا ويسعى لبنائها بكل ما يتوفر له من أمكانيات.
عاشت ليبيا حرة .. تدر ليبيا تادرفت

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي