بين الكميون والبرميل

راتب شعبو
2021 / 6 / 26

تروج ظاهرة القتل العام في كل مكان هذه الأيام، من أميريكا إلى اليابان إلى تركيا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا ..الخ. وتغطي هذه الظاهرة إعلامياً، على سوق القتل العام النشط في سورية وليبيا واليمن والعراق وغير بلد. أسباب الظاهرة متنوعة (خلل عقلي، انتقام عاطفي، انتقام سياسي أو ديني، عنصرية ضد السود، انتقام من الشرطة، عنصرية معكوسة، عنصرية موجهة ضد ذوي الاحتياجات الخاصة، انتقام "داعشي" من كفار يستهدفونهم بالطائرات ..الخ)، ووسائل القتل مختلفة أيضاً، من السلاح الأبيض إلى الرصاص إلى المتفجرات إلى الكميونات الثقيلة. كما أن القتلة متنوعون أيضاً، وإن كان الخط الفوسفوري يفضل على الدوام نوعاً معيناً من الإجرام، هو الإجرام الداعشي أو الإسلامي عموماً.
والحق إن تركيز الإعلام والسياسيين الغربيين على القتل الداعشي أو الإسلامي عموماً يتجاوز الميل العنصري، إن هذا التركيز ينبع بالأحرى من نزوع طبيعي لحصر الظاهرة المقلقة و"تشخيصها"، بما يعود بشيء من الطمأنينة على المجتمع الغربي وطبقته السياسية (تماماً كما يتوق المريض إلى سماع تشخيص حالته واسم مرضه). حين يكون القتل داعشياً أو إسلامياً، فإن الظاهرة إذاً خارجية إلى حد ما، ويمكن السيطرة عليها بمنع المسلمين من الدخول إلى البلد، أو وضعهم تحت المراقبة الدائمة مثلاً (دونالد ترامب وضروب اليمين المتطرف الأوروبي)، أو بضرب المتطرفين الإسلاميين في معاقلهم ولو بالتعاون مع "داعشين محليين"، لا يوجهون أعمالهم العنيفة إلى الخارج.
إذا رفعنا عمليات القتل المتبادل بين السود الأمريكيين وعناصر الشرطة، نجد أن القاسم المشترك لهذه الجرائم هو وجود أشخاص ذوي دوافع إجرامية لا يهابون الموت، ويستهدفون مدنيين لا على التعيين. هذا النمط من الإجرام العام يتفق، إلى حد بعيد، مع نوع العنف الذي يوصي به كتاب "إدارة التوحش" الموقع باسم مستعار "أبو بكر ناجي"، والذي يشكل أحد أهم المراجع النظرية لداعش. فالكتاب يوصي بالعنف الوحشي والمرتجل والعشوائي. ولكن العنف هنا منفلت ومستقل عن المخطط الثلاثي الذي يقترحه الكتاب والذي ينتهي "بدولة إسلامية" بطبيعة الحال، بعد أن تتفكك الدولة المستهدفة ويتمكن "التنظيم" من قطف ثمار الرعب العام ومن "إدارة التوحش".
من الواضح أن هذا النوع من العنف يصعب أو يستحيل منعه، ذلك أن أي مكان هو مسرح محتمل لجريمة، وأن المجرم، في كثير من الحالات، لا يمتلك مواصفات تميزه. كثير من مرتكبي هذه الجرائم يتحدث عنهم ذووهم وجيرانهم على أنهم وديعون وطيبون. يقول أكيهيرو هاسيغاوا (73 عاماً) عن جاره ساتوشي ويماتسو (26 عاماً)، الشاب الذي نفذ جريمة قتل بالسلاح الأبيض راح ضحيتها 19 وجرح 25 من ذوي الاحتياجات الخاصة، في طوكيو (في 26 يوليو/تموز 2016): "كان مبتسماً دائماً ويحييناً صباحاً ويبدو أنه فتى طيب". أفضل للجميع لو أن الفتى (وأمثاله من المجرمين العامين) كان انطوائياً وعبوساً ويتمتع بشخصية غريبة الأطوار، كان يمكن عندها الاطمئنان للناس العاديين والطيبين والذين يلقون تحية الصباح مبتسمين.
منذ أيام قليلة، وعلى وقع أخبار العنف المتتالية في فرنسا وفي ألمانيا المجاورتين، كانت مدينة "خينت" البلجيكية تقيم مهرجانها السنوي، حيث تتحول شوارعها إلى أنهار بشرية تتفرج على شتى أصناف العروض الفنية. وكان لافتاً أن ترى إلى جوار هذه الحرية والازدهار الفني، مصفحات ذات صوادم كالتي اعتدنا رؤيتها لدى الجيش الإسرائيلي في قمع الانتفاضات الفلسطينية. ويبقى السؤال يتردد في ذهن المارة، ماذا يمكن أن تفيد هذه المصفحات أمام مثل هذه الجرائم؟
في الغرب تتعثر الدولة في كيفية مواجهة المجرم العام الفرد الذي يستهدف المدنيين أينما كانوا، وبأي سلاح متاح، دون اكتراث بحياته الخاصة. أما في سورية فإن المجتمع يتعثر في كيفية مواجهة الدولة التي تقوم بدور المجرم العام وتستهدف أي معارضة، مع محيطها الاجتماعي، وبأي سلاح متاح. كل معدات وتقنيات الدولة الغربية تقف عاجزة أمام هذا النمط من المجرم العام الفرد، كما يقف المجتمع السوري عاجزاً تحت قصف دولة ترى في خروج المجتمع عليها ما يستوجب التأديب أو حتى القتل بكل السبل، تماماً كما يرى المجرم العام الفرد أن في المجتمعات الغربية خروج عن معاييره، خروج يستوجب التأديب أيضاً.
حين تفشل المجتمعات المتقدمة في نقل تقدمها السياسي والاجتماعي، وتعميمه في عالم يصغر أكثر فأكثر، فإنها تغامر في جعل نفسها متلق لمفاعيل تأخر المجتمعات الأخرى، ما يهدد تقدم المجتمعات المتقدمة نفسها.
يوليو/تموز 2016

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية