جذور الاستبداد وأزمة النُخب

وهيب أيوب
2021 / 6 / 25

ما نسمعه ونراه من واقع العربان اليوم، ومن هذا الخراب المنتشر في تلك المجتمعات، لا يُعبّر سوى عن عمق جذور تلك الأزمة، التي حفرت أخدوداً عميقاً وغائراً في عقول ونفوس ووجدان شعوب هذي المنطقة منذ قرون، وحوّلتها إلى قطيع يستسيغ العبودية والاستبداد والإذلال.
فما زال مفهوم الحريّة والعدالة والحقوق مفهوماً غائباً وغير موجود في ثقافة بني يعرب، وحتى أنه غير مُستساغ، حتى على مستوى ما يُسمى النُخبة.
وفي مراجعة دقيقة لتاريخ العربان المسلمين، وتحديداً منذ نشوء الإسلام وحتى اللحظة ؛ لم تعرف هذي الشعوب معنىً للحرية ولم تذق طعمها ولا يوماً واحداً ، كل شيء كان يتم بالقهر والاستبداد والاستعباد والدم ، وحتى الذين اعتنقوا هذا الدين؛ اعتنقوه مُرغمين صاغرين بحدّ السيف. ولهذا ترى حتى اليوم أن قطاعاً واسعاً من النُخبة المثقفة يقفون سدّاً منيعاً ضد الحرية، ويناصرون الطغاة والمستبدين القتلة، الذين يرتكبون المجازر بحق شعوبهم.

في الواقع لم يناضل العربان على مدى تاريخهم من أجل الحريّة وصون حقوق الأفراد أو الجماعات والمجتمع بشكلٍ عام، إنما كان صراعهم دائماً من أجل السلطة والتسلّط والحكم، والأفراد القلائل الذين آمنوا بالحرية خلال هذا التاريخ؛ من أدباء وشعراء وفلاسفة ومتصوفين ؛ تمّت ملاحقتهم وتصفيتهم وإبادتهم؛ إما جسدياً أو فكرياً ومعنوياً واجتماعياً.
والعربان المسلمين عبر كل تاريخهم، اعتبروا السلطة دائماً بمثابة غنيمة ، لا يمكن التنازل عنها بحال اقتناصها والوثوب على كرسيها؛ حتى ولو بالدم !
لهذا ومنذ 1400 عام، أي بداية الدعوة الإسلامية، لم يجرِ تداول السلطة أو الخلافة أبداً إلا بالقهر والإجبار وحدّ السيف والدم، منذ ما قبل وبعد اجتماع سقيفة بني ساعدة الشهير، ولهذا أيضاً كانت نهاية الخلفاء الراشدون الأربعة؛ الموت قتلاً إما طعناً بالخناجر والسيوف أو اغتيالاً بالسُمّ، وهذا ما جرى للخليفة الأول أبو بكر الصدّيق، بحيث مات مسموماً.
وهكذا جرى عبر كل تاريخ العربان والمسلمين، وهذا مستمر إلى التاريخ الحديث وإلى يومنا هذا، بشتى أشكال الاستبداد والقهر والطغيان والقتل.
العربان حتى اليوم؛ لا يؤمنون بحرية الأفراد ولا المجتمع، ولا بحرية التفكير والاختلاف، فلكل شيء عندهم محاذير وممنوعات، وخطوط حمراء تُحاصر كل مَن تسوّل له نفسه التفكير بحريّة، وبالانزياح عن القطيع وعن الفكر الجمعي الاستبدادي.
والمفارقة العجيبة ورغم كل التطور الحاصل في العالم من حولنا، فحتى يومنا هذا؛ لم ينشأ ولم يسعى أي تيار حقيقي ذات اعتبار ومصداقية، لصياغة مفهوم حريّة الإنسان واحترام خصوصية الفرد وحريته في التفكير والإبداع والاختلاف، وخلق فضاء من الحرية والحقوق يتنفّسه الجميع دون استثناء، أسوة بشعوب العالم.
لكن ما زالت الذهنية النمطية الاستبدادية؛ تطغى وتسيطر على نخبة المثقفين الذين أُسميهم "المُسقفين" والسياسيين والحزبيين، الذين ما زالوا حتى اللحظة يمارسون القهر والاستبداد والديكتاتورية داخل أحزابهم وداخل نقاباتهم وحركاتهم.
يبدو أن تلك الذهنية الموروثة منذ 1400 سنة؛ ما زالت مُستعصية وغير قادرة على الانفكاك من موروثها الفكري التعصّبي والتراثي الديني، وما زالت تعاني من عُصاب جماعي كحالة مرضية مستدامة.
أعود لأقول؛ أن المشكلة والأزمة الحقيقية هي في النُخبة في هذي المجتمعات وفي كل مجتمع، والنُخبة الفاسدة ستنتج بالتأكيد مجتمعاً فاسداً، وما لم يتم إنتاج نخبة بديلة تقود المجتمع بمفاهيم وثقافة حضارية أخلاقية إنسانية، وترمي خلفها ثقافة القهر والاستبداد التي اعتنقتها منذ قرون، وتؤمن بالعمق بحرية الإنسان وتحترم إنسانيته، وحقه بالعيش الكريم في دولة ديموقراطية علمانية تحفظ للجميع حقوقهم؛ وإلا فإننا سنبقى ندور في ذات الحلقة الجهنّمية، ونحصد المزيد من الكوارث!!!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية