صناعة الإنسان الفاني

سعود سالم
2021 / 6 / 25

أركيولوجيا العدم
٥٠ - صناعة الإنسان الفاني

حاصر "الإيجيجي" قصر "الإيكور" و"إنليل" غافل، غير أن "كلكال" كان يقظا، فأغلق الأبواب وأحكم الرتاج وراح يراقب البوابة، ثم قام بإيقاظ "نوسكو" وراحا ينصتان لضجيج "الإيجيجي"، ثم مضى "نوسكو" وأيقظ سيده إنليل وجعله يقوم من فراشه، وقال له : " يا سيدي إن بيتك محاصر، والتمرد صار عند بابك"، فأمر إنليل بجلب الأسلحة إلى مقره، ثم أرسل في طلب آلهة الأنوناكي الكبرى للتشاور والتداول في الأمر. فقرروا إرسال "نوسكو" لمقابلة المتمردين والتفاوض معهم والتعرف على مطالبهم، وكذلك معرفة المحرضين على الشغب. أخذ "نوسكو" أسلحته معه، وفتح الباب ومضى إلى الآلهة المتمردين وطرح عليهم إستفسارات "الآنوناكي". فأجابوه بقولهم : " نحن الآلهة، كل واحد منا أعلن الحرب .. قررنا وضع نهاية لعملنا الشاق، فعبء العمل ثقيل، إنه يقتلنا. عملنا شاق وعنائنا بالغ، فقررنا جميعا أن نرفع شكوانا إلى إنليل". وعاد نوسكو إلى مجمع الآلهة وقام بنقل ما سمعه من الإيجيجي، فدمعت عينا "إنليل" تأثرا بتقرير نوسكو عن شقاء شعب الآلهة الشغيلة. وواصل الآلهة إجتماعهم الطاريء ومشاوراتهم فيما ينبغي عمله لحل هذه الأزمة. ووقف أيا "إنكي" في وسطهم قائلا : " لماذا نلقي عليهم اللوم ؟ عملهم كان شاقا، وعناؤهم كان عظيما. في كل يوم تضج بهم الأرض، وفي كل يوم نسمع ضوضائهم تحذيرا لنا. إن ربة الرحم "بيليت إيكي" حاضرة بيننا، فلندعها تخلق "لالو" - الإنسان الفاني - لكي يحمل النير، ولندع الإنسان يرفع العبء عن الآلهة .. " ثم دعوا الآلهة المتخصصة في الخلق وتوجهوا إليها بالقول: " أنت آلهة الرحم، خالقة الجنس البشري، إخلقي "لالو" ليحمل النير وليرفع عن الآلهة عبء العمل الشاق .." وهنا قالت "ننتو" للآلهة العظام : " لن يكون لي أن أفعل ذلك بمفردي، وإنما بمساعدة "إنكي" الذي يصنع كل ما هو طاهر، فليعطني طينا وأنا علي أن أعجنه .. "
فقال إنكي : " في اليوم السابع واليوم الخامس عشر من الشهر سأجهز مكانا طاهرا، وهناك سوف نذبح أحد الآلهة، وتتعمد بقية الآلهة بدمائه، وسوف تعجن "ننتو" الطين مع لحمه ودمه، عندها الإله والإنسان سيمتزجان معا في الطين، ولنسمع ضربات الطبول إلى آخر الأيام، ولتوجد الروح البشرية من جسد الإله، ولتعلمه أن الحياة أضحت رمزه، لتوجد الروح البشرية ولا تنسى أصلها .." ووافق مجمع الآلهة على هذا البرنامج وبدءوا في تنفيذه، وعجنت "ننتو" الطين وقسمته إلى أربعة عشرة قطعة، صنعت منها سبعة رجال وسبع نساء، وهي تتلو تعويذة لقنها إياها الإله"إنكي"، وبعد الإنتهاء من مهمتها بمساعدة بقية آلهات الولادة قالت لمجمع الآلهة : " حملتموني مهمة فأديتها بكمال، أرحتكم من عناء عملكم الشاق، وحملت البشر عنائكم، رفعتم النداءلأجل البشر، فأزحت النير والعذاب وأقمت الحرية .. " وتراكض الآلهة وقبلوا قدميها إمتنانا قائلين : " منذ الآن سيكون إسمك سيدة كل الآلهة .."
هذه القصة المثيرة تتواجد بطبيعة الحال في الأدب السومري والبابلي تحت صور وروايات متعددة تختلف في التفاصيل والأسماء، غير أن جوهر الحكاية واحد لا يتغير وهو ثورة "الإيجيجي" على "الأنوناكي" كمبرر لصناعة مخلوق جديد وهو الإنسان الفاني.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار