الهجوم الاستفزازي لسُلطات بكين- الأحداث على الحدود السوفييتية الصينية

مالك ابوعليا
2021 / 6 / 23

مطبعة وكالة دار نشر نوفوستي 1969

مقالة من صحيفة البرافدا، الحزب الشيوعي السوفييتي المؤرخة في 8 آذار عام 1969

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

كما ورد في الصحافة السوفييتية، نظّمَت السلطات الصينية في 2 آذار استفزازاً مُسلحاً على الحدود السوفييتية الصينية بالقرب من جزيرة دامانسكي Damansky على نهر أوسوري Ussuri. تُظهِر الحقائق أن هذا كان اعتداءاً كان مُخططاً بشكلٍ مُسبق على حرس الحدود السوفييت الذين يقومون بحماية حدود الدولة. يُظهر مسار الأحداث أن سُلطات بكين قد ارتكبت عمداً هذا الاستفزاز المُسلّح بهدف مُفاقمة التوتر في العلاقات السوفييتية الصينية، مُثيراً بذلك تضخيم موجة العداء للسوفييت في الصين، واذكاء المشاعر الشوفينية لتُناسب التطلعات الشوفينية المُغامرة لماوتسي تونغ وزُمرته في السلطة.
وسبق هذا الهجوم انتهاكات مُتكررة لحدود الدولة السوفييتية من جانب الجنود الصينيين، ولا سيما بالقرب من جزيرة دامانسكي.
في 2آذار الساعة 11 صباحاً (4 صباحاً بتوقيت موسكو)، أبلَغَت نقاط المُراقبة السوفييتية الى المركز الحدودي أن وحدةً مُسلحةً من الجنود الصينيين كانت متوجهةً من الضفة الصينية الى منطقة جزيرة دامانسكي. خَرَجَت مجموعة من حرس الحدود السوفييت لمقابلتهم. سار 8 من حرس الحدود بقيادة ضابط باتجاههم لمطالبتهم، كما في عدة مرات سابقة، بمغادرة الأراضي السوفييتية. عندما اقترب حرس الحدود من المتسللين، أطلق هؤلاء الأخيرين النار عليهم دون سابق انذار. في الوقت نفسه، تعرّضَت بقية مجموعة حَرَس الحدود السوفييتية لاطلاق النيران من كمائن مُعدة مُسبقاً ومن قِبَل مجموعة من المدافع المضادة للدبابات ومدافع الهاون وقاذفات القنابل المضادة للدبابات ورشاشات ثقيلة انطلقت من الضفة الصينية.
انتظم حرس الحدود السوفييت في تشكلٍ قتالي، وقاموا جنباً الى جنب، مع الجنود الذي قدموا من المركز الحدودي، بصد الهجوم المفاجئ ثم طردوا الصينيين المتسللين بعيداً عن الأراضي السوفييتية.
أدى حرس الحدود السوفييت واجبهم العسكري بشرف. لم يدخروا حياتهم وأظهروا شجاعةً كبيرةً وبطولةً في الدفاع عن الحدود.
لم يَكَد المُغيرون يتوقفون عن اطلاق النيران حتى انطلقت آلة الدعاية الشاملة في بكين لدعم الاستفزاز المتوحش. بدأ مسؤولو الصحافة والاذاعة والجيش بتعبئة المواطنين الصينيين باللجوء الى الأكاذيب البشعة والافتراءات فيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي. أعدّت بكين، في وقتٍ مُبكر نُسخة القصة التي تقول أن الوحدة الصينية "تعرضت للهجوم" واتخذت تدابير الدفاع عن النفس. ليست هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها العالم مثل هذه الأعمال الاستفزازية من قِبَل ماوتسي تونغ وزمرته ومحاولاتهم للتغطية على أعمالهم بالدعاية.
لكن الحقائق لا تقبل الجدل. لا يُمكن محو آثار غارات اللصوص. هَربَ المُغيرون، تاركين ملابسهم وأجهزة اتصالاتهم وحتى زجاجات الكحول التي زوّد بها المُحرضون الصينيون المُشاركين في هذا الأمر.
تكشف دعاية بكين عن حقيقتها التوسعية عندما تُحاول تبرير الاستفزاز المُسلّح على الحدود السوفييتية الصينية من خلال المُطالبات بالأراضي السوفييتية، وخاصةً جزيرة دامانسكي. لكن الهجوم تم ضد حرس الحدود السوفييت الذين يحمون الأراضي السوفييتية.
يسعى هذا العمل الاجرامي الذي قامت به جماعة ماوتسي تونغ، والذي أودى بحياة العديد من الرجال، وراء أهدافٍ بعيدة المدى.
يُحاول الماويون، من خلال تأجيج الهستيريا المُعادية للسوفييت والجنون الشوفيني، خلق أجواءٍ، من شأنها أن تسمح لهم بتقوية وضعهم داخل البلاد وتدعيم مسار القوة العُظمى والنزعة المُغامرة لماوتسي تونغ الذي يسعى الى زيادة تدهور العلاقات مع الحزب الشيوعي السوفييتي والدولة السوفييتية، والأحزاب الشيوعية والدول الاشتراكية الأُخرى.
ما تُخطط له مجموعة ماو للقيام به واضح، وهو استخدام الذُهان المُعادي للسوفييت لمواصلة الأنشطة التخريبية والانقسامية في الحركة الشيوعية العالمية. من الواضح أن الماويين يسعون لعرقلة عقد المؤتمر الدولي للأحزاب الشيوعية والعُمالية من أجل زرع أجواء انعدام الثقة بين الأحزاب الشيوعية فيما يتعلق بالحزب الشيوعي السوفييتي. ينبع خط العداء للسوفييت في الصين، من أن جماعة ماوتسي تونغ ترى في أنشطة الحزب الشيوعي السوفييتي وسياسة الاتحاد السوفييتي عقبةً كبيرةً في وجه تطلعاتها المُغامرة والمُهيمنة على الساحة الدولية.
تشهد الاستفزازت الخطيرة للماويين على رغبتهم في زيادة مُغازلتهم السياسية غير المبدئية للدول الامبريالية وخاصةً الولايات المتحدة وألمانيا الغربية. ومن الجدير بالذكر أن الماويين قد حددوا توقيت غاراتهم المُسلحة على الحدود مع وقت اجراء الاتخابات الرئاسية الاستفزازية في ألمانيا الغربية(أ).
قام ماوتسي تونغ وأتباعه بالهجوم القذر على الاتحاد السوفييتي في الوقت الذي يستمر فيه العدوان الأمريكي على فييتنام، حيث يتمسك الشعب الفييتنامي البطل بقضية الحرية والاستقلال. يُقدّم الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأُخرى للشعب الفييتنامي، في هذا النضال، مساعدةً ودعماً أُممياً هائلاً. لا يُمكن أن تكون الأمور قد وصلت الى حد ارتكاب مثل هذا العمل الاستفزازي الغادر ضد بلدٍ اشتراكي!، ما لم تكن قيادة بكين الحالية قد وصلت الى حالة من الانحلال السياسي وخيانة قوى الاشتراكية في النضال العالمي ضد الامبريالية.
ان الاستفزاز بالقرب من جزيرة دامانسكي هو جزء من سياسة الماويين التي تهدف الى تسريع اعادة التوجيه الجذري للسياسة الخارجية والداخلية لجمهورية الصين الشعبية، وفي النهاية تحويل هذه الدولة الى قوة مُعادية للدول الاشتراكية.
تُظهر الأحداث في السنوات الأخيرة أن أهداف الهيمنة الشوفيتية لماو وجماعته تكمن وراء سياسة بكين فيما يتعلق بالدول المُجاورة الأُخرى وآسيا بأكملها. يُظهِر الماويين، في كل مكان، مساعيهم التوسعية ويسعون الي زرع بذور العداء السمة بين الشعوب والدول.
هذا هو السبب في أن قوى الرجعية الامبريالية تبتهج بالأعمال الخبيثة التي يقوم بها المُحرضون الماويون.
ترتبط مشاريع ماوتسي تونغ في مجال السياسة الخارجية ارتباطاً مُباشراً بسياساتها الداخلية التي تهدف الى انشاء نظام عسكري بيروقراطي في الصين. من المعروف أن هذا بالتحديد هو سبب تنفيذ ما يُسمى بالثورة الثقافية والتي تضمنت عمليات انتقامية ارهابية ضد الشيوعيين الصينيين وجميع الذين تعز عليهم قضية الاشتراكية في الصين والصداقة مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأُخرى.
تواجه جماعة ماو مقاومةً من الشعب الصيني وقبل كل شيء من الشيوعيين الذين ظلوا مخلصين لقرارات المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الصيني والمبادئ الأممية البروليتارية. ان الماويين يطاردهم الخوف من أن الشعب الصيني قد يُحاسبهم على كل المصائب التي جلبوها للبلاد من تفكيك للحزب الشيوعي الصينين وارتكاب أعمال ارهاب دموي واضطهاد جماعي وتقويض أُسس الاشتراكية في الصين.
لا تستطيع جماعة ماو اخفاء حقيقة أنها فشلت في القضاء على أفكار الماركسية اللينينية من أذهان الناس خلال الثورة الثقافية سيئة الصيت. كما أنها لم تنجح في محو مشاعرهم الأخوية تجاه الشعب السوفييتي والحزب الشيوعي السوفييتي من قلوب العمال الصينيين، الذين قدّموا دعماً قوياً ومساعدة شاملة للشعب الصيني في نضاله الثوري وفي البناء الاشتراكي.
من المعروف أن "الثورة الثقافية" أدت أيضاً الى اضطرابات اقتصادية خطيرة في الصين. لقد أدى المسار الذاتوي الماوي الى تفاقم مصاعب الاقتصاد الصيني، والذي وجد تعبيراً عنه في "القفزة الكُبرى" وفي انشاء "الكوميونات الشعبية". انخفض الانتاج الصناعي في البلاد، مع اضطراب عمليات النقل. كان الشعب الصيني يُعاني من نظام غذائي سبب لهم المجاعة على مدار سنوات عديدة، وتم استبدال العلم والثقافة والتعليم الشعبي بالدعاية لـ"أفكار ماو" المُملة.
كان لدى الماويين، في ظل هذه الظروف، أمل ضئيل في كسب ثقة الجماهير. من أجل ابقاء الناس تحت المراقبة وحملهم على الانصياع لخدمة سلطتهم العظيمة وتطلعاتهم الى الهيمنة، يفرض ما وجماعته على البلاد نظاماً عسكرياً يتطابق نموذجياً مع الأنظمة الرجعية، مُسممين ضمائر الناس بسم القومية والشوفينية. تم استبدال الأجهزة الدستورية لسلطة الشعب بـ"لجان ثورية" يُديرها أعضاء عسكريون من فصيل ماو. انتشرت الرقابة والاشراف العسكريين ليس فقط في مجال الادارة، ولكن أيضاً في مجال الانتاج والثقافة والايديولوجيا.
توافق عسكرة جميع مناحي الحياة في الصين مع تأجيج الهستيريا العسكرتارية بحجة غير معقولة أن الصين مُهددة بهجوم سوفييتي. ليس من الصعب أن نرى أن اثارة هذه الهستيريا كانت مدفوعةً بمحاولةٍ من جانب ماو وجماعته لاخفاء أهدافهم الحقيقية عن الشعب الصيني، لصرف هذا الأخير عن الاعتداءات الداخلية التي يرتكبها الماويون بحقهم، ولانشاء منظمة سياسية جديدة ستكون أداةً للنظام العسكري البيروقراطي تحت مُسمى الحزب الشيوعي الصيني، وابعاد الناس عن انتقاد العواقب الضارة الناتجة عن تطبيق أفكار "الربان العظيم". كان هذا بالضبط هو السبب في ضرورة القيام باستفزاز وقح بالقرب من جزيرة دامانسكي، وأعقَبَ ذلك جولة جديدة من الدعاية المسعورة المُعادية للسوفييت.
ابتداءاً من 3 آذار، تعرضت السفارة السوفييتية في بكين مرةً أُخرى لحصار منظم نفذه أفراد مدربون تدريباً خاصاً. علاوةً على ذلك، تدعو جماعة ماو علناً الى النضال ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأُخرى، وتطرح مطالباً اقليمية سخيفة على الاتحاد السوفييتي.
هذا هو الوضع الذي يُحضر فيه الماويون لما يُسمى بالمؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني، والذي يحتاجون اليه "لاضفاء الشرعية" على النظام العسكري والبيروقراطي الذي يسمونه "النظام الجديد" ولـ"تعزيز" القوة العُظمى، والطريق الشوفيني المُعادي للسلام والاشتراكية.
في هذه الأيام، يُعرب الشعب السوفييتي، الذي من حقه أن يشعر بالغضب والاستياء من الأعمال الاجرامية الماوية، عن احتجاجاتٍ قوية ضد الاستفزاز الوقح على الحدود السوفييتية الصينية وضد حملة الكراهية والافتراء على الشعب السوفييتي التي يُشعلها الماويون. يقول النساء والرجال السوفييت أن حدود وطنهم الاشتراكي مقدسة ولا يجوز انتهاكها. انهم يستخلصون استنتاجات مناسبة من استفزازات قادة بكين الوقحة، ويُعززون يقظتهم الثورية ويدعمون قوة بلدهم حصن الاشتراكية والسلام.
بطبيعة الحال، فان الشعب السوفييتي لا يُطابق جماعة ماو مع الشعب الصيني. يُدرك الشعب السوفييتي أن الشعب الصيني والحزب الشيوعي الصيني يمر بفترةٍ مأساوية من تاريخهم. دعا الحزب الشيوعي السوفييتي والحكومة السوفييتية، مُتبعين مبادئ الأُممية، دعوا، مراراً وتكراراً الى اعادات العلاقات الطبيعية مع جمهورية الصين الشعبية، بسبب مشاعر الصداقة تجاهه.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، وكما جاء في مذكرة الاحتجاج التي قدمتها الحكومة السوفييتية الى حكومة جمهورية الصين الشعبية فيما يتعلّق بالغزو المُسلّح الوقح داخل الأراضي السوفييتية، فانه سيتم قطع دابر الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها السلطات الصينية بحزم.
هذه هي الارادة الراسخة للشعب السوفييتي بأكمله.

أ- أُجريت الانتخابات الرئاسية في ألمانيا الغربية في 5 آذار عام 1969. كان غيرهارد شرودر Gerhard Schröder هو أحد المُرشحين للرئاسة. كان شرودر عضواً في الحزب النازي، وكان جزءاً من المجموعة البرلمانية النازية التي ساعدت على صعود هتلر الى سدة الحكم. كانت الأوساط الحاكمة في ألمانيا الغربية، من نشوئها تؤجج نيران المشاعر الانتقامية (الانتقام من هزيمة بلدهم في الحرب الثانية والمطالبة باعادة أمجاد الأمة)، التي كانت مُعادية للسوفييت وداعية للحرب. كان شرودر احتمالاً رئاسياً قد يُسعّر هذه المزاعم الحاقدة، مما أثار قلقاً من جانب منظومة الدول الاشتراكية.

ترجمة لمقالة:
a Provocative Sally of Peking Authorities- Events on the Soviet-Chinese Border, Novosti Press Agency Publishing House, Moscow 1969

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية