برهان –الوعي - : لغز العقل دليل على انّ العلم يشير الى مصمم ذكي (خالق ) ج3

نافع شابو
2021 / 6 / 21

برهان –الوعي - : لغز العقل دليل على انّ العلم يشير الى مصمم ذكي (خالق ) ج3


نافع شابو

لايمكن بلوغ الوعي الكوني ما دام هناك ارتعاش فكري صغير او موجة قلق عقلي طفيفة .
ألأساليب العلمية للتامل تساعد كثيرا على تحسين نوعية التركيز العقلي مثلما تعزز قدرة الشخص على التحكم بافكاره ، مما يوفر عليه سنينا من التجوال العقيم في عالم اللاشعور.
.. القدرة على التركيز امرٌ لاغنى عنه على الطريق الروحي من اجل التقدم والأرتقاء روحيا . إذ بدون التركيز العقلي لايمكن ابدا العثور على الله . يجب ان نتعلم كيف نقفل نوافذ الوعي منعا لوصول الأصوات والمشوشات ألأرضية الأخرى. وعندما يتم معايرة الوعي وضبطه روحيا تحصل التجربة الذوقية ويشعر المريد بالحضور ألألهي .. ما لم يتمكن ألأنسان من قطع ألأصوات من وعيه لايستطيع التوصل الى الله . .. العقل الكلي موجود خلف الفضاء مباشرة . ووراء وعي ألأنسان يكمن وعي الله . كفئ جهلا بحضوره "(1).


يقول الأب هنري بولاد اليسوعي في كتابه " الولادة في الموت
"معروف أنّ عقل الأنسان مؤسّس على البحث عن معانٍ ، ولن أتطرّق في هذا الصدد الى مناقشة أصول نشأة الفكرة القائلة بتفاهة الحياة وعرضيّةالوجود ، ونفي او استبعاد أيّ معنى أو غاية وراءالحياة ، فهذه الفكرة وجدت فرصة انتشار واسع إبتداء من القرن التاسع عشر نتيجة ظروف خاصة بها . إنّ هذه الفكرة تصبح مُجهضة لنفسها حيث إنّها تقضي على العقل حين تنفي وجود غاية وراء الحياة ومعنى لها ، وتعلن بعبث الوجود وعرضيّته . فعقلنا البشري يقوم في أساسه على البحث في المعاني ، وحركته تجاه هذه المعاني هي بمثابة حركة قطعة الحديد تجاه المغناطيس ، فالظاهر بحسب المشاهدة أنّ نشاط العقل هو موجّه نحو التأمُّل في المعاني المجردة ، والدليل على ذلك هو التراث الفكري ألأنساني الذي نراه امامنا اليوم .
هذه الحركة التي نلحظها نستدل منها على وجود هذه المعاني التي يقوم العقل على البحث فيها ، تماما كما نستدل على وجود القطب الشمالي من حركة ابرة البوصلة واتجاهها نحوه.....إنّ الميلاد والحياة والموت ومنبعه الحياة ألأبدية هي مراحل في تطوّرألأنسان .فقبل الميلاد ألأنسان غير واع ، ويصبح بعده كيانا واعيا ، أي ينتقل من الوجود كفكرة (حالته قبل الميلاد) الى الوجود ككيان مستقل واعٍ (بعد الميلاد) .أمّا من خلال الموت وفي الحياة ألأبدية التي تليه فيصل ألأنسان الى قمّة الوعي والأدراك ، فالحب قبل الميلاد هو سرّ وجوده ، وبعد الموت هو سرُّ خلوده ...إنّ ألأنسانية برنامج متكامل يُساهم كل واحد منه في نصيب منه ، وغاية هذا البرنامج هي تحقيق"ألأنسان" بالمعنى الشامل (الوعي الجماعي للأنسانية)، اي جسد المسيح السري الذي تتكامل أعضاؤه..إنّ الأنسان أعظم من ان يحقق ذاته بمفرده حيث انه يحمل بداخله البشرية جمعاء ،ولن يكتمل فردا الا باتحاده بالكل "(2)

"إنّ انتباه ألأنسان لطموحاته العليا بدعوة من الله يُشكل حدثا في التاريخ . يمكننا بالطبع أن نعتقد أن أنفتاح الأنسان كان تدريجيا بفضل زيادة قدراته على الوعي . حتى في ايامنا نلاحظ ان كثيرا من الناس لا يشعرون بأنهم احرار الا بين فينة واخرى ، وانما نراهم ينقادون احيانا اخرى وراء مستلزمات المحيط الخارجي (البيئي وألأجتماعي ) أو وراء تكيفاتهم الفسلجية . الا انه لايمكن نفي فكرة وقوع حدث اول ، يؤكد ويستنهض ألأنسان ككائن حر يمارس حريته في ألأختيار عن طريق الموافقة او الرفض إزاء مشروع معين . إنّ حدثا كهذا يبدو شخصي الطابع ، إذ إنه يتعلق بكل فرد وشمولي الطابع وجماعي لأنّه يتعلق بالبشرية جمعاء . من الصعب ان نتصور وجود كائنات من جنس واحد لها دعوة ما ورائية وكائنات اخرى من الجنس نفسه محرومة من هذه الدعوة التي تشكل أعظم خصوصية للجنس البشري
ليس هذا الحدث الحاسم بالضرورة نتيجة لنية جديدة ، وجل ما يعنيه هو تحقيق قدرة الأنسان على ان يكون حرا . غير انه ليس بالأمكان تاجيل هذا الحدث لمدة طويلة بعد اكتمال القابليات الأنسانية ، لأنّه ليس من المرجح اطلاقا ان يقوم الله الذي هو محبة بتزويد كائنات بقابلية ألأتصال به دون ان يوحي اليها بذلك الحدث شخصيا (3).
برهان الوعي : لغز العقل
هذا البحث مقتبس من كتاب " القضيّة ... الخالق" للصحفي والأكاديمي لي ستروبل، الذي تعلم في جامعة ييل للحقوق . وكان المحرر القانوني لصحيفة شيكاغو تريبيون . ومتشككا روحيا حتى عام 1981 .كتب الكتاب الحائز على الميدالية الذهبية "القضية ... المسيح " و" القضية ... ألأيمان " .

العقل والوعي عند الفلاسفة والعلماء الماديين :

يقول الفيلسوف الدارويني "مايكل روس " :

"إنّ ذكاء الآلات سيتفوق على الذكاء البشري في بداية القرن الواحد والعشرين ". هكذا "تنبأ تيكنو راي كورزويل ". واضاف "من خلال الذكاء (الصناعي) ، يمكن ان يكون لديّ كلّ الطرق المتنوعة والغامضة التي يبرع فيها البشر بما فيها الموسيقى والفن والأبداع والرياضة وحتى ألأستجابة على المشاعر !!!"
السؤال هل ستكون هذه المكائن المستقبلية قادرة على امتلاك تجارب روحية " بالتأكيد سوف يدّعون ذلك (اي العلماء المؤيدين للتطور الدارويني). سوف يدعون بانهم بشر(اي الكومبيوتروالرجل الآلي) وأنّ لديهم خبرات عاطفية وروحية التي يدعى الناس ألآخرون بانها لديهم ".

وها نحن في السنة 21 من بداية القرن الواحد والعشرين ولم يتحقق قول مايكل روس.
وفي تصوره للمستقبل يثير كورزويل في كتابه "عصرالآلات الروحية " السؤال المثير للجدل عما إذا كانت اجهزة الكمبيوتر سوف تصبح ليس فقط اكثر ذكاء من الناس ولكن ايضا قد تحقق نوعا من الوعي وبذا يصبح من المتعذر تميزها عمليا عن نظرائهم البيولوجيين (اي البشر)
وهنا تعتبر نظريات كورزويل امتدادا منطقيا للتطور الدارويني .
فطبقا للداروينيين ، يعتبر العالم المادي هو كل ماهو موجود . وعند نقطة معيّنة يتطور المخ البشري بطاقته العاملة وزيادة الأيونات. وعندما يصل المخ لمستوى معين في تركيبه وتعقيده ، يصبح ألأنسان "واعيا" وتنموا فيه الذاتية والشعور والآمال ووجهات النظر والوعي وفحص ألأفكار" وألصوت الخفي لذواتنا ونحن على انفراد ".

ورجوعا لعام 1871 قال مُدافع دارويني "توما هوكسلي ":"
إنّ العقل "او الوعي" هو عمل المادة ، عندما تصل المادة الى درجة معينة من التنظيم ".
ويوافق الداروينيين اليوم على انّ" الخبرة الواعية هي خبرة جسدية وليست ظاهرة خارقة" ، كما قال عالم الأحياء ألأجتماعي إدوارد ويلسون
والسؤال المطروح : إذا كان الوعي حقا الناتج العرضي ألآلي لقوة الدماغ المتطورة جدا، فلماذا إذا لايستطيع الروبوت الذكي ان يشعر عندما تكون لديه قدرة ذهنية أكبر مما لدى البشر ؟
إذا كان بامكانك أن تحصل على كمبيوتر بأي تركيبة تشاء ، وإذا كانت هذه التركيبة هي التي تولد الوعي ، عندئذ فإنَّ هذا النوع سوف يمنحك الوعي في النهاية ".
هكذا قال ديفيد تشالمرز ، مدير مشارك لمركز دراسات الوعي في جامعة اريزونا !!!.
ولكن الكمبيوترات التي تحتاجها لاتستطيع ان يكون لديها وعي ،لأنّ كل ما تستطيع فعله هو خلط الرموز.
وقال وليام ديمبسكي للمؤسسات التصورية للعلم في جامعة بايلور:
إنّ مورزويل يتعامل مع الخيال العلمي والفلسفةالفاسدة ".
وبالرغم من جاذبية هذا النقاش عن الحاسبات المستقبلية ، فما زالت هناك
الكثير من االمتناقضات عن الوعي الأنساني. وللدهشة فإنّ
الكثير من العلماء والفلاسفة يستنتجون الآن بأن قوانين الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تُفسّر خبرة الوعي في الكائنات البشرية . وهم مقتنعون بوجود ماهو أكثر من مجرّد الدماغ الجسدي الذي يعمل ، ولكن يوجد ايضا الحقيقة غير المادية التي تسمى "الروح" ، "العقل" أو "النفس" وكلُّ هذا يفسر ما يقوله لنا العلم "
في الحقيقة إنهم يستشهدون بوجودهم كدليل قوي ضد النظرية الطبيعية البحتة للتطور الدارويني ، والتي تُحسب لمصلحة الخالق الذي خلق ألأنسان على صورته .
الخلاف حول الوعي

أحد العلماء الذي انعكست أفكاره على هذه القضية هو ويلدير بينفيلد ،ألأب المشهور لجراحة ألأعصاب الحديثة . وقد بدأ بالشك في أنّ الوعي إنبثق بطريقة ما من ألأنشطة العصبية في الدماغ ، حيث الوصلات العصبية يمكن ان تشغل عدد مهولا يصل الى 10 مليون بليون مرة في الثانية .وقال:
" خلال حياتي العلمية ، فإنني ، مثل العلماء ألآخرين ، ناضلتُ لأثبت بأن الدماغ هو الذي يُفسّر العقل ".
ولكن من خلال إجراء عمليات جراحية على أكثر من ألف مريض الصرع ، واجهتُ دليل قاطع بأنّ الدماغ والعقل متمايزان في الحقيقة عن بعضهما البعض ، ولو أنهما يتفاعلان معا بشكل واضح . وقد شرح ذلك أحد الخبراء في نفس المجال فقال :
سوف ينبه بينفيلد كهربائيا القشرة الدماغية للمرضى الواعين ويتحداهم إذا كان بامكانهم بأن يحتفظوا بيد واحدة لا تتحرك عندما يسلط تيار الكهرباء . فسوف يمسك المريض هذه اليد باليد ألأخرى ويحاول ان يحفظها ساكنة.
وبهذا تكون يد واحدة تحت سيطرة التيار الكهربائي واليد ألأخرى تحت سيطرة عقل المريض وكلاهما يقاوم ألآخر .
ويفسر بينفيلد ذلك بالقول بأن المريض لايتمتع فقط بمخ جسدي والذي استثير لكي يعمل ولكن ايضا بحقيقة غير جسدية تفاعلت مع الدماغ .
وبكلمات اخرى انتهى بينفيلد الى الموافقة على تأكيد الكتاب المقدس بأن للكائنات البشرية جسد وروح . ويقول :"لتوقع آلية الدماغ ألأعلى او أي مجموعة ردود أفعال ، مهما كانت معقّدة ، لتنفيذ ما يفعله العقل ، ولذلك يؤدي كل وظائف العقل ، فإنَّ هذا مناف للعقل تماما . ويقول : " ياله من امر مثير ، أن تكتشف أنّ العالم ايضا يمكنه أن يصدق بطريقة منطقية وصحيحة بوجود الروح ".
وبنفس الطريقة ، فإنّ استاذ علم وظائف ألأعضاء بجامعة اكسفورد السير تشارلز شيرينجتون ، الحائز على جائزة نوبل والذي وصف ب" العبقري الذي أرسى أسس معرفتنا بعمل الدماغ والحبل الشوكي ". أعلن قبل وفاته بخمسة أيّام:"بالنسبة لي ألآن إنّ الحقيقة الوحيدة هي الروح ألأنسانية ".
أمّا بالنسبة لتلميذه السابق جون سي .إكليس ، العالم الفذ للأمراض العصابية والحائز على جائزة نوبل ، كان له نفس ألأستنتاج فقال :
" أنامضطر لأنَّ أعتقد بوجود ما يمكن تسميته بالأصل الخارق للعقل الواعي المتفرد أو الذاتي الفرادة، او الروحي" .
ومن المنطقي ونحن في القرن21 ان نصدق ما قاله جون كالفين من القرن 16 :"إنَّ المنح والمواهب الطبيعية التي نمتلكها لايمكن ان نكون نحن مصدرها ، ولكن لابد وأن يكون مصدرها إلهي:.
السؤال المطروح : هل إصرار الكتاب المقدس على أنَّ الناس يتكونون من جسد وروح- هو أمر مؤكد يمكن الدفاع عنه ؟ أم انَّ المخ البشري هو ببساطة كما قال عنه مارفن مينسكاي :"كمبيوتر صُنع من اللحم" بفكر واعي كنتيجة لمكننة كليّة ؟.
واعلن سيريل أنّ الوعي هو "الحقيقة الهامة الوحيدة التي تدل على وجودنا ، فيما عدا الحياة ذاتها ". وقد كان واضحا بالنسبة لي بأنّ ألأجابة على سر وغموض عقولنا هي إما أنّه تاكيد قوي على مبدأ الطبيعة الداروينية او تأكيد مقنع على وجود عقل أعظم قد خلقنا على شبهه .

تخطي حدود الدماغ

إنّها أخبار ماخوذة من السطور الأمامية من التحقيقات العلمية على الوعي البشري . ونشرت ذلك صحيفة "البعث" وقد قُدّمت للعلماء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 2001 ، وطوال العام قدمت الدراسة البريطانية ألأدلة على ان الوعي يستمر حتى بعدما يتوقف دماغ ألأنسان عن العمل ويعلنانه قد مات اكلينيكيا (طبيّا).
إنّه دليل قوي جديد على أنّ الدماغ والعقل ليسا نفس الشيء ولكنهما كيانان متمايزان .
انّ البحث يعيد إثارة الجدل حول ما اذا كانت هناك حياة بعد الموت ، وما إذا كان هناك ما يسمى بالروح ألأنسانية .
وفي مقالتهما باحدى الصحف قال طبيبا ألأمراض العصبية سام بارنيا وبيتر فينويك ، بمعهد طب ألأمراض العقلية بلندن ، وصفت دراستهما لضحايا الذبحة الصدرية لعدد 36حالة والذين اعلن انهم ماتوا طبيا انهم فيما بعد عاشوا واجريت معهم لقاءات. وقرر 10% منهم انهم تمتعوا بعمليات تفكير شفافة ومشرقة وذاكرة قوية في الفترة التي توقف فيها عمل الدماغ . وقد استبعدت آثارالحاجة الى الأوكسجين او المخدر كعوامل لذلك , وفيما بعد وجد الباحثون حالات عديدة مشابهة .. أنّ الدراسة العلمية حتى الآن تدعم وجهة النظر القائلة بانّ العقل "الوعي" او "الروح"هما كيان منفصلان عن الدماغ .
يمكننا ان نشبه العقل والدماغ في ان الدماغ يعمل كآلية لأظهارالعقل ، وهذا يشبه جهاز التلفزيون الذي يظهر الصور والأصوات من الموجات في الهواء ، وإذا حدث ان إصابة بالمخ تسبب في ان شخصا ما يفقد بعضا من سمات عقله او شخصيته ، فهذا لايثبت بالضرورة ان المخ هو مصدر العقل ." فكُلّ ما يبينه هو ان الجهاز قد دُمّر "
...هناك معلومات جامدة وصلبة تقول بان وعينا وعقلنا قد يتفوق حدود المخ
امّا بالنسبة للكتاب المقدس ، بعهديه القديم والجديد يعلمنا بان الأنسان مخلوق به روح وجسد وهذا ما قاله عالم ألأنسانيات آرثر سي .كوستانس . واضاف " والى هذا الحد ليس هناك خلاف بين علم اللاهوت وما اثبتته ألأبحاث ألأخيرة "
ويسترسل كوستانس قائلا :
وضّح الكتاب المقدس بجلاء ان الروح عندما تترك الجسد ، يموت الجسد، اما إذا عادت الروح للجسد فالشخص كله يعود للحياة(مثال اقامة يسوع لعازر من الموت),
وهذه الثنائيةتكررت مئات المرات في اماكن كثييرة في الكتاب المقدس .... وفي الحقيقة فإنّ خلق آدم كالأنسان ألأول كان نتيجة لأحياء الجسد بالروح جاعلا إيّاه روحا حية .

يتسائل ار سي سبرول مؤلف كتاب القضية ... الخالق :
هل حقيقة أنّ المسيحية والأبحاث المعاصرة تؤيدان بعضهما البعض، بينما في نفس الوقت تتناقض مع ألأدعاء ألدارويني بان المخ هو وحده المسئول عن الوعي ؟
الأستاذ المشهور المدرّب في العلم والفلسفة واللاهوت جي .بي . مورلاند يجاوب على هذا السؤال

العقل الخاص الداخلي
....الدراسات اثبتت ان النفس ليست مجرد آلة تتفاعل مع الدافع عندما يصل اليه . وفي الحقيقة ،إن المعلومات المأخوذة من ألأبحاث المختلفة هي متميزة جدا حتى انّ لورنس سي .وود قال: "كثير من العلماء المختصون بدارسة المخ اضطروا بأن يسلموا بوجود عقل غير مادي بالرغم من انهم لايعتقدون في الحياة بعد الموت".
توجد ايضا مجادلات فلسفية . إنني اعرف ان الوعي ليس ظاهرة جسدية لأنّه توجد اشياء حقيقية عن وعي وشعوري وهي ليست كذلك عن اي شيء جسدي ".
مثلا :" بعض افكاري يمكن وصفها على انها حقيقية والبعض ألآخر زائف . ومع ذلك ولا واحدة من حالات مخي حيقيقية او زائفة . لايستطيع اي عالم ان ينظر الى حالة مخي ويقول: "إنّ هذه الحالة حقيقية وهذه الحالة زائفة ". ولهذا فيوجد شيء حقيقي عن حالات وعي وشعوري وليست كذلك بالنسبة لحالات مخي ، ونتيجة لذلك لايمكن ان تكون نفس الشيء .
"لاشيء في مخي عن اي شيء . ولا يمكنك انت تفتح راسي وتقول :"ها انت ترى ذلك النموذج الكهربائي في النصف ألأيسر من مخ "جي . بي . مورلاند".
فحالات مخك ليست عن اي شيء ولكن بعض حالات عقلي تفكر في اشياء معيّنة . ولهذا فهناك اختلاف بينهما
" واكثر من هذا ، فان وعي وشعوري هو امر داخلي وخاص بي .وعن طريق المعرفة وفحص ألأفكار لدي طريقة لمعرفة ما يحدث بداخل عقلي وليس متاح معرفته لك او لطبيبي او طبيب الأعصاب .والعالم يستطيع ان يعرف اكثر عما يحدث في مخي (وليس عقلي) أكثر مما اعرف انا . وعليه أن يسألني ".... ولهذا فالعالم يستطيع ان يعرف عن المخ بدراسته ، ولكنه لايستطيع ان يعرف عن العقل بدون أن يسأل الشخص لكي يكشف له ذلك ، لأنّ حالات الوعي لها ملامح ألأمر الداخلي والخصوصية وليس هكذا المخ".

حقيقة الروح
لقرون طويلة فتنت الروح الأنسانية الشعراء ، وتحدت الفلاسفة ، وصعقت العلماء . والمتصوفون مثل تيريزا ألأفيليلة في القرن 16 وصفوها ببلاغة قائلين :" بدأت أفكر في الروح كما لو كانت قلعة مصنوعة من جوهرة واحدة أو من بلور نقي ، بها الكثير من الحجرات ، تماما مثل السماء التي بها منازل كثيرة ". أنّ الروح تحتوي على وعينا وشعورنا ..ولها كينونة ووجود فعلي ".
وعن سؤال لهذا العالم عن ما الذي يجعله يعتقد ان الروح حقيقة ؟ أجاب فقال :
"أولا : نحن ندرك أننا مختلفون عن وعينا واجسادنا . ونعلم اننا كائنات لها وعي وجسد ، ولكننا لسنا مجرد نفس الشيء مثل حياتنا الواعية او حياتنا الجسدية ".
واضاف موضحا:
"لتوضيح ألأمر عن كيف اننا لسنا نفس الشيء كصفاتنا الشخصية وذكرياتنا ووعينا . كان لديّ تلميذ منذ بضعة سنوات حدث حادث خطير لأخته وهي في شهر العسل .سقطت فاقدة الوعي والذكريات وجزءا كبيرا من شخصيتها . لم تصدق انها تزوجت وعندما بدأت في استرداد صحتها ،عرضوا عليها شريط فيديوا حفل زفافها لاقناعها بانها تزوجت فعلا. وأخيرا استوعبت ألأمر وصدقت انها تزوجت .
والآن ، نعرف كلنا انها هي نفس الشخص وهي اخت جيمي . ولم تكن شخصية مختلفة مع إنها كانت تتصرف بطريقة مختلفة . ولكن كانت لديها ذكريات مختلفة تماما . لقد فقدت ذكرياتها القديمة ولم تكن لديها نفس الشخصية . وهذا يبرهن على انه باستطاعتك ان تكون نفس الشخص حتى وإن فقدت ذكرياتك القديمة وربحت ذكريات جديدة ، أو تفقد بعضا من صفات شخصيتك القديمة وتكتسب صفات شخصية جديدة .
والآن ، فإذا كنت انا مجرد وعي فقط ، وعندما يكون وعي مختلفا ، فسوف اكون شخصا مختلفا . ولكنني أعرف أنّني استطيع ان اكون نفس الشخص حتى وان تغير وعي ، ولهذا فلا أستطيع ان اكون نفس الشيء مثل وعي وشعوري عليَّ أن اكون "النفس" أو "الروح التي تحتوي وعي وشعوري".
"نفس الشيء مع جسدي . لايمكنني ان اكون نفس الشيء مثل جسدي او مخي . كانت هناك قصة في التلفزيون عن مريضة بالصرع اجتازت عملية جراحية ازال فها الجراحين 53% من مخها . وعندما استيقضت لم يقل احد إنّ لدينا 47% من شخص هنا .
فالأنسان او الشخص لايمكن تقسيمه الى قطع وأجزاء . إمّا أن تكون شخصا ام لا .(اكون او لا اكون ). ولكن مخك وجسمك يمكن تقسيمهما . وهذا يعني أنّه لايمكن أن اكون نفس الشيء مثل جسدي ....إنّ الروح والوعي لايمكن رؤيتهما ولكن الجسد يمكن رؤيته . وهذا اختلاف اخر . ...لن نجد "ألأنا" وحياتي الواعية ولايمكن رؤيتهما ولان الله عظيم وكبير للغاية حتى انه لايمكن ان نمده بجسد ".
"والنقطة التي اريد ان اوضحها هي : انني روح ولي جسد . ونحن لا نتعلم ونعرف شيئا عن الناس بدراسة اجسادهم بل بمحاولة كيف يشعرون وبماذا يفكرون وتجاه اي شيء يتعاطفون وما هي نظرتهم للعالم ...الخ ..ولهذا فنحن نريد ان "ندخل" داخل الناس لنعرف شيئا عنهم .
" ولهذا فإنّ استنتاجي ألأخير هو أنّه لدي الكثير أكثر من مجرد حياتي الواعية وجسدي وفي الحقيقة أنا "نفس" أو " أنا" التي لا يمكن رؤيتها أو لمسها ما لم اعبر عن نفسي من خلال سلوكي وحديثي . إنّ لديَّ ارادة حرة لأنني " نفس " أو "روح" ولست مجرد "دماغ".

حديث عن الكمبيوتر والخفافيش

سؤال حول ما اذا بامكان اجهزة كمبيوتر في المستقبل بان تصبح عاطفية ؟
اجاب العالم مورلاند قائلا:
"إذا تمكنت ماكينة ان تحقق قوة مساوية او اكبر من تلك التي للمخ الموجود في الكائنات البشرية ، عندئذ سيقول اولئك الذين يؤمنون بمبدأ الجسدانية (اي العلماء الطبيعيون) انّ الكمبيوتر سوف يكون واعيا . وأعتقد أنك لاتوافق على هذا ؟".
قال احد الملحدين بأنّه عندما تصل اجهزة الكمبيوتر الى نقطة تقليد سلوك ألأنسان ، فإنّ الذين يؤمنون بالتمييز العنصري فقط سيرفضون منحها (منح اجزة الكمبيوتر ) الحقوق الكاملة التي للأنسان . ولكن هذا امر مثير للسخرية والضحك . وقال جون إكليس الحائز على جائزة نوبل :إنّه قد "روع من سذاجة أولئك الذين يتنبأون بمشاعر وعا طفة الكمبيوتر " . وقال :"إنّه ليس هناكم دليل على ألأطلاق بأنّه يمكن أن تكون لأجهزة الكمبيوتر نوعا من الوعي او الشعور الذاتي ". " وعلينا أن نتذكر أنّ اجهزة الكمبيوتر لها ذكاء صناعي وليس طبيعي . وهناك فرق كبير بينهما . ولايمكننا ان نشبه الكمبيوتر بشيء حيز فالكمبيوترليست له مشاعر داخلية او وعي او وجهة نظر شخصية ولا بصيرة لحل المشكلات .إنّه لايفكر . إنّه يستطيع ان يشترك في التصرفات إذا أعطيناه التعليمات الصحيحة ، ولكن علينا ان ننتذكر ان الوعي او الشعور ليس هو نفس الشيء مثل السلوك . فالوعي شيء حي ، وهو الذي يدفع للسلوك في الكائنات الحية الواعية . لكن الذي يحرك الكمبيوتر هو الدائرة الكهربائية "....إنّ اجهزة الكمبيوتر يمكنها ان تقلد الذكاء ولكن لايمكن ان يكون لديها اي نوع من الوعي . ولايمكننا ان نخلط بين السلوك مع ما يشبه ان تكون حيا ، ويقظا وذات مشاعر وعواطف .ربما في المستقبل يتمكنوا من اختراع كمبيوتر متطور للغاية ويبرمج ليقول انه واع او حتى يمكنه التصرف بوعي ، ولكن لايمكنه أن يكون كذلك لأن الوعي هو كينونة غير مادية وبعيدة عن المخ".
وعن سؤال فيما اذا لدى الحيوانات ارواح ووعي ؟
اجاب مورلاند:" بكل تأكيد . وفي اماكن عديدة من الكتاب المقدس استخدم الله كلمة "نفس" أو "روح" عندما كان الكلام عن الحيوانات . فالحيوانات ليست مجرد آلات . إنَّ لديها وعيا ووجهات نظر . ولكن روح الحيوان هي ابسط من روح الأنسان . فمثلا ، روح ألأنسان قادرة على التصرف ألأخلاقي الحر ، ولكنني اعتقد ان روح الحيوان مصممة . وقال القديس اوغسطينوس إنّ للحيوانات افكارا ولكنها لاتفكر في تفكيرها . وبينما تحيا الروح بعد موت الجسد ، فلا اعتقد ان روح الحيوان تعيش بعد موته . قد اكون مخطئا . ولكنني اعتقد ان روح الحيوان لاتعيش بعد موته".

الوعي والتطور

إنّ ظهور الوعي هو سر غامض وقد فشلت المادية أن تجد إجابة لذلك : ووافق الملحد كولن مكجنن على هذا القول ثم سأل : كيف يمكن لمجرد مادة أن تنتج وعيا ؟ كيف حوّل التطور ماء ألأنسجة الحيوية الى نبيذ الوعي ؟ إنّ الوعي يبدو وكأنّه شيء جديد تماما في الكون وليس كأثر ظهر بعد ألأنفجار الهائل ألأولي .كيف وجد الوسيلة لكي يظهر مما سبقه؟..لأيمكنك ان تحصل على شيء من لاشيء . فلو لم يوجد اله ، عندئذ سيكون تاريخ الكون كله ، حتى ظهور المخلوقات الحيّة ، تاريخ مادة ميتة لاو عي لها. ولن تكون لدينا اي افكار ، معتقدات ، مشاعر ،إحساسات ، تصرفات حرة ، إختيارات او اهداف . وببساطة سوف يكون هناك حدث طبيعي يتلوه حدث آخر، ويحدث طبقا لقوانين الفيزياء والكيمياء "..كيف تحصل إذا على أشياء تختلف تماما – وعي ، حياة ، تفكير ، شعور ، مخلوقات تؤمن – من مواد ليست بها مثل هذه الأمور ؟ كما لو أنّك تريد أن تحصل على شيء من لاشيء ! وهذه هي المشكلة الرئيسية .
"إذا طبقت عملية في علم الطبيعة على مادة طبيعية ، فسوف تحصل على مواد طبيعية مختلفة .فمثلا ،إذا سلطت الحرارة على وعاء به ماء فسوف تحصل على منتج جديد وهو البخار وهو اكثر تعقيدا من الماء، ولكنه مازال مادة طبيعية . وإذا كان تاريخ الكون مجرد قصة لعمليات طبيعية على مواد طبيعية ، فسوف ينتهي بك ألأمر الى ترتيبات معقدة متزايدة من مواد طبيعية ، ولكنك لن تحصل على شيء غير طبيعي . وفي نهاية اليوم ،إمّا ان يكون لك :"في البداية كانت الجزيئات " أو "في البداية كانت الكلمة " والتي تعني "العقل ألألهي " . وإذا بدأت بالجزيئات ، وتاريخ الكون هو مجرد قصة عن إعادة ترتيب الجزيئات ، فقدتنتهي الى ترتيبات اكثر تعقيدا من الجزيئات ، ولكن ستظل تحصل على جزيئات ولن تحصل على عقول أو وعي .
" ومع ذلك – وهذا أمر هام - إذا بدأت بعقل غير محدود ، عندئذ يمكنك أن توضح كيف ظهرت ووجدت العقول المحدودة . وهذا كلام معقول وله معنى . أمّا ما ليس له معنى – وهو ما يسلم به كثير من الملحدين الذين يؤمنون بنظرية التطور- فهو فكرة الحصول على عقل وقد ظهر للوجود بأنه بدأ بمادة او شيء ميت لا علة له.
ولهذا يحاول البعض فهم ان تتخلصوا من موضوع الوعي بقولهم انّه ليس حقيقيا وأننا مجرد اجهزة كمبيوتر . ومع ذلك ،فإنه لأمر صعب أن تحتفظ به وأنت في وعيك !"(4).


(1)-

المعلم برمهنسا يوغاندا مقالة بعنوان : " التعريف بالوعي الكوني"

(2)
كتاب "الولادة في الموت" للأب هنري بولاد اليسوعي

(3)

كتاب الخلق والتطور حوار بين الدين والعلم ص 115
تاليف مجموعة من العلماء واللاهوتيين
(4)
كتاب "القضية ... الخالق" للمؤلف "لي ستروبل" صحفي يتحرى عن الدليل العلمي الذي يؤيّد وجود الله ..

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار