ثورة الآلهة

سعود سالم
2021 / 6 / 21

أركيولوجيا العدم
٥٠ - ثورة الآلهة

إن معمارية البناء الديني للأديان المنبثقة عن الديانة اليهودية، ترجع في خطوطها الأساسية إلى الديانات أو الميثولوجيا لثقافة بلاد ما بين النهرين، حيث تطورت المفاهيم الأساسية لهذه الديانات المتعددة لتتلائم مع المجتمع اليهودي ثم المسيحي ثم العربي الإسلامي. الدراسات الحديثة في الأركيولوجيا وفي الديانات المقارنة تأكد بأن السرد الديني الخرافي لقصص الأنبياء في التوراة وفي القرآن ترجع أغلبها إلى نصوص مسمارية منقوشة على الطين أو على الحجر في مناطق عديدة من العراق الحالية. بطبيعة الحال نحن نعرف أن تعدد الآلهة كانت فكرة منتشرة في هذه المنطقة لأنها تعكس تشتت هذا المجتمع في وحدات صغيرة متنافسة، وأن التوحيد كان إنجازا فرعونيا لاحقا، غير أن ذلك لا يمنع أن فكرة الخلق، خلق الأرض والسماء وخلق الإنسان من الطين على صورة الله ولخدمة الآلهة، خلق المرأة الأولى من ضلع آدم، وفكرة الجنة والطوفان الذي كاد يقضي على البشر .. كل هذه الأساطير توجد جذورها في الميثولوجيا السومرية والبابلية تحت قصص وحكايات متوارثة منذ أقرب من أربعة آلاف سنة قبل بداية التاريخ المسيحي. على سبيل المثال، "ننهورساج" ألهة من آلهة السومريين، كان لها مقام خاص هو "دلمون" حيث حدثت أول عملية خلق للنبات عن طريق تخصيب "إنكي" إله السماء لـ "ننهورساج" لتنجب آلهة النبات وتخلق ثمانية نباتات محرمة، غير أن "أنكي" يأكل النبات المحرم فيمرض بـ "ضلعه" ويحتضر ويكاد يموت لولا نزع هذا الضلع المريض منه، وتخلق منه سيدة الضلع "ننتو" أولى أناث البشرية. أما قصة خلق الإنسان فهي أكثر إثارة وتشويقا سنذكر هنا بعض تفاصيلها : " عندما كان الآلهة مثل البشر، قاموا بالعمل، حملوا عبئه، كان عبئهم ثقيلا، كان عملهم شاقا وعنائهم بالغا، و"الأنوناكي" السبعة العظام، جعلوا "الإيجيجي" يحملون كل عبء العمل. "آنو" الأب كان ملكهم، و"إنليل" المحارب كان مستشارهم، "ننورتا" كان حاجبهم، "إينوجي" كان موكلا بقنواتهم، إجتمعوا جميعا وجاءوا بصندوق القداح ليقترعوا، فرموا القداح وقسموا الحصص : أرتفع "آنو" إلى السماء، "إنليل" أخذ الأرض مسكنا لشعبه، والرتاج الذي يحجب البحر كان من حصة "إنكي". بعد أن أرتفع "آنو" إلى السماء، ونزل "إنكي" إلى " الأبسو" أو الأعماق المائية، تولى " الأنوناكي" آلهة السماء مهمة إدارة العالم، وكلفوا " الإيجيجي" الآلهة الأرضية بالأعمال الضرورية الشاقة وحملوها عبء العمل كله، مثل حفر القنوات وتنظيف الترع ومجاري الأنهار، وقد حفروا مجرى نهر دجلة ثم مجرى نهر الفرات، ونظفوا الغابات والسهول والجبال.، وأحصوا سنوات التعب فبلغت ٣٦٠٠ سنة حملوا خلالها المشقة، حملوا المشقة ليل نهار. تذمروا ولاموا بعضهم بعضا، وأخيرا قرر "الإيجيجي" التمرد ورفض العمل. فأحرقوا أدوات عملهم ومضوا في هياج وثورة، وعند منتصف الليل حاصروا "الإيكور" وهو قصر "إنليل" الذي كان يغط في نومه.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار