دراما شعرية بديعة في رباعية سنجارية بقلم: براءة الجودي

مصطفى حسين السنجاري
2021 / 6 / 21

الأبيات:
كوني على ثقةٍ لو شئتُ أنساكِ
كما على مِقةٍ قد كنتُ أهواكِ

فحبّ قلبٍ لأورادِ مؤرّجةٍ
ككُرْهِ قلبٍ لأدغالٍ وأشواكِ

أين الحبيبُ بثوبِ الشكرِ مدّثراً
مِن الحبيبِ بثوبِ الجاحدِ الشاكي

ليستْ بك الشمسُ تلهو في مَرابِِعنا
ضُحىً، لِتَحجبَ عنا الضّوءَ لولاكِ
الوصف:
رباعية هائلة لم أستطع اقتباس بيت واحد لأنّها كلها جميلة كعقدٍ مشغول
أبيات قليلة لكنها تختزن الجمال الشعري ويتأنق فيها البوح الشفيف
أبيات جامعة جلية يكتبها فؤاد متوقد مالك لزمام المعاني حكيم رشيد .
دراما شعرية بديعة، وتصوير أبدعت نسجه
معزوفة عذبة تماوجت فيها المشاعر بقوة وكبرياء
حتى وأنت ملتفت أكثر للمباني لا تسهو عن تشكيل المعاني فلله درك شاعرا!
العرض:
أبيات بنكهة عبّاسية ، هنا رائحة العراق وضجيج الشعراء في أسواق بغداد ، الابيات الثلاثة الأولى فيها مقابلة وتضادّ زادت التصاوير الفنية حسنا ودقة في آداء المعنى ووضوحا في إيصال الرسالة ، وهذه المقابلات تُعمل الفكر وتُظهر اسلوب المنطق والإقناع عن طريق جمع الشيئ وضدّه .
( كوني على ثقة ) فيها نبرة تأديبية حازمة في الحفاظ على كبرياء المحب بعد صبر طويل
( كما على مقة) هنا وقعت المقابلة سأنساك وقادر على ذلك بإرادتي بقدر ماكنت أحبك بشدة

(فحب قلب كأوراد مؤرجة) تصوير مجمل بديع فالورد هو الطمأنينة والسكينة وارج الورود في البساتين والحدائق مناسب لتصوير الحب وبهجته وربيعه .
(ككره قلب لأدغال وأشواك) تصوير دقيق جدا فالأدغال هي الغابات لكنها اشدّ منها تشابكا في الأشجار واكثر منها عقدة ومتاهة وتبدو ضيقة لتقارب أشجارها بأحجامها العظيمةأوراقها التي تبدو بعضها غريبة كبيرة ونباتاتها وورودها وازهارها ، ورغم مافي الادغال من غرائب وعجائب في مناظرها إلا أنّ فيها استوحاش وشيئ من الرهبة والخوف وضيقها واشواك أغصانها وورودها يناسب الكره والغلّ ، لذا كانت صورة موفقة ومقابلة بديعة لمشهدين متضادّين .

( بثوب الشكر مدثرا) أعجبني استعمال لفظة مدثر ، وكأنه يلتحف ويغطّي كامل جسده بالشكر وهذا يوحي بأنّ الشكر هو أحدصور تآلف المجتمع وتماسكه حينما يُعترف لأهل الفضل بفضلهم ومن لايشكر الناس لا يشكر الله ، وهي صورة توحي ايضًا بالحياء والتواضع والأدب الجمّ والامتنان .
( بثوب الجاحد الشاكي) ثوب واضح لايناسب أن يكون مدثرا به بل هو يكشف شكواه الجاحدة لصاحب المعروف ، ولكن علينا أن نعرف ليس كل من يشكو هو جاحد فالشكوى عامة قد يلجأ إليها الكثير على اختلاف الأسباب والمواقف المتعددة ، لكن كل جاحد يشكو غالبا ليُثبت العكس .

هذا العجز فيه نبرة لإحساس جميل يتمثّل بشكل بارز في لفظة ( الشاكي) يحمل نبرة التهكم والتوبيخ لكن بلفظ رقيق وحس مرهف ، ومن هذا العجز ميزّت رائحة شعراء العصر العباسي ونغماتهم المرهفة ونسائم أشعارهم البديعة الملوّنة التي تنبض بالتحدّي والتفاعل وتبعث على الابتسام والتنافس في إظهار صور جديدة وفريدة ومعانٍ مبتكرة .

( ليست بك الشمس تلهو في مرابعنا = ضحى لتحجب عنا الضوء لولاك )
لأول وهلة قد يحسبها القارئ مدحا وهي ذمّ وصوة بلاغية ترسم معنى للتهكّم ، كأني فهمتها هكذا [ الشمس تلهو في مرابعنا ضحى فهي لا تمرح وتملأنا نورا بكِ فأنت لاتمثلين الشمس وهي ليست بك ولا تسكن داخلك وإنما ظهورك هو من يحجب عنّا أشعة الشمس ، فأنتِ كالغيم حينما يتكوّن ويتجمّع لايصحبه رعد ولابرق ولاغيث ويكون كالهمّ والكرب الذي حلّ ليحجب عنّا ضياء الحياة وجمالها وسكونها وحيويتها واستقرارها ]

قد يكون الغيم هو الأنسب والأقرب لحجب الضوء أو الضباب الكثيف خصوصا في وقت الضحى أو النهار بشكل عام ، ولن يناسب أن يكون بمعنى الظلام لأن الظلام يأتي في وقته ليلا ولا يحجب الضياء نهارا إلا في حالة واحدة وهو حال كسوف الشمس ، وكلا المعنيين يوحي بالغمّة والهمّ والكرب .

هذا حسب فهمي للبيت وتأويله كون الأبيات التي سبقته تناسب هذا المعنى خصوصا صدر المطلع ( كوني على ثقة لو شئت أنساك) وقلتُ أن فيه نبرة حازمة وتأديبية تحمل شيئ من التقريع والتهكم فكان مناسبا لهذه الثقة في نفسه وتهديد الحبيبة بالنسيان أن يورد الذم أو القدح في معرض المدح خاتمة القصيد .
إن كنت مخطئة في تحليل البيت الأخير أو في فهمي له ارجو تنبيهي استاذ مصطفى ؛ لأن خيال الشاعر يشطح في التأويل أحيانا .
وتبقى سيد الحرف المعبر الجميل باي اتجاه ارسلته
يأتي محملا بنقاء التعبير والصورة

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي