صباح رائق.. وخيبة

أحمد جدعان الشايب
2021 / 6 / 20

نستقبل صباحات أيامنا بأمل منتعش , ولكن تعكرها كثرة الخيبات.


صباح رائق ... وخيبة

- ألو .. المباحث الجنائية ؟
.................................
توقفتْ السيارة أمام الصيدلية ، كان الطبيب وزوجته الصيدلانية ، قد تهيّآ لتوجيه الدورية نحو بيت باسمْ .
كانا يراقبان مشهد إسعاف باسمْ للفتاة من خلف الزجاج ، لم تكن الفئران قد لعبت بعبّهما فقط ، لكن حّية تحتفظ بسمّها ، تسعى بصدريهما ، لتفرغ الجرعات القاتلة في النفوس البريئة .
الطَّرقات الهوجاء على باب الشقة ، أصابت باسم والفتاة برعدة مفاجئة ، في حين كانت تودّعه وهي تطبع على خده قبلة شكر .
دقات قلبه مثل صدى في فراغ، فهل حدث ما كان يخشاه ؟ .أسرع يفتح الباب رغم يقينه أنه وقع في موقف قاتل, ولم يستطع تجاهل ما يسمع من هجوم عنيف على الباب، ولم يحسّ بشيء من الندم, لأن ما قام به واجب اجتماعي ووطني وإنساني, ولو كان موقفه سلبياً, وتخلى عن الفتاة التي تنزف دماً, لظل ينخزُه ضميرُه مدى حياته .
كانت لهفته عارمة, وحيويته تنمّ عن وعيٍ عالٍ بحَمل هموم الوطن والناس , يمدّ يده بثقة ليساعد ما استطاع .
منذ ساعة, وقبل أن تشي تلك الحيّة بما حدث معه, كان نائماً, حين فتح عينيه، توقّفت أحلامهُ، ولم يتوقّف أمله .
استيقظ بنشاط، رشق قليلاً من الماء على وجهه، حضّر فنجان قهوته، ليرتشفه في الشرفة، التي تستقبل الصباح البرتقاليّ.
هدلتْ يمامة ٌ بقربه، تتأرجح على سلكٍ كهربائيّ، كأنّ ترجيعها دعاءٌ لحظة ولادةِ شمسِ يومٍ من أوائل نيسان .
في المقدّمة من حديقة منزل يقابله، أورقتْ شجرة تينٍ غضّة، شاردةً عن عبث الأيدي، تُجاورها شجرة مشمش معتدّةٌ بضخامتها واتساعها، فردَتْ أذرعها في كلّ اتجاه ، واكتست رؤوس الأغصان أوراقاً طريّة مخضّبة ً بالأحمر.
الشارع تحت نظره كان هادئاً ، لا يلوّثه صخب الباعة وضجيج الآليات، وما يزال هواء الحيّ نقيّاً، مبترداً، رائقاً .
قذف بنظره نحو الشرفات المواجهة له، يسودها السّكون ، يؤرّقها انتظار اكتمال الشروق ، متشوّقة ً لاستقبال روائح البنِّ والبابونج ، وتحيّات الصباح .
وحدهُ ، بسعادةٍ ، يتنشّق بامتلاءٍ ،دفقاتٍ من عبير الأُصُص المتبسّمة ،المتناثرة في زوايا الشرفات والنوافذ .
جوّ من الصفاء والسلام الخارجيّ ، انعكس على حالته النفسيّة ، مثل طيفٍ روحانيّ رهيف ، أحسّ بتفرُّد مشاعره ، رغم وجوده في صميم الواقع ، الذي ضاق بأمسه منكسرَ الأمل .
بين فينةٍ وأخرى ، يعبُر مقابل الشرفة ، شبّانٌ وفتياتٌ يستعجلون الخطى للالتحاق بأعمالهم وجامعاتهم .
خلا الشارع من المارة لدقائق ، شرد ذهنه إلى مناخات ٍمتنوّعة ، من المواقف الإنسانيّة ، أعادت انتباهه فتاة مثل مهرةٍ ضلّت طريق أمّها ، تابعها بعينيه ، كانت تميسُ كنبتِ قصبٍ مخضلٍّ على حافة جدول ، تلوح حقيبة يدها فوق قميصٍ يبدو لأول وهلة أنّه مُزّق من جانبيه مزقتين طويلتين ، لينكشف جزءٌ من خصرها ، وتفوح روائح عطرها ، فوق سروالٍ ضيّقٍ وخشن ، لا يبدو متّفقاً مع وداعة القميص ، الذي يخلّعه النسيمُ ، ولا مع اللبدة المنسربة، السارحة فوق الكتفين ، لتبدو نصاعةُ العنق ، وملاسةُ البشرةِ ، تضيء مثل نورٍ حليبيّ ، يتخلّله الشعر الفاحم لحظة نهوضه ورقوده ، متوافقاً مع رجّات الجسد أثناء الخطو النزق .
رافقها ببصره مرغما ، كأنّ شيئاً ما يشدّه إليها ، وهي تمضي مبتعدة ، حتى اقتربت من تلّ أو هضبةٍ من القاذورات ، تحيط بصندوقٍ معدنيّ نظيفٍ شاهدها ترفع كفها وتدير وجهها نحو الرصيف الآخر، وتغلق أنفها بإصبعين لتتقي رائحة عفونةٍ متخمّرةٍ لأيام، أحسّها زكمت أنفه رغم بعده، فتعكّرت روعة المشهد الصباحي الرائق ، الذي ملأ كيانَه وروحَه .
انقلب الهدوء والصفاء إلى توتّرٍ وانفعال ، فذرع الشرفة بخطىً حائرة ، وشتم المتواكلين ، وكل فردٍ لا ينخَزُه ضميرُه ليكون إنساناً إيجابيّاً ، يشارك في حياةٍ أنظف لبلدٍ نحبّه .
توقّفت الفتاة، بيدها الثانية كيسٌ مربوطٌ ، خطَت خطوةً حذرة نحو الصندوق الفارغ ، المحروس بالنفايات ، لترميه في داخله ، لكنّها تراجعت بعد أن غاصت قدمها بين أكوام القاذورات ، وعلِق فيها حطام زجاجٍ مخفيّ تحت ردم الأوساخ . انحنت لتنتزعه متألمةً ، فسال دمٌ ورديٌّ لوّن وجه القدم 0
تلفّتت إلى جانبيها ، طوّحت بالكيس بانفعالٍ وتوتّر، أتبعته بشتيمةٍ شفت غليل ثورتها ، سقط الكيس في قلب الصندوق الفارغ والمفتوح مثل قبر ينتظر الدّفن .
خطت خطواتٍ نزقة، لكنّها رجعت من حيث جاءت, توقّفت منشغلةً بقدمها ، فما يزال الدم الورديّ يواصل النزف .
أشفق باسمٌ عليها ، وُدّ مواساتِها، مساعدتِها، تضميدَها ، تمنّى أن ترفع وجهها نحو شرفته لتراه ، ليقول لها بلهفةٍ مشبعةٍ بتعاطفٍ دامعٍ :
( أيتها البريئة00النقيّة.. الرّقيقة..المعذّبة مثلي.. يا نسمة الصّبح النّديّة .. لا تيأسي .. سنحتمل لامبالاة الجلافة ونحاربُها .. ونعمل من أجل نظافة الوطن.. رغم كلّ شيء .. اعذريني .. مجتمعنا ظالم لا يرحمُك ولا يرحمُني .. لو هرعتُ إليك لأساعدَك .. لأضمّد جراحك وأواسيك .. قد يراني معك أحدُ أقربائِكِ .. فيظنّ بنا الظنون .. وقد يقول لي.. أيّها الفضوليّ .. ما علاقتك بها حتّى تمدّ يدك إليها..لاهي أختك ولا ابنتك ولا زوجتك ولا قريبةٌ لك ..
صدّقيني 00 سيجازفون باتّهاماتٍ وألقابٍ تنسجها أفكارهم المريضة .. وقد يتجاوز أحدُهم أيّ لفظٍ .. فيستخدم يده أو رجله ليهينني ..فهل ترضين بإهانتي ؟ أو نزعَ إنسانيّتي بألسنتهم وأيديهم ؟.. اعذريني .. لست قادراً على فعل أيّ شيء في هذا الخِضمّ المتلاطم بالمقولات الخاطئة )
عاد من شروده، تنبّه إلى وجه الفتاة، بدا سماءً ربيعيّةً ، فاضت غيوم عينيها مطراً دافئاً ، قعدت على حافة رصيف ، تنتظر من يمدّ يده ليساعدَها ، ليغسل جراحَ قدمِها ونفسِها
مرّت سيّارةٌ فارهة أمامها ، على زجاجها الخلفيّ ملصقاتٌ كبيرةٌ وصغيرة، أحدُها ملصق لنقابة الأطبّاء ، وفي داخلها طبيبٌ وزوجته الصيدلانيّة ، يعرفهما باسمُ تماما ، لأن زوجته ترتدي كعادتها ، لباسا رمادياً ، وتغطي وجهها بنقابٍ داكن .
بدأ يستعيد ما حدث في غرفة الإنتظار ، مع جميع المرضى ، يوم زار عيادتَه، تذكّر المرأة العجوز ، التي لا تملك ما يكفي لإجراء عمليّةٍ جراحيّةٍ لها ، خرج معها الطبيب إلى غرفة الانتظار وألقى على المرضى خطبة ً عصماء ، يحثّهم فيها للتبرُّع أو التصدّق من أموالهم ، ليدفعوا له تكاليف العمليّة ، فراحوا بإحراج شديد ، ينظرون إلى بعضهم ، أوقفه باسم ، ومنع المرضى من دفع أيّ مبلغ له ، وقرّعه بشدّة :
( إنك تتسوّل لك لا للمريضة ..عليك أن تتحلّى بقيم إنسانيّةٍ فيّاضة .. المبلغ الذي تتسوّله للمريضة ستضعه في جيبك.. ماالذي ستخسره لو أجريت لها العمليّة مجّاناً ؟ ووفرت عليها ما بيديها من مالٍ لتعيش به ؟.. ألا يكفيك ما تكنزه أنت وزوجتك الصيدلانيّة ؟.. أنصحك أن تتبرّع كل شهر بإجراء عمليّة مجّاناً لأحد المرضى المعوزين .. أُدخُل الآن غرفتك وقم بواجبك .. لا أسمح لأحد أن يدفع قرشاً واحدا.. وهذه المريضة سآخذها إلى المشفى الوطني ).
تذكّر أنه أخذها معه ودخل هو أيضاً المشفى الوطني للعلاج .
ماتزال الفتاة تنزف وتتألّم ، أشارت للسيّارة فتوقفت، انتعش في نفسه أمل إنقاذ دم الفتاة على يد طبيب وزوجته الصيدلانيّة, وسرعان ما يئس ، حين نظر الطبيب إلى زوجته ، وأرخى العنان لقدمه ، لتضغط على الوقود ، فتندفع السيّارة بجنون، مبتعدة, مخلّفة وراءها زوبعة غبارٍ ، ملأ عيني الفتاة
أسِف كثيراً ، ولحقت بنفسه خيبة ٌ كبيرة ، وراح يردد بهمسٍ مسموع :
( يا من تسعون لقتل الأمل.. وتصنعون الخيبة .. وتمتهنون العسف المدمّر.. تحفرون قبوراً للفرح والأحلام .. تعلّموا كيف تكون الحياة أبهى.. وكيف تكون العلاقات أفضل ) .
شاهد الفتاة تبكي حائرة ّ ، مرتبكة ، أيّهما تمسح أوّلاً، قدمَها الملطخة بالدم والأوساخ، أم عينيها المبتلتّين بالدمع والغبار . صاح ( انتظري .. جئت إليكِ ).
بحث بلهفة عن ضمادٍ وقماشٍ ومحلول معقم في صيدليّة المنزل ، أخذها والتهم درجات السلّم قفزاً، متّجهاً إليها ، قال لها :
- تسمحين لي أن أساعدك ؟
هطل مطر عينيها ، أخرجت منديلاَ من حقيبتها ونشقت أنفها .
- وكيف تساعدني هنا في الشارع ؟
- أغسل جروحك .. وأنقّي قدمك من شظايا الزجاج ونتف القاذورات .. وأضمّده بالشاش .
- ألا يوجد مكان قريب أستريح فيه .. أنظف من هذا الرصيف ؟
- هذا بيتي .. لكني وحدي .. وأنتِ تعلمين أن حكم بعض الناس قاس ٍ وظالم.. فماذا نفعل ؟.
بكت ونشقت وقالت :
- خذني إلى بيتك .. ليس كل الأحكام ظالمة .. يوجد أحرار يمتلكون عقلا ً سليما.. وحسا ً وذوقا ً رفيعا ً.
نهضت تعرُج في مِشيتِها , فأسندها على كتفه وذراعه , وعرج بها السلم إلى بيته .
استلقت متألمة ً على مطرح ٍ من الإسفنج , فغسل قدمها بمحلول معقِّم , ونظفها من قطع الزجاج والأوساخ العالقة , ورشرش قليلا ً من دقيق أبيض طبيّ ٍ فوق الجروح المدمّاةِ , ثم لف القدم َ بالضّماد الطبي , فاستراحت نفسُها وشكرته ابتساماتها , قال لها :
_ ألا أقدم لكِ شيئا ً من الضيافة؟ . أنتِ في بيتي .
- لا تتعب نفسك أكثر .. لديّ عملٌ ينتظرني تأخرتُ عليه .. سلمتْ يداك من أي أذى .. لن أنسى ما صنعتَ لي .. وسوف أراك كل يوم ٍ وأنا أمرّ من هنا .. لأرفع وجهي ويدي لأسلم عليك .
قال لها بلهفة ٍ مشبعة ٍ بغبطة ٍ غمرت كيانه :
- سأنتظرك على الشرفة لأسعد بتحيتك الصباحية وأرد بأجمل منها
بينما كانت تمسح يديها , وأنفَها وعينيها بمنديل , وتلملم حاجاتِها لتودعه . كان يهمس في سره : ( أيتها البريئة ُ النقية .. المعذبة مثلي لا تيأسي سنظل نحتمل لا مبالاة الجلافة .. ونعمل من أجل نظافة ِ هذا الوطن .. من اقذاره ومخربيه .. فهو يضم كياناتِنا .. وملاعبَ أرواحِنا.. وأملاكَنا الغالية وآمالَنا العالية .. ومكونات ٍ لا عدّ لها من الخير والجمال .. الّتي تحفزنا لتنقيته من كل رديء مقيم .. أو ردىً طارئ ٍ.. مهما وقفتْ عقبات ٌ وصعوبات ٌ.. وسنظل نحبه ) .
حملت حقيبتها , إشراقة وجهها , فاضت سعادة في صدره ووجهه , اقتربتْ منه حتى التصقت به , طبعت على خدّه قبلة دافئة , ودّعته بفيض من العرفان , فأحس بأن يومه رائقٌ ممتعٌ , رغم مرارة الخيبة .
كانت طَرَقاتٌ هوجاءُ رعناءُ , على باب الشقة , جعلتهما يتراجعان إلى الخلف , وأصابتهما رعدة مفاجئة .
حين فتح الباب بأصابع مرتعشة , قبضوا عليهما , واقتادوهما إلى التحقيق .

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب