هل يحق للدول الأوروبية التقصي في دور الجوامع والجمعيات الخيرية في الغلو الديني والأسلمة والإنعزال

أحلام أكرم
2021 / 6 / 20

بدأ الترويج للتدّين الإسلامي في المنطقة العربية في بداية السبعينات .. ولم تقتصر الدعوة للتديّن المجتمعي على الإخوان أو السلفيين أو غيرهم من الجماعات الإسلامية .. بل تبنى هذا التفكير الكثير من الدعاة من خلال خطب المنابر والحديث على الشاشات .. وأصبحت موضة العصرلكل الخُطباء وطريقه للتعيُش على حساب تجهيل الإنسان المسلم .. وجاءت هزيمة 67 لتسحب البساط من أساس الفكر القومي الذي روّج له عبد الناصر .. مما أعطى الفرصة لكل المتأسلمين بما فيهم الإخوان للترويج بأن الحل الوحيد للمنطقة .. لا يمر إلا بأسلمة المجتمع .. والدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة ؟؟؟وبدأ تنافس الخطباء من هو الأكثر شهرة والأكثر غلوا.. لدرجة أن بعض المتشددين إستغل وروّج لتكفير من يُنكر الشريعة. الأمر الذي يفتح الباب لإعتباره مرتدا وللثواب لمن يقتله في الفقه الإسلامي ؟؟؟؟ أضف لذلك إنتقال الفكر الصحراوي عبر الشاشات الفضية والعمل في الدولة السعودية .. التي كانت الأكثر تشددا في تبنيها للفكر الوهابي آنذاك .. وبدأت مظاهر التديُن بكل أشكالها من عمامة ولحية ولباس وحجاب وجلباب ونقاب وغُلو .. مترافقه بذات الوقت تماما مع كل مظاهر الفساد الأخلاقي والتحرش والتحايل وغيرها من المظاهر المجتمعية التي أدت إلى حالة الفوضى الدينية والأخلاقية التي نراها الآن ؟؟؟ هذا التدين وبرغم تفاوته ما بين المتشددين السلفيين .. والإخوان.. والمتدينين العاديين .. نجح بكل خطباء الجوامع في بث خطاب ديني يتفاوت في لغته وتشدده ومدى تطرفه .. خاصة في ظل عجز المؤسسات الدينية الحكومية عن مواجهة هذا الخطاب المتشدد .. بخطاب معتدل يدعو للتعايُش .. ويربط الديني بمعيشة البشر خاصة مع المختلف سواء في الوطن أم في خارجه ليُرسّخ للمساواة بين المواطنين وبين الرجل والمرأة .. فكرة التكفير في تحريض مُبطن ترسّخت في عقول الأئمة على أنها أسهل الطرق لبث الهيجان العاطفي بدون تفكير ولا تعقُل ...وإستعمال النصوص في وجوده الفعلي في الكثير منها .. ووقفت المؤسسة الدينية موقف المتفرج بدلا عن إعادة التفسير والإقرار بجمود التراث وعدم صلاحيته لهذا العصر.. والتركيز على القيم الإيجابية في النصوص ذاتها .. مما فتح الباب على مصراعية للمتشددين للتركيز على الإستناد في الآيات السلبية (آيات السيف وغيرها ). ولم تفطن المؤسسة الدينية لموضوع الناسخ والمنسوخ للتوضيح .. وفشلت في إستقطاب الشرائح المجتمعية التي تستند في حياتها على رجل الدين وفتاويه والذي يكون في أغلب الأوقات رجلا عاديا.. تماما كما حدث مع الداعية المصري محمد حسين يعقوب أحدأبرز أقطاب السلفيين حين إعترف أمام المحكمة المصرية بأن تعليمه محدود وأن حب الشهرة هو ما دفعه للمغالاة في فتاوية المتشددة حول الجهاد وتكفير الأقباط والخلافة الإسلامية .. وأعلن تراجعه عن كل فتاويه ؟؟ تماما كما أعترف الشيخ السعودي سابقا عائض القرني وإعتذر عن آرائه التحريمية المتشددة ؟؟ وتبعه في ذلك الكثيرون من الشيوخ السعوديين.. مثل تراجع الإمام السابق للمسجد الحرام عادل الكلباني عن تكفير علماء المذهب الشيعي ..وتحريم الغناء والموسيقى وسفر المرأة دون محرم ؟؟؟؟
المشكلة التي نواجهها الآن في العالمين العربي والغربي .. هي ما يواجه كلا المجتمعان من نتائج المغالاة في الدين والتدين السطحي .. التي عبرت الحدود ووصلت من خلال المساجد والجمعيات الخيرية إلى كل أنحاء أوروربا مما دعى الكثير من الحكومات الأوروبية لمراجعة مواقفها من المساجد والجمعيات الإسلامية.. بداية من التحري عن مصادر تمويلها .. وليس إنتهاء بولائها السياسي ..
حيث قامت ألمانيا " " في إطار خطة شاملة لتعزيز المجهود الأمني. بعد تعرضها لهجمات إرهابية من مواطنيها من أصول إسلامية.... بمراجعة قوانينها في مواجهة التطرف الإسلامي ومنابع تمويله بالربط بين خطاب الجوامع الذي إستغل الحريات وحرية العقيدة في الدعوة في خطاب مُبطن للإنشقاق عن المجتمع .. وعداء للدولة الكافرة التي لا تعمل بالقوانين الدينية الشرعية .. والدعوة لأنظمة ومؤسسات تعمل بقوانين موازية لقوانين الدولة كما في مجالس الشريعة التي تتزايد في كل أوروبا.. وعززته المؤسسة الحكومية الألمانيه بالتحري عن طبيعة عمل الجمعيات الخيرية التي قد تتستر تحت غطاء العمل الخيري ويقوم بعضها بتبييض الأموال ..ودعم المساجد في خطابها .. وربطت الحكومة الألمانية كلاهما بالأمن القومي .. وقامت بحظر جماعة الجهاد السلفية المعروفة ب "توحيد برلين ...
على سبيل المثال تأتي الجمعيات التركية في ألمانيا على رأس قائمة التساؤل عن الولاء والحيادية ؟؟ والذي شهدنا نتائجه قبل سنتين في تأثير الإتحاد التركي الإسلامي على نتائج الإنتخابات في تركيا من خلال إدارته لما يُقارب 900 مسجد.. بحيث نجح الرئيس أردوغان في الرئاسة مرة أخرى برغم المعارضة الشديدة له من أحزاب في تركيا نفسها ؟؟؟
كذلك هو الأمر بالنسبة للسويد التي لم تكن تسمح بالمساس بأي من مواطنيها من أصول أجنبية .. تغيرت أجندتها بعد تصاعد وتيرة العنف من البعض من مواطنيها المسلمون ..وتقوم بوضع كل أسباب العنف من الأقلية المسلمة على طاولة البحث والتقصي العام وعدم السكوت عن تقاعسها في الإندماج وإنعزالها .. كون أي سكوت يتعارض مع مبدئي الشفافية وحرية التعبير .. إضافة إلى وجود العديد من الجمعيات والمنظمات الإسلامية على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، وتعمل على بناء مجتمعات موازية داخل السويد، بقيم تختلف عن قيم المجتمع السويدي وعاداته...
أما التجربة الفرنسية فحدث ولا حرج .. خاصة بعد قتل المُدرس الفرنسي .. والذي أدانته مؤسسة الأزهر .. .. ولكن الأزهر في ذات الوقت طالب العالم بإلغاء هذه الحرية بدعوته لسن تشريع عالمي يُجرّم الإساءة للأديان ؟؟؟ بما يؤكد قصوره عن فهم العقلية ومبادىء الديمقراطية الغربية ؟؟؟
السؤال الأهم هل هناك حدود لحرية التعبير خاصة وحين تمس الأمن القومي لكل مواطنيها .. الأمر الذي حدث في كل الدول الأوروبية في معاناتها من خروج مواطنين منها تم شحنهم بالتطرف سواء للإنضمام لأكبر التنظيمات الإرهابية أو القيام بأعمال إرهابية على أرضهم ..
سيدي القارىء ..
كان موضوع الديمقراطية على رأس جدول أعمال قمة السبعة الكبار.. خوفا من تسخير القوانين الديمقراطية الإنسانية لخدمة أغراض غير نزيهة وتمس بالأمن القومي .. خاصة وأن الدول الأوروبيه شهدت تصاعدا لوتيرة العنف من مجتمع الأقليات وبالذات من الجاليات المسلمة بالتحديد ..
أوروبا بأكملها تقدس حريات التعبير ولكنها تقف الآن في مواجهة خطر إستغلال الأقليات للحرية وبالتالي تقف جميع هذه الدول في التأرجح ما بين التستر على إستغلال هذه الحرية من الأقلية أو إتهامها بالعنصرية فيما لو تسترت عليها ..القرار كان في مواجهة هذه الأقليات. من خلال مواجهة المؤسسات الإسلامية الموجودة على أراضيها لإتخاذ موقف صريح وواضح من كل خطاب تبريري للعنف بكل أشكاله وخاصة المقدس منها كالجهاد في نشر الدعوة .وهو ما تعمل عليه المساجد والجمعيات الخيرية في شكل أو بآخر ... فهل ألومها ؟؟؟؟؟؟
سيدي القارىء .. أعلم بأنك قد تتهمني بالعداء للدين ..أنا لست ضد الأديان .. وأؤمن بكل إيجابية جاءت في أي منها .. ولكن حرصي على الأمن لنا جميعا هو ما يدفعني لوضع النقاط على الحروف والتنبيه بأننا في طريق مسدود لن يؤدي إلا إلى الهلاك في حال إستمرارنا في نهج يُخالف التوجه الإنساني العالمي ..وسأتركك مع تجربتين مررت بهم للحكم .. الأولى
هي دكتورة بريطانية من أصل سوري .. قامت بتأسيس منظمة خيرية لمساعدة الأطفال اللاجئين في اليونان ومحاولة إحضارهم بالطرق القانونية إلى بريطانيا .. قابلتها لإيجاد المشتركات الإنسانية للمساهمة في أعمالها الخيرية .. وسألتها لماذا لا تطلب مساعدة من الجمعيات الخيرية الإسلامية في بريطانيا ..أدهشني ردها .. قالت أنها حاولت ذلك مع إحدى أكبر الجمعيات الإسلامية ولكن طلبها رُفض لأن عملها لا يقتصر فقط على الأطفال المسلمون ؟؟؟
الثانية ..
هو سائق من أصل مغربي ..فرح بتديُن إبنته ذات السادسة عشر لإعتقاده بأن تديُنها سيحميها من مؤثرات الحرية الغربية .. لتختفي فجأه .. وحين أبلغ البوليس.. وجدوها على الحدود التركية في طريقها للزواج بأحد المجاهدين في سورية الذي تعرفت عليه من خلال الإنترنت .. وأعادتها الحكومة البريطانية وأخلت سبيلها بعد فترة لإعتقادها بأنه غُرر بها وبراءتها .. وبعد فترة وجيزة طلبت من أهلها تزويجها حيث تقدم لها إمام مسجد .. وتزوجته لتكتشف أنه يخونها مع نساء من خلال ممارسة الشعوذه والسحر.. وعادت مُطلقة مع إبنتها .. خلعت الحجاب وعادت للدراسة وفرح والديها على إعتقاد أنها في طريق بناء حياة جديدة .. ولكن وفجأة أيضا قُبض عليها مع أختها لتخطيطها لعملية إرهابية كبيرة في لندن ..حيث نجحت في إستقطاب أختها .. وحكمت المحكمه عليهما بالسجن لما يزيد عن العشرين عاما بعد ثبوت التهمة والإعتراف ؟؟؟؟ وأمام كل هذا إضطر والدها للتخلي عن طفلتها ليقطع كل علاقة له مع والدها .. والتخلي عن بناته الإثنتين خوفا من تأثيرهما على إبنه الوحيد الذي بقي معه ؟؟؟؟
هذه نماذج من تأثير الجمعيات الخيرية التي تتستر تحت غطاء العمل الخيري ولكنها تتخذ من التمييز بين المسلم والمختلف مبدأ.. ومن تأثير الجامع في الغلو في التدين وعدم الفهم وفي تصرفات الأئمة ؟؟؟؟

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية