عن المرأة في قرى الجولان المحتل - القمر بدراً

وهيب أيوب
2021 / 6 / 20

قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967 ، كانت قرى الجولان الخمسة ؛ مجدل شمس ، بقعاثا ، مسعدة ، عين قنيه ، الغجر ، الذين بقوا في قراهم وأراضيهم ولم يرحلوا شرقاً تجاه دمشق أسوة بباقي سكان قرى ومدن الجولان "النازحين" .
كان سكان تلك القرى يعيشون كغيرهم من سكان الريف السوري على الفلاحة والزراعة والرعي ، وكان دور المرأة في تلك المرحلة يقتصر على مساعدة الرجل بأعمال الفلاحة والزراعة والرعي إضافة لأعمال البيت وتربية الأولاد ، ولم تكن الفتيات يدخلن المدارس للتعلّم إلا فيما ندر ، وفي المراحل الابتدائية فقط ، حيث لم تكُن في تلك الأيام مدارس ثانوية في المنطقة ، حتى أن نسبة التعليم للذكور أيضاً كان قليلاً ، إضافة أن المجتمع الجولاني إلى حينذاك كان مجتمعاً قروياً تقليدياً مُحافظاً ، لا يؤمن بتعليم المرأة ولا بدورها في المجتمع ، أسوة بباقي المجتمعات القروية العربية في الأرياف السورية ، إذ كانت تلك المجتمعات تتمسّك بالعادات والتقاليد المتوارثة التي لا تؤمن بدور المرأة في المجتمع ، بحيث كان يُنظر لها كضلع قاصر غير قادرة الاعتماد على نفسها ، ولا تصلح للتعليم ونيل الشهادات العليا والعمل بوظائف أو مِهن بعيداً عن القرية والبيت ، وقد يكون السبب أيضاً هو الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة ذاك الزمان ، بحيث لم تُتح الفرص لتطوّر تلك المجتمعات وارتقاء دور المرأة فيها ، وبحيث مستوى الفقر الذي كانت تعيشه تلك المجتمعات القروية المُحافظة دينياً والذين كانوا يعتبرون المرأة هي شرف العائلة يجب عدم خروجها منفردة بعيداً عن القرية والبيت حتى لا تلوّث سمعتها وسمعة أهلها والعائلة ، ولهذا اقتصر دورها على الأعمال المنزلية ومساعدة عائلتها في الأعمال الزراعية ورعي الماشية .
باختصار ، هكذا كانت ظروف قرى الجولان قُبيل الاحتلال وبعده لسنوات عديدة ، إلا أن الأوضاع الاقتصادية بدأت بالتحسّن شيئاً فشيئاً ، مما أثّر بشكل إيجابي على نظرة المجتمع للحياة ومتطلبات العصر الذي بدأوا يعيشونه متأثرين بالمجتمع الإسرائيلي ومخالطة الناس لهم من خلال العمل معهم في شتى الأعمال كالبناء والوظائف وغيرها ، واكتساب رؤى جديدة للحياة من خلال تلك العلاقات التي أعطت زخماً لتطوّر المجتمع الجولاني خطوة بخطوة في كافة المجالات ، كما أخذت المرأة تواكب هذا التطوّر والانتقال إلى مراحل جديدة وحديثة من العلاقات الاجتماعية والانفتاح أكثر فأكثر على الحياة العصرية ، وسنة بعد سنة كانت تتسارع الخطوات في ارتقاء دور المرأة بالمجتمع من خلال تعلّمها المراحل الابتدائية ثم الانتقال إلى الثانوية ثم إلى المراحل الجامعية ونيل الشهادات العليا ، ففي بداية السبعينيات كانت فتاتين أو ثلاثة فقط في كل صفّ من صفوف المدرسة الثانوية ، بينما مع نهايات السبعينيات كانت الفتيات تُشكّل ما يُقارب نصف العدد في الصفوف الثانوية ، خاصة من مجدل شمس ، بينما كانت الأعداد أقل من باقي القرى ، وهذا من دون شك تسارُع ممتاز في نسبة تعلّم الفتيات للمرحلة الثانوية ، ثم بدأ عدد من الطالبات تتوجّهن للدراسة الجامعية ، سواء في جامعة دمشق أو الجامعات الإسرائيلية ، مثل جامعة حيفا وتل أبيب وتل حاي والجامعة العبرية في القدس وسواهم ...
هناك عامل مهم آخر أتاح للمجتمع الجولاني التطوّر والانفتاح ، وخاصة على صعيد حرية المرأة ؛ وهو العامل الجغرافي ، حيث أن الجولان كمنطقة شبه معزولة عن المجتمعات العربية الأُخرى ، أتاح له التصرّف بحرية في تكوين نموذج متقدّم عن تلك المجتمعات العربية الإسلامية المُحافِظة ، غير القادرة نتيجة بعدها على التأثير عليه وتقييد حركته بسبب العادات والتقاليد والتزمّت الديني . ولهذا فإن وضع المجتمع والمرأة في الجولان نموذجاً فريداً بين المجتمعات العربية الإسلامية .
ثم انخرطت المرأة في العمل في مختلف الوظائف الحكومية وشتى الأعمال الحرّة الأُخرى ، وأخذ دفقٌ من الفتيات يتخرّجون من الجامعات بشتى العلوم ، طبيبات ، ممرضات ، مهندسات ، إداريات ، معلمات مدارس ، صيدلانيات ، تجميل ، كوافيرات ، تربية أطفال ، فنون ، ووصلت الأمور في انفتاح المجتمع إلى إرسال الفتيات إلى خارج الجولان لنيل الشهادات العلمية العالية ، فذهبن كما ذكرت إلى جامعة دمشق وإلى جامعات في الإتحاد السوفياتي ، حيث كانت تُقدّم المنح الدراسية للتعلّم مجاناً .
ومنذ مرحلة الثمانينات وأثناء ما يُعرف بإضراب الجولان بسبب فرض الهوية الإسرائيلية على سكان تلك القرى ، سنرى منعطفاً هاماً جداً وتطوراً في دور المرأة ومشاركتها الرجل بكل الأحداث التي جرت حينها ، من مشاركة في العديد من النشاطات والمشاركة في المظاهرات بشكل مكثّف ، بحيث كانت النساء أحياناً تُشكل نصف عدد المتظاهرين ، إضافة لمشاركتها في المؤسسات المُقامة حينها كالنوادي الرياضية الثقافية ورابطة الجامعيين ، ثم إلى تشكيل اتحاد نسائي ، بادرت له عدد من النساء الناشطات في المجتمع .
وفي الربع القرن الأخير كان هناك تسارعاً ملحوظاً في انفتاح المجتمع وباتت حرية المرأة ودورها في المجتمع يكاد يضاهي الرجل ، وأن معظم الفتيات والنساء حصلن على رخص قيادة السيارة ، وإذا ما وقفت اليوم إلى جانب الشارع في مجدل شمس مثلاً ؛ فإنك سترى عدد السائقات من النساء والفتيات يفوق عدد الرجال .
ومن المهم ذكره أن هذا التسارع الهائل في نمو نسبة المتعلمات ثم انخراطهن في سوق العمل ، رافقه انفتاح وتطور في العلاقات الاجتماعية بين الشباب والفتيات ولم يعُد هناك أي حرج أو تلبُّك بأن يترافق الشباب والفتيات في علاقات شفافة ومفتوحة ، بحيث يرتادون المطاعم والكافيتريات سوياً دون أي حرج ، وتراهم في لقاءاتهم ،الشباب والصبايا، الأصدقاء والزملاء يتبادلان القبلات في السلام على بعضهم البعض بشكل طبيعي دون أن يشكل ذلك استغراباً أو استهجاناً من قِبل عامة الناس .
إضافة إلى الانفتاح غير المسبوق في اللباس على الموضة الحديثة كالفساتين القصيرة والشورت ، وإذا مشيت في الشارع في مجدل شمس مثلاً في فصل الربيع والصيف أو ذهبت إلى مناسبات الأعراس ؛ فإنك سترى اللباس المودرن القصير لدى النساء والفتيات يضاهي لباس نساء وفتيات " الشانزليزيه " في باريس .
إن كل ما نراه وما هو قائم اليوم كان من المُستحيل تصوّره قبل خمسين عاماً ...!
وأنك سترى المرأة اليوم في قرى الجولان ؛ تتعلّم وتعمل وتقوم بالأعمال المنزلية وتربية الأولاد ، وهذا الجهد الكبير المُنقطع النظير الذي تقوم به المرأة الجولانية يُحسب لها كإمرأة بنّاءة مُكافحة ومُجتهدة ومُساهِمة فاعلة في بناء الأسرة والمجتمع الجولاني .
كل هذا التطوّر الاقتصادي والمعيشي والإنجازات على صعيد تحرّر المرأة الجولانية والحصول على كافة متطلبات الحياة من خلال الكدّ والعمل المتواصل ، جعل المرأة شريكة حقيقية للرجل بكل مناح الحياة ،
.... ولكن ؟؟

يبقى أن نُلقي الضوء على انعكاس هذا التطوّر على ذهنية وسلوكيات المجتمع ذكوراً وإناث ، وبتوجيه النقد واللوم والتأنيب على السلوكيات السلبية جرّاء هذا الانفتاح ، بحيث لم يترافق هذا الانفتاح ونسبة ومستوى التعليم والعمل ؛ مع الثقافة والتربية السليمة والارتقاء بالمستوى الفكري والأخلاقي للأجيال الصاعدة ، وكان الاهتمام الأكثر والتركيز عل المظاهر الخارجية والمادية الاستهلاكية ، كاقتناء السيارات والجياب آخر موديل ، مع تدنّي مستوى الذوق والأخلاق في قيادة السيارات والفوضى وعدم الالتزام بالقانون والنظام ودون الشعور بالمسؤولية العامة ومراعاة حقوق الآخرين ،
ثم المبالغة في الشراء والتبذير فيما يلزم ولا يلزم ، ويبدو أن تلك الظاهرة الاستهلاكية في المجتمعات المتخلفة التي تهتم بالمظاهر أكثر من المضمون ، ستدفع ضريبة باهظة في تدنّي مستوى تربية الأولاد والرقي بأخلاقهم وسلوكياتهم ، والتعليم وحده لا يكفي والتطوّر الاقتصادي والرفاهية ليست فقط هي التي تؤدّي إلى التطوّر العميق والارتقاء الحقيقي للمجتمع ، فالاهتمام بالسيارة الفارهة والنظارات السوداء الفاخرة والآيفون آخر طراز وطقم الصالون والستائر ، وشراء الحلويات و"النقرشات" وجلب الألعاب للأطفال ؛ لا يفي وحده بالغرض والهدف الأسمى ، إذا كان على حساب التربية والثقافة والأخلاق والسلوك ، فهذا سيقود في النهاية إلى مجتمع استهلاكي متخلّف ، ويخلق الفوضى المجتمعية التي نرى الكثير من ظواهرها اليوم ، وينقلب الشيء إلى ضدّه ، وأخيراً ؛ يفقد الإنسان المتعة والبهجة بكل ما حصّله من تطوّر اقتصادي ومادي ومستوى رفاهية ، وما امتلكه من مقتنيات عصرية ، ولا ينفع الندم بعد فوات الأوان ...!
إن إهدار معظم الوقت في التحصيل المادي وشراء المقتنيات دون الالتفات للمسائل الجوهرية كالتربية والثقافة السلوكية الأخلاقية المتحضّرة ؛ سيجعل من كل تلك الإنجازات هباءاً منثوراً ...!
وهنا أقول أن دور الأهل وخاصة المرأة في هذي المرحلة هام جداً في تنشئة أطفالها وتربيتهم تربية سليمة ، بعد أن حصلت المرأة على الحرية في التعلّم والعمل والتنقّل بحرية دون قيود .
يُقال ؛ أن التربية الخلقيّة أهم للإنسان من خبزه وثوبه.
وأن أحسن توصية يحملها الإنسان للناس هي التربية الحسنة .
فهل ترتقي المرأة الجولانية في إنجازاتها الهائلة تلك ، وتتوّجُها بمستوى الثقافة والتربية والأخلاق السلوكية..؟؟
يُصبح القمر بدراً ؛
بعد إنهاء دورة قمرية كاملة ، يمرّ فيها بأطواره واحداً تلو الآخر .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا