شبشب أمي

دينا سليم حنحن
2021 / 6 / 19

شِبـْشـِبْ أمّـي
دينا سليم حنحن - أستراليا

إن حصل وفقدتُ الأمل يوما، أكن قد فقدتُ طيرًا حلّق في سمائي ورحل.
الطيور مدرستي الأولى، وحرية التعبير حق من حقوقي، بالأمس، لحقتُ يمامة تعرج، لكنها هربت من عدستي ففرحت لشجاعتها، ذكّرتني بنفسي عندما هربت أنا من شبشب أمي، عندما نبتت أجنحتي التي بدأت تحلّق في الفضاء الشاسع، هل يمكنني أن أدعو ذلك: ذاكرة متقدة؟!.
أستاء من بعض أصوات الحاضرين في حياتي، كما استأت من بعض أصوات الماضي فقتلتها بالقلم، طريقتي المثلى للدفاع عن كبريائي، أهم شيء هو ألا أنكسر، وألا أخضع!
كم أكره رؤية مكسور ينحني استعطافا لأحد!
غرابي يلاحقني ويلازمني، زُرع في سمائي كي يتعقبني! لا تندهشوا، فلكل واحد منا غرابه الذي يلاحقه ويتعقبه، يذكّرنا هذا الطير بأول جريمة إنسانية حدثت، جريمة قتل قاييل لأخيه هابيل.
والأنكى من ذلك كله، أن الغربان تشبهنا، لكنها لا تبارح أماكنها مثلنا، هذا هو الإنسان بطبيعته المستفزة، يطحن الشر أنواعا، وأصنافا، أما شبشب أمي فقد استطاع أن يغرز داخلي تقبّل الضربات بصدر رحب، بما أن الحياة في انتظاري بمطباتها التي لا تحصى..
فما حكاية هذا الشبشب؟
كانت والدتي قد اطلعت على أجندة ملاحظاتي، يوميات ثرية بالمشاهدات، كنت في العاشرة من عمري، أسجل مجريات الأحداث التي تستفزني في الحارة، كنت مثلا قد سجلت حكاية الأخ حزقيال، الجار اليهودي الذي هاجر من مصر إلى فلسطين، عزله أبناؤه ووضعوه خارج البيت، عانى من مرض السل الخبيث، يكرر البصق داخل تنكة قذرة، كان أزعجني بصاقه فهجوته بقصيدة قاسية، وخشية غضب الجيران أكلت علقة شبشب محترمة!.
سجلت أيضا مشهدا عن ابنة الجيران التي زفّها والدها إلى عريسها وهي دون الرابعة عشر من عمرها، وعندما كانت هذه الطفلة في الكوشة صرخت عاليا وأرادت النزول، منعتها عمّاتها ووبخنها قائلات: (لوين هاربه، وشو نعمل بكل هذه المخاسر؟)، لكنها صرخت بهم قائلة، حتى وصل صوتها إلى مسامعي، أنا الطفلة: (ما بدي أهرب، نزلوني بدي أبدّل كلسوني، نسيت أبدّل كلسوني..). طلقها زوجها بعد عدة شهور، وتزوجت مجددا، وأنجبت طفلة أسمتها (صابرين)، ثم تطلقت مجددا، وتوفي زوجها الثالث، قابلتها في إحدى المستشفيات، حيث خضع والدي إلى عملية في القلب، قالت لي: (هل كتبتِ قصتي يا جارتنا، قولي إنني أصبحت خادمة في المشافي، أمسح أرضيتها حتى أؤمن حياة جيدة لابنتي، نصيبي في الحياة)!
عندما هطلت أمطار كانون، دلف سقف غرفة أم يحيي، فبدأت تدير أواني المطبخ وتضعها تحت النزيف الشتوي، وهي تلعن الفقر وأبا الفقر، ووالدها الذي زوّجها رجلا فقيرا، لأنها، كما قالوا عنها، قبيحة وقصيرة، فكتبتُ قصة استعطفت بها الفقر وأباه، وكان أن أكلت علقة شبشب أيضا!.
دوّنتُ في يومياتي أحداثا خطيرة جرت في حرب الستة أيام وقت انهمك الجنود في تحميل ذخائرهم وعتادهم داخل القطارات في سكة الحديد، استعدادا للذهاب إلى جبهات القتال على الحدود، قابل بيتنا في حينها محطة القطارات تماما، ومن خلف النافذة، ومثل طفلة فضولية، تابعت مجريات الأمور، وعندما قرأت والدتي ما دونته، نبهتني ألا أفعل، لكني عصيتها ولم أرضخ، فما كان منها إلا أن لقنتني درسا عظيما، وهات يا ضرب على قفاي بالشبشب، وأخذت تصرخ: (وين بوجعك، بدك تخربي بيتنا إنتِ؟)، وعندما استفقت من الضربات، أقصد عندما تحررت من يديها الناعمتين، قصدت مخدعي وبدأت أكتب حكاية طويلة، يا لعنادي، لم أعرف ما اسم الذي أكتبه، صفحات تلو الصفحات والحكاية لا تنتهي، ثم علمت أنني دونت أول رواية، احتفظت بالمدونة بمكان بعيد عن عيني والدتي، لكن ما يزال الشبشب باقيا في ذهني، وكذلك التهديد بالردع: (وينو الألشين، هاتوا الألشين!) كانت ضرباتها عبارة عن حماية لي، ضربات غير مؤلمة أبدا، ومنذ ذاك الحين أصبحت أدوّن كل شيء يضايقني، أو يستفزني، عنادا، وحتى الصغائر والتوافه منها، وهكذا أصبح التعبير الكتابي أسلوبي الخاص في التعاطي مع من أساؤوا لي.
لقد علمتني التجربة أن طريق العطاء يبدأ من حيث قسا الزمان على الكاتب الذي لم يكتب له أن يعيش عيشة رخية!
...
(1) كلسون: الرداء الداخلي
(2) ألشين: شبشب - حذاء البيت

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية