خدعة التبسيط وبؤس الجذرية

راتب شعبو
2021 / 6 / 17

حتى وقت ليس بعيد كانت الاشتراكية، بالنسبة للكثيرين، هي الكلمة السحرية التي يمكنها الخروج بالمجتمع من كل المشاكل، وحين بدا طريق "التحويل الاشتراكي" طريقاً إلى النهب والإفقار والفشل الاقتصادي فضلاً عن القمع المعمم، كان يعزو اليساريون السبب إلى نقص الالتزام بالاشتراكية، فيقترحون أنفسهم بديلاً عن السلطة الناقصة الاشتراكية لكي يطبقوا الاشتراكية الحقيقية أو الجذرية.
لم تكن تعني الاشتراكية أكثر من إلغاء الملكية الخاصة فوق حدود معينة، أو إلغائها بشكل تام أو "جذري"، بوصفها "مصدر الشرور"، وبدء التخطيط الاقتصادي. على هذا كانت الاشتراكية أو على الأقل "بداية الاشتراكية"، في المتناول ما أن يصل الاشتراكيون إلى السلطة. مبرر سعي الاشتراكيين إلى السلطة إذن هو أنهم سوف يتخذون مجموعة قرارات تتولى الدولة تنفيذها، فتضع يدها على المقدرات الاقتصادية للبلاد وتسحبها من يد الأفراد المالكين الذين تحركهم، في أنشطتهم الاقتصادية، مصالحهم الخاصة ضد المصلحة العامة أو بصرف النظر عنها.
افتراض الأحقية السياسية للاشتراكيين كان يأتي، إذن، من إدراكهم "مصدر الشرور" ومعرفتهم كيف يمكن الخلاص منه. بكلام آخر، كان هؤلاء يتخيلون لأنفسهم مكاناً مهماً، أو قل المكان الأهم، في اللوحة السياسية لبلدهم، ويستمدون شرعيتهم من وعيهم أو مما يعتقدونه الوعي الأعلى. فكرة الطليعة أو النخبة الطليعية جاءت من هنا، وكذلك فكرة الشرعية الثورية التي تقفز فوق خيار الناس.
إذا تأملنا قليلاً هذا التيار، سوف نجد أنه يختزل النضال السياسي في السعي إلى السلطة السياسية من أجل تطبيق البرنامج الجاهز (التأميمات). ينطوي هذا على اختزال وتبسيط وتعال (النظر للجماعات السياسة الأخرى بوصفهم أصحاب برامج وسياسات ضد مصلحة الشعب، أو بوصفهم لا يملكون من الوعي ما يكفيهم لإدراك مصلحة الشعب). ليس من شأن هذا الاختزال سوى رصف الطريق أمام سلطات مستبدة تشبه سلطات التكليف الإلهي، فبدلاً من الحاكمية لله، نكون أمام الحاكمية للوعي، وكما يعتقد أصحاب الخيار الأول أنهم هم من يمثلون الله، يعتقد أصحاب الخيار الثاني أنهم يمثلون الوعي. في الحالتين يكمن مصدر الشرعية خارج دائرة الشعب، وفي الحالتين لا يوجد مقياس محدد يمكن محاسبة السلطة قياساً عليه، لأن السلطة في الحالتين هي مرجعية ذاتها.
هذا النوع من السياسة "الجذرية" التي تلغي الأرضية المشتركة، تقتل فكرة السياسة بوصفها ترجمة عليا لصراع القوى وتوازناتها، لتصبح مجرد ترجمة للنفي المتبادل، وفق ثنائيات قاتلة. جماعة تنسب نفسها إلى الإيمان وتنسب غيرها إلى الكفر، أو جماعة تنسب نفسها إلى العمل (الطبقة العاملة) وتنسب غيرها إلى رأس المال (أرباب العمل). لا توجد أرضية مشتركة تجمع هذه الثنائيات. ولا بد من ملاحظة جاذبية هذا التبسيط وهذه القطعية للجمهور في البلدان المأزومة اقتصادياً واجتماعياً. الأمر الذي يرشح القوى الجذرية التبسيطية إلى حيازة شعبية واسعة، وإلى أن تبدو معبرة عن إرادة الشارع.
صحيح إن السلطات السياسية الأحادية و"الجذرية"، بدورها، في نسف أي معارضة سياسية لها، والتي لا تقبل أقل من سيادتها التامة، هي من يدفع القوى المعارضة إلى "الجذرية"، أي إلى نفي السلطات المسيطرة بوصفها المسؤول الوحيد عن كل بؤس المجتمع. غير أن هذا لا يغير من حقيقة أن النفي المتبادل والتبسيط و"الجذرية" السياسية عقيمة المردود رغم كلفتها الباهظة. هناك ما يجب بناؤه، وهو الأرضية المشتركة، لكي يكون هناك صراع سياسي مجد.
اليوم أصبحت الديموقراطية هي الحل الذي شغل المكان الذي كانت تشغله الاشتراكية من زمن غير بعيد. النخب نفسها التي كانت تجد الحل في الاشتراكية، باتت ترى الحل في الديموقراطية دون أن تأخذ في الاعتبار الفارق المهم بين الفكرتين. كل ما جرى هو استبدال اللفظة، فبدلاً من الكلام عن قوى اشتراكية بات الكلام يدور عن قوى ديموقراطية.
لا يجري الانتباه إلى أنه مع الديموقراطية لم يعد الوعي الطليعي هو من يمنح النخبة "الديموقراطية" شرعيتها، فقد صار من المفترض العودة إلى الشعب لاكتساب الشرعية. الديموقراطية تضع الشعب فوق الطليعة، على الضد من فكرة الاشتراكية التي تعتبر أن الطليعة تعي مصلحة الشعب أكثر مما يعي الشعب مصلحته، ويحق لها بالتالي أن تنوب عنه دون تفويض. لا شك أن في فكرة الديموقراطية كسر للاعتبار الذاتي العالي الذي اعتادت عليه الطليعة الاشتراكية.
كما أن الديموقراطية ليست برنامجاً لحزب يطبقها حال وصوله إلى السلطة، على غرار الحال في "البرنامج الاشتراكي". على العكس، فإن وصول أي حزب إلى السلطة، يجعل منه قوة معادية للديموقراطية، ذلك لأن الديموقراطية تحد من حرية السلطة التي من طبيعتها أن تسعى إلى تحجيم خصومها أو حتى الخلاص منهم. ولا بد من اعتماد آليات تحد من ميل السلطة الحاكمة إلى التفرد والبطش بالقوى السياسية المعارضة. وهذا ما لا يوفره برنامج السلطة، بل يوفره النظام السياسي المتوافق عليه. أي لا بد من لجم تسلط الحزب الذي يستلم السلطة بطريقة ديموقراطية، وهذا اللجم يكون من النظام السياسي ككل (الحريات العامة، فصل السلطات، مؤسسات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية ... ) ومن الحضور الشعبي، أي لا بد من لجم الحزب الحاكم من خارجه.
إذا كان يمكن للاشتراكية أن تكون برنامج حزب، فإن الديموقراطية لا يمكنها ذلك، إنها بالأحرى حلاً وسطاً بين أحزاب تفشل في نفي أو تهميش بعضها البعض، فتتفق على العودة إلى الشعب لكسب الشرعية حسب صناديق الاقتراع. على هذا يبدو لنا أن تعبير حزب ديموقراطي بات اليوم ينطوي على تناقض داخلي. الديموقراطية هي صفة نظام سياسي تواضعت عليه قوى سياسية، وليست صفة للقوى السياسية نفسها.
لا يناقض قولنا هذا وجود أحزاب تحمل الوصف الديموقراطي في أوروبا وأميركا، فهذه الأحزاب حملت صفة الديموقراطية عندما كان هذا الوصف يحدد خياراً طبقياً بورجوازياً لم تعد له أهمية كبيرة اليوم.
كانت القوى الاشتراكية تفترض أن لها أحقية حاسمة في تاريخ مجتمعها بوصفها قوى تقدمية تعبر عن جهة حركة التاريخ. ينبع عن هذا أن من حق هذه القوى أن تستبد باسم مصلحة عامة مفترضة، أي أن تنسف الأرض المشتركة مع القوى الأخرى. في الديموقراطية لا يوجد مثل هذه الأحقية الموهومة، ولا محيد عن بناء أرضية قيمية مشتركة تحكم الصراع السياسي. دون هذه الأرضية يبقى الصراع السياسي نفياً متبادلاً في دائرة استبداد لا ينتهي.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا