فن صناعة الآلهة

سعود سالم
2021 / 6 / 16

أركيولوجيا العدم
٤٨ - صناعة الآلهة


في البداية كان الإله "آن" أو " آنو" يعتبر هو الإله الأول أو ألأكبر، ولد من البحر الكبير المحيط بكل الكون، ويمثل السماء العليا أو قبة السماء التي تحتضن الأرض، ثم أختلط بالأرض "إنكي" ونتيجة لذلك "ولد" الإله الإبن "إنليل" إله الهواء. في البدايات الأولى للكون، لم يكن هناك أي نوع من الضياء، ظلمة دامسة تلف الكون، وإنليل محاصر بين السماء والأرض وحبيسا في ليل أبدي بلا نجوم. هذا الحصار هو الذي تطلب منه أن يخلق القمر "نانا" ويسمى أحيانا "سين"، والذي كان يبحر في زورق ليجلب الضياء إلى السماوات، ثم خلق أيضا إلها آخر "شمش"، وكذلك الآلهة الكبرى التي تحدثنا عنها سابقا "إينانا" أو "عشتار" آلهة الحب والخصوبة .. ونتيجة لكل هذه الأعمال، أستولى "إنليل" على السلطات السماوية بطريقة شبه شرعية وأصبح هو العاصفة والريح والإعصار. ومدلول كلمة "آن" إسم الإله الكبير هو "القوة المطلقة الكامنة"، بينما "إنـليل" تدل على القوة الفعلية المدمرة "طوفان متدفق يكدر وجوه البشر، وإعصار يدمر الحصون " كما هو مدون في بعض الألواح. أما "آن" أو آنو فهو يبدو ككائن قصي يعيش في القبة الزرقاء فيما وراء بوابة السماء بعيدا عن ضجيج البشر.
وسبب ترقي "آنليل" وإكتسابه لمهام أخرى، وإنحطاط سلطة الإله الأكبر "آن"، لايرجع كما يعتقد العديد من المؤرخين - السيكولوجيين، والذين يحللون التاريخ معتمدين على النظريات الفرويدية الخيالية والغامضة والذين يرجعون هذا النزول من مرتبة الإله الأكبر ليصبح شخصية رمزية هلامية تعيش بعيدا في أقاصي السماء، يرجع في نظرهم لإنحطاط سلطة "الأب "، بإعتبار "آن" هو الإله الأكبر والأول وخالق الهواء بإتصاله بالأرض. الحقيقة هي كما ذكر سابقا، أن الآلهة لها ديناميكية عجيبة وتتحرك من مكان لآخر وتتخذ وظائف وصفات متغايرة حسب الزمان والمكان والظروف الثقافية والإجتماعية. وقد أحتفظ هذا الإله بنوع من السلطة الرمزية كخالق أول وإن كان قد فقد سلطاته الفعلية والتنفيذية.
أما "شمش" فهو الإله الذي يعرف كل ما يجري في الأرض وفي السماء، وهو الحكيم والقاضي والوسيط الذي يلوذ به البشر، ويستغيثون به عند الضرورة وفي لحظات المحن، حيث يبتهلون قائلين " أشعتك منشورة على الأرض كأنها شبكة "، وهو أيضا إله الوحي والرؤى والنبوءات، بإعتباره العالم بكل شيء " إنه الهادي والمنار الذي يعبر على الدوام فوق البحار اللانهائية والتي لا يعرف آلهة السماء العظام أغوارها " أما الإله "إنكي" ويسمى أيضا "إيا" فهو إله الحكمة، ويمثل المياه الصافية الخالصة وهو خالق البشر وحاميهم والمحسن إليهم، ولكنه في نفس الوقت يمارس شتى أنواع الحيل والخدع مع بقية الآلهة ليصل إلى غايته ويحقق أهدافه ومآربه.
بالإضافة إلى هؤلاء الآلهة الكبار، هناك أيضا آلهة العالم السفلي كما سبق القول. العالم الذي يقع تحت الأرض طافيا فوق المياه العميقة أو الهاوية العظمى. والطريق إلى هذا العالم الموحش هو طريق الجبل، وهو طريق الموت واللاعودة. وتسيطر على هذا العالم المظلم "أريشكيجال" التي سبق ذكرها، ملكة عالم الظلمات وحيواناته المفزعة. ويعتبر العالم السفلي نهاية كل حياة بشرية، عكس الآلهة الذين يتمتعون بالخلود والحياة الأبدية في مسكنهم الفردوسي المسمى "ديلمون"، رغم وجود إستثناء لهذه القاعدة، لوجود بشري وحيد أعطي له الحق والميزة في الخلود وهو المسمى بـ " الرجل القصي " الذي أنقذ البشرية من الطوفان، وتمكن من الحصول على مفاتيح فيللا واسعة يسكنها هو وزوجته عند مصبات الأنهار في الجنة، وهو المعروف باسم السيد نوح في الأديان اللاحقة.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب