أوهامنا العتيدة -خربشة عقل على جدران الخرافة

سامى لبيب
2021 / 6 / 15

- نحو فهم الإنسان والحياة والوجود (105) .
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (96) .

تناولت فى هذه السلسلة من "أوهامنا البشرية " العديد من أشكال الوهم الذي يراود البشر كوهم الخلق والمطلق والحرية ألخ لأري أن جوهر وأساس كل الأوهام هو وهم الوعي أي التحليل والإستنتاج الخاطئ عند التعامل مع الأفكار والرؤي , ومن هنا يأتي وهم الوعي كمُنتج لكل أوهامنا البشرية حيث النظرة والإستنتاج والمعالجة الخاطئة عند التعاطي مع الأفكار والرؤي .
أتناول فى هذا المقال أوهام شائعة أخري فى الذهنية الدينية الإنسانية وبشكل موجز غير مستفيض بالرغم أن كل وهم منها جدير أن يكون مقال وبحث منفرد تاركاً التأمل والإستفاضة والنقد للقارئ .
مصدر هذه الأوهام جميعاً قراءة خاطئة للوعي نتاج حالة نفسية خاصة وترتيبة ذهنية خاطئة وجهل حاضر بقوة لتفي رغبات نفسية مضطربة .

- وهم الروح .
تتجذر فى العقلية الإنسانية فكرة الروح بدون وجود تعريف ماهية وكينونة وطبيعة هذه الروح ليصل الإدعاء والزيف والوهم حداً أنها المسئولة عن الحياة .
فكرة الروح لدي المؤمنين بها أنها كيان مستقل لا يعرفون ماهيته وطبيعته , لتتناسل الفرضيات والخرافات بأنها تنفصل عن الجسد عند الموت فلا يعرفون كيف تنفصل وأين تتواجد .
منشأ فكرة الروح من ملاحظة الإنسان القديم بأن الإنسان يلفظ النفس الأخير عند موته , فتصور الروح كيان أثيري يخرج مع النفس الأخير , وليحظي هذا الوهم على حضور قوي من رغبة إنسانية فى البقاء متحدياً الفناء فهو مازال باقياً كروح هائمة رغم فناء الجسد لتتناسل الأوهام والفرضيات بحلول الروح مرة أخري فى البعث أو تتناسخ لتحل في أجساد أخري .
تَرسخ هذا المفهوم في الذهنية الإنسانية بالرغم من عدم وجود أى دلائل على وجودها وبالرغم أن العلم أحال عملية الحياة والموت لتوقف الوظائف الطبيعية الكيميائية عن الفعل .
يمكن إستخدام كلمة الروح كتعبير أدبي مجازي نصف به سلوك وشخصية الإنسان كأن نقول هذا الإنسان روحه جميلة , ولكن الخطأ والوهم أن نعزي الحياة لوجود كيان مستقل إسمه الروح لا نعرف ماهيته ولا طبيعته .. ومن هنا فلنلجأ للعلم فى سؤال ماهي الحياة ؟ فهو سيجيب بإستفاضة .

- وهم الشيطان والشر .
وجد الشيطان حضور قوي فى الذهنية الإيمانية الدينية حتى صار الشيطان يشكل فوبيا فى بعض العقائد , وبالرغم من هذا الحضور الإعتقادي القوي فلا يوجد أى إثبات على وجوده وحضوره .
المؤمنين بوجود الشيطان لا يعرفون ماهية وكينونة هذا الشيطان سوى أنه قول أنبيائهم وأنه مصدر الشر فى العالم .
إشكالية الإعتقاد بوجود الشيطان بأن هناك شر فى العالم ليُعزي هذا لفعل وتأثير وغواية إله الشر ثم صار الشيطان , وأن للشر ذو وجود حقيقي منفصل عن الإنسان ليمثل هذا تغييب عن الحقيقة وتضليل لبوصلة الفهم .
تأتي أسطورة الشيطان بجهل إنساني لماهية الشر وسبب حضوره فهناك إيمان بأن الشر ذو حضور مستقل عن الإنسان متمثلاً فى غواية الشيطان وفعله ليعزي هذا الشر بوجود كيان مستقل ينتجه .
فكرة الشيطان هو جهل الإنسان بالأسباب الموضوعية المُنتجة للشرور ليلازمها غرور ومحاولة التنصل وتبرئة نفسه من أنه هو منتج الشر ليلصقها بشماعة الشيطان .
إذن فكرة الشيطان هى نتاج جهل موضوعي بالأسباب التى تنتج الأخطاء والشرور كما أن هذه الفكرة هى دفن الرؤوس فى الرمال كمحاولة التنصل والتبرئة من أفعال وسلوك ذاتي .
يغفل المؤمنين بوجود الشيطان الشرور التي تتم بواسطة الإله كالكوارث والبلايا وهذا يرجع لإنسحاقهم أمام فكرة الإله كذا جهلهم بأسباب الظروف الطبيعية .
لا تحرر للإنسان بإستدعاء لفكرة الشيطان والإله الخرافية ليتبرأ بها من الشر بل بمواجهة موضوعية والإعتراف بأخطاءه وسلوكه المنحرف وبدارسة الطبيعة ومحاولة تجنب مخاطرها .

- وهم المعجزات .
من الأوهام الشائعة لدي أصحاب الإيمان الديني وهم المعجزات , والمعجزة هى هذا الحدث الخارق الذي يقوم به الإله المُفترض بذاته أو بواسطة أنبياءه كاسراً قوانين الطبيعة .
رغم عظم الإدعاء بالمعجزات فلا يوجد أى شواهد على حدوثها تاريخياً كأن يشهدها جمع من البشر ويؤكدوا حدوثها , فهى إدعاء أحد الأنبياء بأنه أسري ليلا فى منامه مثلا .
تبلغ هشاشة الإدعاء بالمعجزات حداً فى الزيف عندما نجد أن التاريخ والحضارات والتدوينات القديمة لم تسجلها , فمثلا الضربات العشر التي أصابت مصر وشعبها لم نجد لها أي تسجيل في تدوينات المصري القديم أو فى أى حضارة أخري بالرغم أن التاريخ المصري القديم لم يغفل أى شاردة أو واردة أو أي حدث أقل أهمية !
هكذا هى المعجزات رغم اليقين الفارغ بحدوثها تأتي بلا شواهد أو توثيق أو تدوين من قبل حضارات أو كتابات خارجية تؤكد حدوثها فلا تعدو الأمور سوي خرافة وإدعاء .
وهنا يسأل البعض ما أهمية المعجزات لتصل لحد الإدعاء والزيف لتكون الإجابة أن تعزيز أي دين يأتي بحجم الخوارق والمعجزات التى ينجزها أصحابها فهى الدلالة على صحة هذا الدين وأنه من إله قدير داعم لهم .
يأتي سؤال آخر عن مغزي المعجزة فى ذهنية الإنسان لتكون الإجابة بأن الإنسان ينسحق أمام ما يسمعه من خوارق , كذا ما يجهله ولا يجد له تفسير , لتبهره الحلول الخارقة فينسحق أمامها ممجداً إياها ومن هنا جاء دور الكهنه وأصحاب النفوذ والسياسة بترويج فكرة المعجزات لخضوع البشر والهيمنة عليهم .. ومازال هذا النهج سائداً حتى الآن .
من هنا يكون وهم المعجزات الغير موثقة لتكتفي بإدعاء وتأليف أحدهم معوق لتطور الإنسان الفكري ليعتمد أشياء ليس لها إثبات وليصل الوهم أعلى أسقفه بإعتبارها حقيقة ويقين بينما الأمور لا تزيد عن خرافة ووهم .

- وهم المقدس .
من الأوهام المتهافتة شيوع وهم المقدس على الأماكن والأشياء دون أن يقدم المؤمنين بهذا الوهم أى إثبات بأن هذا الشئ مقدس بل تتحداهم الفيزياء فلا تغيير فى الطبيعة الفيزيائية لهذه الأشياء عن الأشياء الأخري .
منشأ فكرة المقدس جاء من مُبدعي ومُروجي الدين والمُعتقد بغية التوقير والتمجيد والترويج لهذا المعتقد ليكون جذرها جذر وثني عتيد بغض النظر عن الإيمان بالوثنية أو التبرأ والنفور منها , فتقديس الشئ وما سيجلبه من بركة هو فكر وثني أصيل ومن هنا تجد فكرة المقدس الحضور .
وهم المقدس من أسوأ الأفكار التي إبتدعها البشر لتؤسس للأصنام المتمثلة فى المكان أو الشئ وتبلغ الخطورة والتدمير حدا بتقديس الأفكار لتحظي بعض الأفكار سواء دينية أو علمانية على التقديس الزائف وما يتبعها من تعصب بغيض .. حطموا كل المقدسات .

- وهم الثوابت .
من الاوهام السخيفة المتهافتة وهم الثوابت لتجد حضور فى المجتمعات الإنسانية والدينية منها خاصة لتجد حضور خالقة قيود ضد حرية الفكر والعقل .
وهم الثوابت هو سبيل مُبدعي الأديان والأفكار الدوغمائية لتحصين منظومتهم ضد النقد والجدل حولها ,فهناك ثوابت وخطوط حُمر لا يجوز تخطيها أو الجدال حولها ومن هنا جاء التكفير والإقصاء لأى فكر .
وهم الثوابت يناقض الحياة والتطور فلا يوجد شئ فى الحياة ذا ثبات وديمومة فكل الأشياء فى تغير دائم فهكذا هي طبيعة الحياة .
خطورة وهم الثوابت أنه يعيق تطور الحياة ليضع العصا وسط العجلة لينتج جمود وتخلف .
تأتي الخطورة الكبري من إعتماد منهجية الثوابت دوماً , فبالرغم أن منشأ فكرة الثوابت ذا منشأ ديني إلا أنها أصبحت منهجية وثقافة لنجد أفكار سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية مدنية قد صارت ثوابت لتخدم هنا رجال السياسة والنقوذ والطبقات بديلا عن كهنة ومروجي الدين .

دمتم بخير .
لا سبيل للتطور والتقدم إلا بالتحرر من الخرافة والوهم والثوابت والمقدس ,

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين