بداية التكوين

سعود سالم
2021 / 6 / 13

أركيولوجيا العدم
٤٧ - قصة الخلق


أما التساؤل عن ماهية الأشياء وجوهر الكينونة والوسائل المتاحة للعقل للمعرفة، فهو مصدر المعرفة الفلسفية التي تكونت تدريجيا عند الشعب اليوناني في القرون اللاحقة. رغم أن الأنثروبولوجيا والعلوم المتعلقة بدراسة الإنسان عموما أثبثت أن الآلهة والديانات المختلفة والميثولوجيا عموما هي إرهاصات ومقدمات للبحث الفلسفي ومحاولة لإزاحة الستار عن سر الكينونة البشرية.
في قصة التكوين السومرية، الأرض كانت مجرد مساحة مسطحة أفقية محدودة ، ثم أتخذت شكل قرص منبسط يمثل الدنيا أو العالم الذي نعيش ونتحرك فيه، من المغارة أو الكهف الواقي من البرد والحرارة، إلى الغابة القريبة أو المرعى ومصادر الغذاء، ومواز لهذا العالم الإنساني وتحته مباشرة هناك العالم السفلي، عالم الأموات حيث " يعيش " كل من يفارق عالم الأحياء. وتحت عالم الأموات هناك عالم آخر أكثر بعدا وقتامة، وهو عالم مياه العمق. أما العالم الأرضي فيوجد فوقه قرص آخر يمثل السماء، وهو يتخذ شكلا محدبا يشبه القبة التي تغطي الأرض وتحيط بها من جميع النواحي، وبين هذه القبة اللامرئية والأرض، يوجد الهواء. وكل هذا البناء المتكامل والثابت يقف على قدميه مستقرا في بحر لا نهائي يحيط به من جميع الجهات. وهذا البحر أو المحيط المائي هو مصدر الكينونة ومادتها الأولية، أنبثقت عنها السماء وتولدت الأرض. ومن إتصال الأرض بالسماء ولد الهواء الذي تمطط تدريجيا وفصل بينهما. وهكذا أرتفع الإله "آن" الذي يعتبر أكبر الآلهة إلى السماء ليحكمها، ونزلت "كي" لتصبح إلهة الأرض، وبقي "آن - ليل" أو أنليل بينهما، والذي ترقى وأصبح فيما بعد الإله الكبير الحقيقي ذا القوة المنفذة والذي يدير كل أمور الدنيا، ممتلكا كل السلطات الفعلية التنفيذية، وبالذات ما يتعلق بالبشر وتسيير أعمالهم ومصيرهم الأرضي .. فهو على سبيل المثال الذي خلق الأدوات الزراعية ألأولية مثل الفأس والمحراث وغيرها من أدوات العمل والإنتاج، ولكنه يمتلك أيضا ألواح القدر، أي الألواح المسجل فيها مصير البشر والأشياء عموما.
أم "ننهورساج" فهي إله أنثى من آلهة السومريين، كان لها مكان خاص للطهارة ومقام يسمى "دلمون" حيث حدثت أول عملية خلق للنبات عن طريق تخصيب "إنكي" إله السماء لـ "ننهورساج" لتنجب آلهة النبات وتخلق بمفردها ثمانية نباتات محرمة ويأكل "أنكي" النبات المحرم فتحيق به اللعنة الربانية فيمرض بضلعه ويحتضر لولا نزع هذا الضلع المريض منه، وتخلق منه سيدة الضلع "ننتو" أولى أناث البشرية، هذا بطبيعة الحال لا بد أن يذكرنا بقصة آدم وضلعه الذي تحول إلى حواء في الخرافات اليهودية والعربية. في أسطورة إنكي وننهورساج، هناك العديد من التفاصيل الشيقة، مثلا أنجبت "ننهورساج" من "إنكي" ابنةً تُدعى "نينسار" أي سيدة الخضرة، أنجبت "نينسار" بدورها عن طريق "إنكي" ذاته ابنتها "نينكورا" أي سيدة الماشية، أنجبت "نينكورا" بدورها ابنةً أخرى لإنكي اسمها "أوتو"، وقد طارد "إنكي" بعد ذلك "أوتو" كعادته، غير أنها كانت غاضبةً على ما يبدو من عدم اهتمامه بها، فدفنت "أوتو"، وفقًا لنصيحة جدتها الأكبر "ننهورساج"، بذور إنكي في الأرض، حيث نمت ثماني نباتات مكانها وهي النباتات الأولى على الأرض. وأكتشف إنكي هذه النباتات الجديدة وأكل منها، وأصبح مريضًا في ثمانية أعضاء من جسده. شفته "ننهورساج"، التي أخذت النباتات إلى داخل جسدها لتنجب منها ثمانية آلهة. وفي نص آخر من نصوص الخلق المتعددة، تعمل "نينما"، وهو اسم آخر لـ "ننهورساج" كقابلة، بينما تخلق الإلهة الأم "نامو" أنواعًا مختلفةً من البشر من كتل الطين والصلصال خلال وليمة أعدها إنكي للاحتفال بخلق الجنس البشري.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار