الامبريالية والصراع الطبقي (4)

عبد السلام أديب
2021 / 6 / 13

1 - هناك الكثيرون ممن يتجاهلون وجود الامبريالية في القرن الواحد والعشرين، اما لانهم يعتقدون ان الظاهرة ارتبطت بالمد الاستعماري العسكري منذ القرن السابع عشر وانحسرت تدريجيا مع توالي الاستقلالات السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فيتجاهلون بذلك حقيقة الاستقلالات الشكلية للبلدان التي كانت خاضعة للاستعمار المباشر واستمرار تبعيتها وانها أصبحت تتخذ صفة الاستعمار الجديد وتخضع لأشد روابط التبعية نحو المتربول الاستعماري السابق. ويمكن وصف هذا التجاهل بنوع من الغباء السياسي ان لم يكن متعمدا. أو لأن بعض المثقفين الرجعيين مدعي الانتماء للماركسية يعملون عبر تجاهلهم المتعمد هذا وادعاء اختفاء الامبريالية، الى محاولة إخفاء الاستغلال والصراع الطبقي وفرض استبدال التحليل المادي الديالكتيكي بالتحليل المثالي الميتافيزيقي، خدمة للإمبريالية الرأسمالية نفسها.

2 - ونظرا لصعوبة تملك التحليل المادي الديالكتيكي على المستويين المحلي والعالمي، فإن مظاهر الاستغلال الامبريالي الرأسمالي واضطهاد الطبقة العاملة تظل متخفية، الى ان تنفجر حادثة مفاجئة من الحوادث التي تكشف عن بشاعة الاستغلال الامبريالي الرأسمالي العالمي للملايير من البروليتاريين عبر العالم. ولكي ننتقل من الاطار النظري نحو التحليل الملموس لتأكيد بشاعة هذا الاستغلال الامبريالي الجديد للطبقة العاملة عبر العالم، نتناول فيما يلي مثالا صارخا حدث سنة 2013 في البانغلاديش عقب انهيار مبنى رانا بلازا وتسبب في مصرع أزيد من 1133 عامل وعاملة كانوا يعملون في معمل النسيج بهذا المبنى. وعلاقة هذا الانهيار بالاستغلال الامبريالي الرأسمالي العالمي وكيف تتم سرقة فائض القيمة من قوة عمل عمال دول الجنوب لإعادة تثمينها في مراكز البلدان الامبريالية.

3 - في 24 أبريل 2013 حدث انهيار مبنى رانا بلازا، والمكون من ثمانية طوابق والذي يضم عدة مصانع للنسيج، وبنك وبعض المحلات التجارية والموجود في منطقة صناعية شمال دكا، عاصمة البانغلاديش. وهو الحادث الذي أسفر عن مقتل 1133 عامل وجرح 2500 آخرين. وقد شكل هذا الانهيار أسوأ الكوارث التي حدثت في أماكن العمل . وقد اثارت هذه الكارثة، حزن وغضب شديدين وسط العمال ومطالبتهم بالعدالة، وهو ما حرك مشاعر التعاطف والتضامن من طرف العمال في جميع أنحاء العالم – كما وجهت دعوات محمومة للشركات العملاقة التي تعتمد على المصانع البنغلاديشية في منتجاتها، والتي لا تتحمل أي مسؤولية اتجاه الأجور المتدنية والظروف المعيشية وظروف عمل للعمال الذين يصنعون جميع حاجياتهم من السلع، لتحمل مسؤوليتها في الحد من الأضرار.

4 - ومما زاد من غضب وسخط الكثيرين هو أنه، في اليوم السابق للحادثة، ظهرت شقوق في هيكل المبنى وأسفر التفتيش الأولي عن ضرورة إخلائه والتوصية بإبقائه مغلقًا. وفي صباح اليوم التالي، أطاع بنك ومتاجر في الطابق الأرضي هذه النصيحة، لكن طُلب من الآلاف من عمال الملابس العودة إلى العمل تحت طائلة الفصل. وعندما تم تشغيل المولدات التي تم تركيبها بشكل غير قانوني في الطابق العلوي، انهار المبنى. وقد نعتت النقابة IndustriALL، وهي عبارة عن اتحاد نقابي دولي، على ما حدث ب "المجزرة الصناعية الجماعية".

5 - لقد أحدث صراخ الآلاف من المحاصرين والمسحوقين، عند تساقط الخرسانة والآلات فوقهم، موجة من الصدمات، ترددت مع تأوهات الملايين من الكادحين من الألم في جميع أنحاء العالم. كما تصدرت الكارثة عناوين أخبار مختلف وسائل الاعلام. كما ووجه مستهلكو الملابس المصنوعة في مصانع البنغلاديش بمدى علاقتهم المباشرة بالعاملات والعمال الذين صنعت تلك الملابس على أيديهم، وبوضعهم البئيس في تلك المنطقة.

6 - أضاءت موجة صدمة البروليتاريا ضحية معامل رانا بلازا الهيكل الداخلي الحقيقي للاقتصاد الامبريالي الرأسمالي العالمي، وهو ما أكد حقيقة أساسية حول الرأسمالية العالمية والتي عادة ما تظل بعيدة عن الأنظار وعن العقل: تنبني صحتها المؤكدة على المعدلات القصوى لاستغلال قوة عمل العمال في البلدان ذات الأجور المنخفضة التي يتم نقل إنتاج السلع الاستهلاكية والمدخلات الوسيطة اليها. كما أثارت انتباه العالم بشكل خاص إلى الأجور البئيسة في بنغلاديش - وهي الأجور الأدنى مقارنة بأي مصنع نسيج في العالم، ورغم الزيادة بنسبة 77 % في الأجور في نوفمبر 2013.


7 - ففي مصانع الموت هذه، أسفر أيضا حريق في مصنع أزياء تزرين المجاورة، قبل خمسة أشهر على انهيار مبنى رنا بلازا، عن مقتل 112 عاملاً، لأنه ظلوا محاصرين خلف نوافذ ذات قضبان وأبواب حديدية مغلقة أثناء العمل لوقت طويل في الليل.

8 – ظلت المافيات الحاكمة في البانغلاديش تواجه بالقمع العنيف ضد ممارسة الحقوق النقابية عبر الضرب والاعتقال التعسفي، ووضع النشطاء النقابيين على القائمة السوداء. كما سمحت بانتشار العلاقات الزبونية بين أصحاب المصانع والسياسيين ورؤساء الشرطة في البلاد – فلا تتم إدانة أي صاحب معمل لصناعة الملابس بسبب انتهاكه لقوانين الصحة والسلامة . كل هذه الحقائق تؤكد أن صناعة الملابس تشكل "المثال الجوهري لسلسلة السلع التي يقودها المشتري (الشركات الامبريالية)... حيث يحدد المشترون العالميون، ما سيتم إنتاجه؟ وأين؟، ومن قبل من؟، وبأي ثمن؟. " فعلى هذا النحو، تعمل صناعة الملابس في بنغلاديش على تلخيص استراتيجية التصنيع الموجه نحو التصدير التي تتبعها الحكومات الرأسمالية عبر بلدان جنوب الكرة الأرضية. وكما قالت الأمينة العامة للمؤتمر النقابي البريطاني فرانسيس أوجرادي ردًا على كارثة رانا بلازا، "تثبت هذه الخسارة المروعة في الأرواح أنه في اطار السباق العالمي نحو القاع في ظروف العمل، فإن خط النهاية هو البنغلاديش" .

9 - وتمثل الأجور البئيسة ومصانع فخ الموت والأحياء الفقيرة النتنة في البنغلاديش الظروف التي يعاني منها مئات الملايين من العمال في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضية، ومصدر فائض القيمة الذي يحافظ على ارتفاع معدلات الأرباح ويغذي الاستهلاك المفرط غير المستدام في البلدان الإمبريالية.

10 - كما يقف شعب البنغلاديش أيضًا في الصفوف الأمامية لنتيجة مأساوية أخرى تتمثل في الاستغلال المتهور للرأسمالية الامبريالية الجديدة للعمال وللطبيعة الحية: فالوصف الدقيق لسبب تغير المناخ يتمثل في التدمير الرأسمالي للطبيعة. وحيث أن معظم أراضي البنغلاديش منخفضة، ومع ارتفاع مستوى سطح البحر، أصبحت الرياح الموسمية أكثر نشاطًا، وأصبحت الأراضي الزراعية تغمرها المياه المالحة بشكل متزايد، مما يؤدى إلى تسريع الهجرة نحو المدن. ونتيجة لذلك، تضاعف عدد سكان دكا، عاصمة البنغلاديش، في السنوات العشرين الماضية، والتي تعتبر بالفعل واحدة من أكبر المدن وأكثرها كثافة سكانية في العالم، حيث تنمو بأكثر من 600.000 شخص كل عام .

11 – كما يؤدي الاستخراج المفرط للمياه الصالحة للشرب إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية في دكا، والأسوأ من ذلك، أنها تتعرض للتلوث بمياه البحر. والأخطر من ذلك كله، فإن دكا تجلس على قمة منطقة زلزالية نشطة. حيث يحذر علماء الزلازل من أن زلزالًا بقوة 7.5 درجة ريشتر سيحول دكا إلى أنقاض وأن 80.000 مبنى يمكن أن تتعرض لمثل التدمير الذي حدث في رانا بلازا. كان الدمار مرتفعًا، نظرًا لأن الكثير من التوسع الفوضوي وغير المخطط له في دكا، التي تحيط بها المستنقعات، حيث تكون البنايات عمودية وليست أفقية، وعادةً ما تكون بنفس معيار البناء في رانا بلازا .

12 - ولا يمكن للباحث أن يجد أية مؤشرات من هذه النتائج السلبية في أرقام التنمية الرأسمالية في حسابات الناتج المحلي الإجمالي للبنغلاديش، ومع ذلك تبدوا حقيقة ملموسة، ويتحمل نتائجها عمالها ومزارعوها وبيئتها الطبيعية. فهم يدفعون الثمن، ولكن من الذي يربح؟ ان جزءا من الاستغلال الحاصل يغذي التطور الرأسمالي في البنغلاديش، بينما يغذي جزئه الأكبر التراكم الرأسمالي في البلدان الإمبريالية؟

13 - ان انهيار مبنى رانا بلازا لم يسلط الضوء فقط على الاستغلال الوحشي والمفرط للعمال البنجلادشيين. بل سلط الضوء في نفس الوقت على الهيكل الخفي للاقتصاد الرأسمالي العالمي، مما كشف عن المدى الذي انتقلت اليه علاقة رأس المال بالعمل والذي تطور نحو علاقة بين الطبقة الرأسمالية العالمية لدول الشمال بقوة عمل بروليتاريا دول الجنوب. وحيث شكلت صناعة الملابس أول قطاع صناعي يحول انتاجه بالكامل نحو البلدان ذات الأجور المنخفضة.

14 - فالقوة الاقتصادية والأرباح تظل في قبضة شركات الدول الإمبريالية. وهو الواقع الذي يختلف تمامًا عن الأوهام التي ظل ينشرها المدافعون عن أن النيوليبرالية جاءت لتعميم الرخاء في العالم. وهناك قلة من المراقبين المطلعين أكدوا على أن شركات مثل Primark JC Penney في الولايات المتحدة وشركات أخرى مثل Walmart و M&S وغيرها من تجار التجزئة الرئيسيين في بريطانيا والولايات المتحدة تحقق أرباحها من استغلال عمال الملابس البنغاليين. فلماذا هذا التسابق نحو الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج سلعهم من الملابس عبر نقلها نحو البلدان ذات الأجور المنخفضة؟

15 - يمكن الكشف هنا أيضا عن طبيعة المستفيدين الآخرين من هذه العملية، وهم الرأسماليون التجاريون المحليون الذين يمتلكون المباني المؤجرة من قبل تجار التجزئة، والشركات التي لا تعد ولا تحصى التي تزودهم بالإعلانات والأمن وغيرها من الخدمات؛ وكذلك عائدات الحكومات التي تفرض الضرائب على أرباحها وأجور عمالها وتحصيل ضريبة القيمة المضافة على كل عملية بيع.

16 - ومع ذلك، ووفقًا للبيانات التجارية والمالية، لا يتم استخلاص فلس واحد من أرباح الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية أو من عائدات الضرائب الحكومية على قوة العمل المرهق للعمال الذين يصنعون هذه السلع. وبدلاً من ذلك، يتم ادخال العلاوات الضخمة في تكاليف الإنتاج على أنها "ذات قيمة مضافة" في بريطانيا وفي البلدان الأخرى التي تُستهلك فيها تلك السلع، والنتيجة هي أن بيع كل وحدة من الملابس يؤدي الى توسيع الناتج المحلي الإجمالي للبلد الذي تستهلك فيه أكثر بكثير من البلد الذي يتم إنتاجها فيه . فأي خبير اقتصادي برجوازي سيؤكد أنه لا حرج في هذا!

17 - وتشير جميع البيانات والخبرات الميدانية، باستثناء البيانات الاقتصادية للخبراء البرجوازيين، إلى وجود مساهمة كبيرة لقوة عمل عمال الجنوب الذين يعملون لفترة طويلة وشاقة وبأجور منخفضة لإنتاج سلع تحقق أرباح شركات امبريالية مثل Primark و Walmart وغيرها من الشركات الغربية. ومع ذلك، لا نجد في بيانات التجارة والناتج المحلي الإجمالي والتدفقات المالية أي أثر لمثل هذه المساهمة؛ وبدلاً من ذلك، فإن الجزء الأكبر من القيمة المحققة في بيع هذه السلع وجميع الأرباح التي تجنيها شركات التجزئة العملاقة تنشأ نتيجة بيعها في البلد الذي يتم استهلاكها فيه.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير