السر الإلهي الأعظم

وليد مهدي
2021 / 6 / 13

(1)
البديهيات لدى المتدين تفترض مقدما إن الله تحدث بكل شيء عن نفسه ، كأنما صورة وفهم الرب متكاملة لديه .و من حيث المنطق البسيط ، فهذه مسلمات غير صحيحة ، سواء كان الإله موجودا ام لا . الكتب و الرسالات السماوية و نظريات العلوم المعاصرة عن أصل الكون لا تزال غامضة في جوهر بديهياتها ، و الله ، أو أصل الكون وكل ما بطن هذا الوجود ، لم يزل مجهولا لا تعرف الكثير من أسراره بمقياس مبسط وهو :
العقل البشري لا يزال في أطوار الارتقاء و التصاعد ويحتاج الاستيعاب التدريجي لفك لغز هذا الوجود .

أما مسلمة الإحاطة والمعرفة بالله ، لا تختلف في مدى اشكالياتها عن لغز فهم الوجود، كونها لا تتعدى أن يكون توهم زرعه رجال الدين و الذي يعد اليوم بمثابة سرقة لمفهوم الألوهية واحتكاره و يطابق تماما احتكار الدولة للعملة الورقية و طباعتها . الصورة النمطية عن الإله لا تعبر عن حقيقته .بل هي انعكاس للنظام القائم دينيا وسياسيا واجتماعيا. بينما الحقيقة الإلهية من المفترض أن تتجلى كانعكاس روحي لتجربة الإنسان الفرد ولا يفترض بها أن تكون ثابتة تؤدي وظيفة تدعيم النظام الاجتماعي كما تفعل النقود . الدين الذي يحفظ المجتمع متماسكا في خدمة السلطة ، يصبح مثل النظام المالي، و مع مرور وقت طويل يتحول الى مجرد أداة هيمنة للسلطة و يكون فاقدا لروحانيته ودوره في حياة البشر النفسية العميقة .
(2)
هذه المقدمة ، أضعها كتمهيد لمناقشة رؤيا رايتها حين كنت بعمر العشرين . ترتبط بموضوع الاسرار الروحانية و صورة الإله النمطية بشكل وثيق . تحديدا في العام 1996 .كانت من الألغاز الغريبة التي واجهتني و بقيت تشغلني طوال حياتي ، لم تسعفني اي التفاسير المعروفة عن تاويل الرؤى و لا المناهج النفسية المعاصرة. كان المشهد برمته لا يدوم سوى ثوان محدودة ، ربما أقل من عشرين ثانية ، لكنه كان يحمل تفاصيل ، الف عام وبلا مبالغة !!

المشهد يتلخص بأنني كنت في " الجنة " ، في الفردوس الاعلى ..كانت أسراب من الأزهار الملونة الشبيهة بعباد الشمس ، الطويلة كانها أشجار ، والمصطفة حسب الوانها في كراديس وزمر ، كل زمرة تمتد باعداد مليارات على مد البصر تحت سماء لا تنسب إلى الليل ولا إلى النهار !! والوان من الشفق والنور ما لا عين رأت ، كذلك أسراب من أشجار عملاقة مثلها تملأ الارجاء لا تدركها الأبصار العادية ، لكنها تلقى بالبصيرة على سعة امتدادها السماوي كما لو كانت إبصارا بالعينين .

كانت جميعها تتحرك وتتمايل وتتراقص بتناغم وايقاع ثابت ، كما لو أنها في كرنفال كوني عظيم تسبح اسم الله بألحان لا يمكن لأي شيء دنيوي أن يقترب منها بجماله وتأثيره . كانت تسبح بصوت واحد وحركة واحدة على اختلاف أجناسها والوانها . شاهدت أشياء كثيرة على نفس النسقية والتناغم لكنها نسيت ما أن انتبهت من الرؤيا لأنها كانت سريعة و مكثفة .. وربما ، لم يكن ذهني مستعدا لاستيعاب كل شيء قبل أربع وعشرون ..

كانت غرف الجنة تلك خشبية ، مصنوعة بدقة مع الاثاث ، وبطرق لا يمكن وصفها أيضا موصولة لأنابيب وحنفيات يصل إليك منها ما تريد من شراب. ( لم أر الولدان ولا الحور !). لم تكن اللحظات فيها مجرد احاسيس سعادة ، لا ، هناك شيء من الفرح الغامر في القلب يفوق ما نطمح نحن إليه من سكون ورضا واطمئنان ، شيء اكبر من السعادة مليون مرة ، شيء يملأ النفس والروح والوجدان رضا وسموا وتحليقا بنشوة تتفوق على كل ما هو على الأرض بشكل لا يمكن مقارنته حتى . وفي ظل كل ذلك التناغم والتسبيح واللحن الملكوتي الغامر ، توقف الزمن ، تجمدت لحظات الوعي تلك أمام بصري وأفكاري وانطلق إدراك جديد في داخلي لم أكن بانتظاره وكان صادما مزلزلا وبشكل لم أتوقعه في حياتي ..!!

انا الان اتحدث واسرد واحد بالالف مما حصل في ثوان معدودة .وما حصل بعدها أيضا كان كاجزاء ثانية ، أو ربما هو شيء خارج الزمان والمكان بعد تجمد المشاهد والأصوات والوعي ..
سمعت صوت الله ، كان يتحدث الي بشكل مباشر ويسميني باسمي ، الصدمة كانت أنه لم يكلمني من نار أو شجرة أو حتى من وراء حجاب او يرسل رسولا بوحي . لم اسمعه بأذني ولا حتى كخاطرة في ذهني . كان الصوت يخرج من قلبي . من عضلة القلب في صدري و يتردد صداه إلى دماغي كما لو أن قلبي يكلمني .. !!
عمري كان حينها عشرون عاما ، وتحدث الله معي عبر عضلة القلب و بإدراك خارج حدود العالم الحسي للجسد . تحدث بالكثير والكثير بكلام مطول لم يجري عليه الزمن اخر ما تذكرته منه كان :
" انت اليوم في جنتي و غدا نتحاسب "
لسنين طويلة هذه العبارة ، و مشاعر انتماء الإله للقلب ، رسختا في ذهني أننا نحن البشر وهو " واحد " و عندما يحاسبنا كأنما يحاسب نفسه . بالتالي ، السلوك الفردي لكل واحد فينا اذا كان موجها للغاية الشخصية سيكون سلوكا " غير كامل " ، لان الغاية من وجود هذا العالم هو تشكل الكائنات ضمن كيان اكبر ، ولم أجزم حتى وقت قريب ، هل يتوطن الله قلب هذا الكيان العظيم الكلي ، الذي نكون فيه مجرد خلايا صغيرة تقع ضمن جسد عظيم . أم أن الكيان الكلي الذي سنشكله ينبثق منه الرب كالضمير ؟

هذه الجدلية تطابق فكرة متداولة معاصرة :

هل الروح يستوطن الجسد ككيان منفصل ، أم أن الروح هو نتيجة لفعالية الجسد ؟

هذا دليل واضح على أن الفكرة التي اسير على فك شيفراتها صحيحة وموضوعية . فجسدنا البشري مكون من مليارات الخلايا ، كل خلية مفردة كيان قائم بذاته ولديها جينات ووظيفة مستقلة وتعمل بالمشاركة مع بقية الخلايا لإقامة الكيان الاعظم وهو الإنسان . وتستمر السلسلة ، يتشارك البشر ، بعد الموت ، في أنساق روحية تتعاضد بالمليارات لتشكيل كيان أعظم روحاني هو ......؟
ولو جعلنا السلسلة في تصاعد أعلى ، الكيان البشري الاعظم يتشارك مع كيانات عظمى للمخلوقات الحيوانية والعاقلة الأخرى لتشكيل الكيان الواعي العظيم والنهائي وهو ........؟؟
حتى أننا دون ان نشعر عند سماع خبر وفاة شخص ما ، نقول : انتقل إلى الرفيق الأعلى ، انتقل إلى جوار ربه ، انتقل إلى رحمة الله تعالى. كانما ندرك بأن الموت هي حالة انتقال في الذاكرة لتشكيل كيان اعظم ..أو هو التحاق بكيان اعظم ..

هل هذا " الهو " العظيم في النهاية الا محصلتنا " نحن " الكيانات المجتمعة العاقلة في أنساق في عالم ما بعد النفق المضيء أو انفاق ما وراء الثقب الاسود .. ؟؟
(الثقب الأسود وبهذه الرمزية هو اقدس ما في الكعبة)

ما علاقة الضمير " نحن " بالله في القرآن ، ولماذا كان يتماهى استعماله من قبل الملائكة لدرجة لا يمكننا التمييز في بعض آيات سورة مريم والصافات بين نحن التي تعود للملائكة وبين تلك التي يفسرها المفسرون بأنها تعظيم الجلالة الإلهية ؟

تلك الرؤيا ، في ذلك العام ، وتلك المحادثة الخاطفة المكثفة بيني وبينه " هو " الذي كان داخل قلبي ، اوقدت لسنوات طويلة تساؤلاتي عن ما إذا كان " هو " منفصل مستقل عنا " نحن " ام هو في حقيقته ضميرنا الاعلى ؟؟

(3)
ورد في سورة مريم :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا 63 وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا 64 رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا

بنفس محور الجدلية السابقة ، ما اذا كان الله ضميرنا نحن ام هو مستقل عنا ، نعود ونسأل في سياق الآيات السابقة :
هل الله ضميرهم نحن ، ام " هو " كيان مستقل عن الملائكة ؟
فقولهم :
" وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا "

انما يشير بوضوح أن القرآن لسانهم هم ، نتنزل نحن ، على الأقل في هذا الموضع أما " ربك " فهو الضمير محور الحديث "هو".
بالتالي ، فالله يتجلى بنحن ، ثم يتخطى إلى هو (ربك).
وهكذا ، هل يمكننا أن نقول بان الأرض مزرعة لكائنات متنوعة غايتها الأساسية أن تفنى الأنا لتشكل " نحن " جامعة ما وراء الكون المنظور ، بعد الموت ، في هيكل الزمكان الخالد ، وبعدها تلتقي كل " نحن " في الكون ليظهر الوجود ب" هو " .. يوم القيامة !!؟

هل الذي كلمني " هو " نفسه صاحب القيامة والحساب ؟
لهذا السبب أشار إلى أننا جميعا غدا نتحاسب ؟
هل إشارته للحساب تعني لقاءه الحقيقي بتجليه الأعلى ؟

ربما الاندماج النهائي لذوات الكون فيه هو الحساب آخر مرحلة من مراحل تشكل واستقرار الكون في نسق وشكل نهائي مطلق . كأن القيامة هي حسابه هو لنفسه !!

لاحظ بأن الملائكة وبينما يتحدثون عن أنفسهم ، في نفس الوقت الذي يقولون فيه نحن ننزل بأمر من الله ، يقولون انهم يورثون الجنة لمن كان تقيا من عبادهم :

تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا 63 وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا

هذا السياق من الكلام في القران ينسب بوضوح توجيه عبادة البشر إلى كيان الملائكة الجمعي ، وهو نفسه :
" نحن " ، لكنهم رغم ذلك ، يعتبرون الله - ربك أو هو ، الكيان الحاكم الأعلى ..
وهو دليل على قناعة الملائكة بأن الله هو منتهى ضميرهم نحن الكلاني الجامع ، وهناك دليل واضح اخر في القران على ذلك :-

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

على الرغم من ورود ايات عدة في القران بأن الملائكة هم عباد الرحمن ، لكن آيات أخرى تميزهم بأنهم عباد مكرمين ( وهذا تمييز عن العباد العاديين ) ، يتضح تمييز الإكرام
بتقديم الايمان بالملائكة على الإيمان بالكتاب في الآية السابقة (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ).
ولنا أن نسأل :

لماذا هذا التوالي في مقام الملائكة بعد الله مباشرة وقبل اي شيء اخر ؟ هل هناك منهاج سراني في القران ولغز قديم لم يأت أوان تأويله في تاريخ البشر في تلك الحقبة الماضية ؟؟

اذا كنت تؤمن بالله والكتاب والرسل ، لكنك لم تؤمن بالملائكة لانك لا تشعر بهم ، فما الذي يحصل ، ولماذا يعتبر هذا نقص وخلل كبير في الإيمان ، بل ربما ذلك لا يعتبر ايمانا اصلا .. ؟

هذا على الأقل من وجهة نظر الملائكة و وعيهم الجمعي -نحن- . فهم مقتنعون بأن ضميرهم الكلاني هو الأصل في ظهور الروح الإلهي العظيم . وفي حوارهم مع ضميرهم الاعلى واعتراضهم على خلقه للإنسان (ادم ) من الواضح أنهم كانوا معترضين على" التلوث " الروحي الذي ستحدثه حياة البشر في العالم نتيجة الافساد و القتل :
اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ فقال لهم : اني اعلم ما لا تعلمون ..
وأمرهم بأمر غريب جدا ، وهو السجود لادم !!
السجود كان ترميزا لأجل جعل المجتمع البشري قبلة هؤلاء الملكوتيين ، والسهر على حمايته وخدمته في مسار تطوره عبر ملايين السنين !!

نعم ، نحن الملائكة وبيأس باتت تخدم نحن البشر ..!!
أقول بيأس ، بسبب الفوضى والافساد في مسار الزمن ، حضارة يشيدها البشر فوق جماجم المستضعفين ، رغم ذلك ، هو الذي قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون ..!!

ولعل اولى أولياتهم تنصب في المحافظة على الجنس البشري من الانقراض وتهيئة كل سبل الازدهار وصولا إلى غاية تحول الكيان الحيوي للأرض ، بقيادة الإنسان ، إلى " نحن " كلية جامعة تذيب الأنا ، وهي ، ويا للعجب ، غاية المجتمع الشيوعي اللينيني الستاليني !!

عموما ، تؤكد تقارير المخابرات الأمريكية التي أفرج عنها في الأعوام الأخيرة بأن ظواهر الأجسام الغريبة الخارقة التكنولوجيا سجلت اماكن ظهورها في القرن الماضي غالبا قرب مناطق الحروب والنزاعات . هذا يؤكد بأن أولوياتهم المراقبة وعدم الظهور الا في حالات تطلب الأمر من ظهور بوادر حرب عالمية قد تؤدي إلى انقراض الجنس البشري .

الاختبار الحقيقي لهذه القوى الكونية ، التي تجاوزتنا في نظمها الحضارية المتفوقة تكنولوجيا كثيرا ، سيكون عند حدوث الحرب النووية ، ظهورهم و تدخلهم باعتقادي سيكون علنيا مكشوفا واضحا جدا لكل الناس ..
هذه القوى التي ركزت ومنذ الاف السنين على منطقة الشرق الأوسط اكثر من أي منطقة أخرى في العالم ..
(4)
لعل قصة موسى النبي ، كليم الله في سورة الكهف ، تكشف بجلاء حقيقة من " هم " هؤلاء الخالدين أو المسيطرين المتحكمين بهذا الكون !
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
معنى العبد من العباد ، يختلف عن مقاربة من العبيد ، والمعنى أقرب الى " المجند منفذ المهمة بولاء " ، منه إلى عبد ينفذ المهام باكراه ، كأن الخضر العبد الصالح ، مكلف بتنفيذ مهام على الأرض ، واثناء قيام هذا المجند بواجباته ، اعترض طريقه موسى النبي وطلب مرافقته ..!!
وهنا ادرك المجند أن لا طاقة لموسى باحتمال ما سوف يشاهد ، إلى بقية القصة المعروفة ، خرق السفينة لكي تغرق ، وقتل الغلام دون ذنب ، وبناء الجدار بلا ثمن !!
أعمال كلها متناقضة ولا تتشابه مع بعضها ، لكن الغريب في الامر ، هو الاشارة إلى جهة إصدار الامر بالمهمة بدت وكأنها ثلاث جهات :
( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ) جهة إصدار أمر اعابة السفينة كان ذاتيا ، قرار اتخذه الخضر بنفسه " فأردت ".
(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ) جهة إصدار قرار القتل كانت " نحن " الضمير الكلاني للحضارة السماوية أو الملكوتية ، قرار تم اتخاذه بإرادة جماعية (فاردنا)من قبل مجلس جمعي أعلى لإدارة الكون !!

( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

البناء بلا ثمن كان قرارا صادرا من ربك ، ، فاراد ربك ، كان قرارا من : هو .. !!
في الحوادث الثلاث دلالة كبيرة :
قرار التصرف بالحاق ضرر مادي يمكن المجند أن يتخذه بنفسه وهو قرار اغراق السفينة ، اما قتل النفس ، فهو يخص هيئة كونية عليا تتخذ هذا القرار بالاجماع ...!!
بينما كان العطاء بلا ثمن والمحافظة على الأسرار حتى يحين اوانها هو من تخصص المتحكم الأعلى بالكون ..هو ..
وهنا يكون الإله له دور خاص في تنظيم شؤون هذا العالم ، دور متميز ومتفرد ، اشارت له آيات أخرى من القران :
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
غالبا يرد ذكر الدور الإلهي مرتبطا بتاخير الحساب للقيامة
او تأخير المحاسبة الدنيوية حتى أجل معين :

" قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ "

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

ظاهر القراءة الحرفية للقرآن توحي بأن " هو " متخصص بضبط التوقيتات لتطور الأفراد والامم . أي هو يقوم بتحديد اعمار وازمنة ثابتة للأحداث الكونية ، وهذه تفاصيل لا يلتفت إليها و تهمل ضمن الاطار العقائدي العام للمسلمين . المشهد الذي اعمى بصر الاقدمين ان الله ملك أمر ناهي مثل بقية الملوك على الأرض . تفوت كثيرا صورة نظام ملكوتي موزعة فيه الادوار بين الملائكة العاديين والعلويين الكبار (الملأ الأعلى ) و تخصص الله فيه ، كوعي كلي أعلى اسمى للكون بعمل وهو :

المتابعة والتحديث والإشراف العام وضبط مواقيت الموت والميلاد للخلايا الصغيرة و للأفراد والامم كما مر سابقا ، وهذا كله يتم عبر نظام خاص وهو " الكتاب " .!!

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

هذا الكتاب هو سلسلة الأقدام القابلة للمحو والتغيير ، و كذلك الأحداث الحتمية التي لا يجري عليها التغيير ، بمعنى وظيفة الله هي الإشراف على الهاردوير ، الذاكرة الكونية التي تحوي على أحداث مستقبلية احتمالية الوقائع حسب نظرية فضاء الاحتمالات المستقبلية ..
الله ، العقل الكوني الأعلى ، هو الذي يتابع هذه الاحتمالات ويقاربها ويترك منها لمصير اختيار الكائنات ومنها الانسان ، وبعض الاحتمالات يلغيها ليثبت مسارا واحدا حتميا للقدر في بعض الأحيان ..!!
واصدق وصف لهذا الهاردوير الكوني الاحتمالي ورد :

وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ

فالاحتمالية هي مفاتح الغيب بحق وليست مسارات واضحة ، بل يغطيها ضباب وغموض لهذا تحتاج الى فتح وكشف الغازها التي هي من اختصاصه " هو " ...ويعرف أحداث الكون بادق تفاصيلها حتى قيمة المحتوى المائي للخلايا والثمار (ولا رطب ولا يابس) ..

هذا كله وصف يعتمد المقاربة بين فهمي للفيزياء وبين فهمي الحرفي الظاهري للقرآن . والنتيجة هي ان الله ، عقل الكون الأعلى هو محصلة تطور المنظومات الكونية الحية التي ابتدأت بسيطة :

من ذكاء الخلية والمادة الوراثية وتطورها عبر الزمن حتى انتاج الذكاء البيولوجي الحيوي ، ممثلة بالكائنات العاقلة في الكواكب مثل الانسان . و من ثم أنتجت هذه الكائنات الذكاء الصناعي المصنع ولا بد أنه سار بمسارات بعيدة في كواكب ظهرت فيها الحياة بوقت مبكر لظهور الحياة على ارضنا ، وهكذا ، خارج اطار هذا العالم ، وما وراء الأبعاد الوجود ، تجلى الوعي و الذكاء الوجودي في كيان كلي جامع هو الله ، ولكنه وعي أعلى ، فقد سيطر على الوجود برمته .. مثلما سيطر الوعي و الذكاء على جسد الانسان وأصبح يتحكم فيه . فإن الكون سيخضع بشكل منطقي لوعي الكون الأعلى و الذي هو في النهاية وان استولى و تحكم بالوجود ، لكنه بالاصل ، محصلة تطور هذا الوجود نفسه ..!!
(5)
هناك اشارات كثيرة مخفية في القران تشير إلى الدور التوجيهي و دور المتابعة والإشراف من قبل الوعي الكوني الأعلى " هو " الذي نسميه " الله " :

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

القراءة الحرفية لهذا النص ، تختلف عن القراءة التاويلية الشائعة وكانه يشير إلى ان الله خلق الملائكة مجنحين مثل الطير . حرفيا هذا المعنى غير موجود في النص ، لكنه تسرب عبر النقل والروايات التاويلية لوعي المسلمين الجمعي وكانه ظاهر النص . بمجرد ان نضع هذا النص تحت مجهر التفكيك ستتغير الصورة :

الله يجعل من الملائكة مرسلين مجنحين إلى البشر ..!!
اذا اعدنا النص و دققنا فيه نجد أن الاجنحة اكتسبت لاجل الارسال والنزول الأرض . هذا المشهد يقرب صورة النمط ألمتخيل عن القوى الكونية في ذهن الإنسان في القرن السابع الميلادي . ولو نزل القران في القرن الحادي والعشرين لقال : جاعل الملائكة رسلا بمركبات فضائية أو أطباق طائرة تعمل بقوة مضادة للجاذبية لا يمتلك مثلها البشر بعد ..!!
من غير المعقول أن يقول الله انه يرسل الملائكة باجنحة بينما تمتلك دول عظمى طائرات شبح نووية اسرع من الصوت عدة مرات !!
او يقول أن الكرام الكاتبين يكتبون اعمالكم باقلام بينما تقوم اجهزة آبل وهواوي بتسجيلها صورة صوت بشكل توثيقي حي !!

لهذا السبب ، كانت في رؤياي عن الجنة مشهد الغرفة التي تحتوي أنابيب توزيع للشراب وحنفيات (صنبور ) بدلا من مشهد الأنهار القرآني ..!!

بالتالي ، عندما ستحاول قوى الملكوت التجلي والظهور اليوم ، فلن تظهر ملائكة باجنحة ، بل مركبات فضاء متطورة جدا قاهرة ومتفوقة على البشر ، وهو ما كشفت عنه مؤخرا وزارة الدفاع الأمريكية واظهرت تسجيلات واضحة قام بها طيارون أميركان وتابعوا اجساما جوية مجهولة تشبه مركبات فضاء فائقة السرعة ..!!

وكما ذكرت سابقا ، نحن الجنس البشري ، متابعون من قبل هذه القوى التي كانت في تخاطر (تيليباثي) مع البشر الاف السنين ، لكن الإشارات تلتقط بشكل مشوه احيانا من قبل الكهان والانبياء ، فظهرت الديانات مفسرة قوى الكون بشكل بدائي قديم . وربما كانت كتب الديانات الثلاث تحوي بعض التشفير عن هذه القوى نخصص لها دراسة خاصة مستقبلاً .
(6)
اهم ما حصل في الرؤيا كان كلامه " هو " معي ، مستوى الكلام فوق طاقتي وفوق استيعابي ، جله كان غير مفهوم ، لكن ، اهم ما يميزه انه كلام له بداية ولا تكاد تكون له نهاية ، مثلما نقيس نحن سعة الذاكرة بالبايت والتيرابايت ، في تلك الرؤيا ، الكلام يقاس بالزمان ، وكانه حديث الف سنة !!
عندما أصل الى هذه الاية في القران ادرك معناها بعمق وسهولة :

(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا
قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) )

حتى أنني اشعر كل مرة أنها تتحدث عني شخصيا !!
كنت نازلافي الفردوس في تلك الرؤية وكلمني الله هناك بكلمات لا نفاذ لها ولو بعد ألف عام وليس فقط أنها اكثر من ان يكون البحر حبرا لكتابتها كما ورد في ظاهر معنى الاية . الف سنة بالنسبة لي لا تكفي لسماعها، وسماعها ، يثير نشوة في النفس ولذة لا تضاهيها الخمور ولا الهيرويين !!

لا ابالغ ابدا حين اكتب هذا ، هذا ما كنت اشعر به بالضبط ، لن يتجلى الله لنا من الأعلى ، بل هو ضمير باطن في الأعماق ، مثل وعينا الذي انبثق بين ذاكرتنا وحواسنا التي ندرك بها العالم حولنا ، ينبثق الله بين ذاكرة الوجود كله و الكيانات والامم العاقلة مجتمعة في هذا الكون . الهذا السبب كانت القيامة هي " يوم الجمع " و " يوم الحشر " و " يوم الحساب " ..؟؟!!
الأسئلة كثيرة تلك التي بقيت تراودني طيلة ربع قرن مضى ، لكن أهمها كان :

ما هو السر الذي أراد أن يطلعني عليه "هو" ، هذا الوعي الكلي ، في تلك الرؤيا يا ترى ؟
اهم ما عرفته أن " التوحيد " لا يعني فقط انكار الإلهة وتوحيده هو فقط ، بل هذا التوحيد يعد هامشيا أمام التوحيد الحقيقي الأساس في مشهد تناغم الكائنات بالحركة والتسبيح والانسجام بنسق موحد الإيقاع ..لاجل تشكيل وعي منظومة أعلى هي " نحن " .. !!

حتى طريقة صلاة المسلمين بنسق وصفوف وايقاع متناغم يشبه صفوف الملائكة ، الغايه منها توحيد ذرات الوعي لكل كائن و جمعها في كيان وحقل وعي موحد وهو " نحن" ..هذا هو التوحيد الحقيقي الذي وصلت به اشارات ورموز السماء في القران ولم يستوعبها وعي الانسان الشرق اوسطي في القرن الميلادي السابع .

فالقيامة ، هي قيامة العوالم ، وحساب العالم لنفسه بنفسه بضمير كوني عادل نسميه " هو " أو " الله " .
السر العظيم في هذه الرحلة هو ان الوعي والادراك العقلي الذي نحسبه نهاية البصيرة ما هو الا حلقة صغيرة في سلسلة طويلة ، كان ما قبلها وسيكون ما بعدها , وليست الارض نهاية الرحلة !!

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي