قراءة في جذور وأسباب هزيمة حزيران 1967 وعدم الاستكانة لها بمواصلة النضال لتحرير الأراضي المحتلة

عليان عليان
2021 / 6 / 13

بدايةً لا بد من الإشارة إلى ان تاريخ الأمة العربية بعد 5 حزيران عام 1967 هو تاريخ انتصارات متلاحقة، وتاريخ هزائم متصلة ومتراكمة للعدو الصهيوني، رغم اتفاقات " ما يسمى بالسلام" الموقعة معه من قبل بعض الدول العربية.
إن جردة سريعة لتاريخ الصراع العربي- الصهيوني منذ ذلك التاريخ تؤكد ذلك، فقد سجل الجيش المصري أولى انتصاراته مباشرة بعد هزيمة 1967عبر معارك تكتيكية مثل معركة رأس العش وإغراق المدمرة ايلات، ومعارك اختراق العمق الصهيوني في صحراء سيناء من قبل مجموعات خاصة من الجيش المصري.
ومن ثم كانت الانتصارات التكتيكية في ميدان القتال ، مقدمة لانتصار الجيش المصري في حرب الاستنزاف، بعد أن استعاد الجيش المصري بالتدريج قدراته العسكرية بدعم هائل من الاتحاد السوفياتي، واستوعب في صفوفه عشرات الآلاف من الطلبة الجامعيين، حيث اعترف العدو الصهيوني وعلى لسان رئيس الكيان الصهيوني الأسبق حاييم هيرتزوغ، أن ( اسرائيل) خسرت حرب الاستنزاف التي باشرتها مصر بعد حرب 1967 .
وعلى الجبهة الأردنية- الإسرائيلية، سجل الجيش العربي الأردني والمقاومة الفلسطينية انتصارات تكتيكية متلاحقة، عبر دك المستعمرات والمواقع العسكرية الإسرائيلية بقذائف الدبابات والصواريخ، وعبر قيام المجموعات الفدائية بتنفيذ مئات العمليات ضد مواقع العدو ومنشآته وتحصيناته العسكرية، حيث توجت هذه الانتصارات التكتيكية بانتصار حاسم في معركة الكرامة الخالدة عام 1968 ، التي قضت ولأول مرة على اسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر.
ومن ثم توالت انتصارات الجيشين المصري والسوري في حرب تشرين 1973 -رغم انقلاب السادات على الخطة والأهداف المتفق عليها مع الرئيس حافظ الأسد - وفي معارك المقاومة في الجنوب اللبناني ، وفي الانتفاضة الاولى( 1987- 1993) ، وفي انسحاب الجيش الصهيوني من الجنوب اللبناني في أيار 2000 تحت وطأة الضربات المتلاحقة له من قبل مقاتلي حزب الله، وفي انتفاضة الأقصى عام (2000م )التي طرحت ولأول مرة سؤال الوجود بالنسبة للكيان الصهيوني، وصولاً الى انتصار حزب الله في حرب تموز 2006، وانتصار ارادة المقاومة في قطاع غزة، وإفشالها استهدافات العدوان الصهيوني في حروبه العدوانية على قطاع غزة عام ( 2008 - 2009) وفي العامين 2012 و 2014م...وأخيراً انتصار المقاومة التاريخي في مايو ( أيار ) الماضي في معركة سيف القدس، رداً على انتهاكات المستوطنين للمسجد الأقصى وعلى إجراءات العدو لتهجير أسر فلسطينية من حي الشيخ جراح في إطار مخططه لتهويد القدس .
في ذكرى حرب حزيران 1967م، يسعى الباحثون والمتخصصون في شؤون الصراع العربي- الصهيوني، إلى تقديم قراءات جديدة للحرب وأسبابها، وأسباب هزيمة الجيوش العربية آنذاك.
جذور الحرب
ويرى بعض الباحثين، أن جذور حرب 1967، تعود الى السادس من نيسان 1967 عندما حدث الاشتباك الجوي بين سوريا والعدو الصهيوني، الأمر الذي حدا بمصر إلى ان تعمل على تطبيق معاهدة الدفاع المشترك مع سوريا، والموقعة في تشرين ثاني(نوفمبر) 1966، حيث وضع الجيش المصري على أهبة الاستعداد، وتم حشد قوات كبيرة من الدبابات والمشاة في سيناء قرب خطوط الهدنة، وذلك ابتداء من 15 مايو (أيار)1967، وتلا ذلك طلب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في 16 أيار ( مايو ) من قوات الأمم المتحدة إخلاء سيناء وقطاع غزة، ومن ثم توقيع اتفاقيين عسكريين مع كل من الأردن والعراق عشية اندلاع الحرب في الخامس م حزيران 1967.
ويرى البعض الآخر، أن جذور الحرب تعود للتحرشات" الاسرائيلية" بسوريا إثر قرار القمة العربية الأولى عام 1964 في القاهرة، بتحويل مياه نهر الأردن في كل من سوريا ولبنان، وتأسيس منظمة التحرير عام 1965، حيث قام الطيران الاسرائيلي بقصف منشآت تحويل النهر واستفزاز سوريا مراراً وتكراراً ، وحسب هؤلاء الباحثين والمؤرخين، فإن الخطة الاسرائيلية لجر مصر وسوريا للحرب آنذاك، كانت مبيته منذ ذلك التاريخ.
ويرى فريق ثالث، أن خطة الحرب الصهيونية ضد مصر، مبيته منذ 8 آذار 1957 عندما انتهت أزمة السويس، بانسحاب القوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، عبر الاتفاق على دخول قوات دولية تابعة للأمم المتحدة، إلى المناطق التي انسحبت منها قوات الاحتلال الاسرائيلي لحماية وقف اطلاق النار.
كما يرى هذا الفريق، أن العدو الصهيوني، بدأ بوضع خطة، لضرب مصر، منذ ذلك التاريخ، بسبب فشل الأهداف الإسرائيلية، المتوخاة من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والمتمثلة بشكل رئيسي في تطويع المشروع القومي، لثورة 23 يوليو- تموز 1952 في مصر بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر.
وباختصار شديد، فإن الجذور-الأسباب الثلاثة، سالفة الذكر، تكمل بعضها، وإن كان الاخير هو السبب الرئيسي، حيث كشفت الوثائق الاسرائيلية، بان العناوين الرئيسية لخطة الهجوم الاسرائيلي على مصر، وضعت منذ عام 1957، وأن رئيس الكيان الصهيوني الأسبق، عزرا وايزمن، هو الذي وضع خطة ضرب المطارات المصرية وأجرى تدريبات مسبقة منذ ذلك التاريخ لتطبيقها.
أسباب الهزيمة
هذا عن أسباب الحرب وجذورها، أما عن أسباب الهزيمة، فقد اختلفت التيارات الفكرية والباحثون في تفسيرها ، فقوى اليسار العربي أعادت الهزيمة للبنية الطبقية للبرجوازية الصغيرة، لنظامي الحكم القوميين في كل من مصر وسوريا، لكن هذا التفسير لم يصمد أمام المعطيات اللاحقة في كل من حرب الاستنزاف وحرب تشرين، إذ أنه ليس قدراً أن تمنى البرجوازية الصغيرة بالهزائم والنكسات.
وقوى التيار الاسلامي، ربطت الهزيمة بغياب البعد الاسلامي، في حين ربط التيار الليبرالي الهزيمة بغياب الديمقراطية والتعددية السياسية، لكن هذين التيارين لم يتوقفا عند الأسباب التقنية والأسباب الأخرى للهزيمة ، ناهيك أن قراءتهم للهزيمة انطوت على بعد ثأري من الرئيس جمال عبد الناصر.
وأرجع باحثون ومؤرخون، الهزيمة الى الخلل في موازين القوى والدعم العسكري اللامحدود من قبل الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، ونقص الاسلحة المتطورة لدى الجيوش العربية، لكن هذا السبب لا يصمد أمام حقيقة أن جيوش دول الطوق امتلكت من الاسلحة السوفياتية ما يكفي لهزيمة الكيان الصهيوني.
وربط فريق رابع الهزيمة، بالضربة الاستباقية، التي نفذها العدو الصهيوني، ضد مصر وسوريا والأردن، والتزام مصر، بنصيحة السوفيات بعدم البدء بالحرب.
وهنالك فريق أنتمي إليه في قراءة أسباب الهزيمة ،يعتقد أن مصر دخلت الحرب في إطار ردة الفعل على التحرشات الإسرائيلية بسورية، بدون توفر خطة مسبقة ضوء وأن الرئيس جمال عبد الناصر أعطى الأولوية للتنمية من خلال الاستفادة من السد العالي وبحيرة ناصر لاستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة وتوزيعها على الفلاحين ومن خلال التصنيع الثقيل وغيرها من الوسائل ، في إطار مشروعه الاشتراكي لتحقق العدالة الاجتماعية ، هذا كله من جانب ومن جانب آخر فقد كانت هناك قوى ورموز فاسدة مختبئة في جسم ثورة 23 يوليو وترفع شعاراتها، لكنها في الحقيقة كانت مضادة لمشروعها وشغلت مواقع حساسة في الاتحاد الاشتراكي وفي قيادة الجيش وسلاح الطيران والمخابرات ، إذ لم ترتق هذه الرموز الفاسدة لمستوى التحدي ، ولم تتخذ الخطوات المطلوبة للتصدي للعدوان، بعد أن أبلغها الرئيس جمال عبد الناصر بالتاريخ المتوقع له في الخامس من حزيران.
وفي التقدير الموضوعي، أن راي الفريق الأخير، هو الأقرب إلى الصواب والدقة خاصة وان الجيوش العربية، امتلكت كميات هائلة من الأسلحة المتطورة، تمكنها في ضوء تفوقها العددي من خوض الحرب والانتصار فيها ، لو توفرت الخطة والقيادات العسكرية الوطنية المسؤولة .
لقد عمل الرئيس جمال عبد الناصر على إجراء مراجعة مراجعه لأسباب الهزيمة ومراجعة لتجربة ثورة 23 يوليو ، وعمل على معالجتهما بشكل جذري من خلال محاكمة كبار القيادات العسكرية والأمنية ، وإعادة باء القوات المسلحة، ومن خلال بيان 30مارس والمضي قدماً في بناء التنظيم الطليعي.
وأخيراً لا بد من الاشارة، الى أن نظام الحكم الناصري في مصر، كان مستهدفاً من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بسبب مشروعه القومي في محاربة التخلف والتبعية والتجزئة، وبسبب دوره في انشاء منظومة عدم الانحياز، وبسبب تحويل مصر الى اقليم قاعدة لدعم حركة التحرر العربية، وجراء تحالفه مع الاتحاد السوفياتي.
انتهى

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي